هنري زغيب*
صباح الأَحد الماضي، عادَت المركبة الفضائية “أُورَايُن” من المهمة “آرتيميس 2″ بعدما دارت حول القمر في رحلة استكشافية.
ما علاقتُنا بـ”أُورايُن” و”أَرتيميس”؟
“أُورايُن”، في الميثولوجيا الإِغريقية: صيَّاد عملاق عنيف حوَّله زوس شُلَّة نجوم. ذكَرَه هوميروس في ملحمَتَيه “الإِلياذة” و”الأُوديسيه”، وغنَّاه الشاعر الروماني أُوڤيد في كتابه الشهير “التحوُّلات”. كان أُورايُن بطلًا عظيمًا في منطقة البيوسيا (حاليًّا في وسَط اليونان). علاقتُنا به ما ذكرَه سعيد عقل في رائعته “قدموس”: “لَمَّا كبيرُ الآلهة زوس اختطَف أُوروپ بنْت أَشنَّار مَلك صور، لحقَ بهما قدموس إِلى بلاد الإِغريق ليَستردَّ أُختَه. وهناك في البيوسيا قتَلَ تنينًا كان فتَكَ باثنين من رجاله”.
علاقتُنا بأَرتيميس (وهي ذاتُها الإِلهةُ ديانا في الميثولوجيا الرومانية) أَنها إِلهةُ الصيْد والقمر، وتوأَمُ أَخيها أَپولو إِله الرماية. وكلاهما من أَبناء زوس خاطفِ أُوروپ بنْت مَلك صُور.
من هذا النَسَب الميثُولوجي اعتمدَ برنامج “الناسا” اسمَ “أَپولو” للرحلة الفضائية الحادية عشْرة (بين 16 و24 تموز 1969) وهي التي حملَت رائدَ الفضاء نايل أَرمسترونغ (1930-2012) ليكون أَوَّلَ إِنسانٍ وطئَ أَرض القمَر.
هذا عن الأَسماء حاضرًا معاصرًا وميثولوجيًّا قديمًا.
فماذا يجمعنا اليوم بمهمة أَرتيميس التي حقَّقها الأُسبوع الماضي أَربعةُ روَّاد فضاء بينهُم سيِّدة؟
من مَهامّ الرحلة، على ما جاء في برنامج “الناسا”: “جولة دائرية في مسار حُرٍّ حول القمر”. ولكننا نحن، قبْلهم، قُمنا بهذه الجولة لتحديد مسار القمر، وكُنَّا أَقرب منهم إِلى القمر، حين غنَّى لبنان: “نحنا والقمر جيران… بيتُو خلْف تْلالنا، بيطلع من قْبالنا، يسمع الأَلحان… عارف مْواعيدنا، وتارك بْــقرميدنا أَجمل الأَلوان… ياما سْهرنا معو، بلَيل الهنا مع النهدات، وياما على مطلعو شَرحنا الهوى غوى حكايات… نحنا والقمر جيران، لَمَّا طلّ وزارنا، عَ قَناطر دارنا رَشرَش المرجان”.
ومن مَهامِّ رحلة أَرتيميس: “مراقبة القمر عن بُعد، لاكتشاف أَجزاء منه يراها البشر لأَول مرة”. ولكنَّ لبنان قبلهم نادى القمر عن بُعد: “لولا بْتقْعُد تتسمَّع من خلف الوْراق، مش أَحسن ما تقوم تطْلع وتفْضح العشَّاق؟ أَحلى تْضلَّك قمَر زْغِير… لَشُو تكبَر يا قمر”؟
ومن مَهامِّ رحلة أَرتيميس: “دراسة تأْثير القمر جانبيًّا لتحديد مساره”. لكنَّ لبنان قبلهم عرفَ مسار القمر فغنَّى: “القمر بيْضوِّي عَ الناس والناس بيتقاتلوا. عَ مْزارع الأَرض الناس، عَ حجار بيتقاتلوا. نحنا ما عنَّا حجر، لا مْزارع ولا سجَر، إِنتَ وأَنا يا حبيبي بيكَفِّينا ضوّ القمر”.
ومن مهامِّ رحلة أَرتيميس: “دراسة مدار القمر حول بعض الكواكب”. لكنَّ لبنان قبْلهم شاءَ أَن يُريح القمر من دوَرانه الـمُتْعِب فغنَّى له: “سافرْتْ كتير وضَوَّيْت، عمرَك كلُّو راح، لولا بتلْقيلَك شي بيت وبتقْعُد ترتاح. هالعيشه الْكِلَّا سفَر، بُكرا بتجيبْلَك ضَجَر، خلِّينا نشْتاق عليك، غيبْلَك سنه يا قمَر”.
وختامًا: وفْق مخطط “الناسا” أَنَّ تلك المركبة الفضائية، عند ختام يومها العاشر، هبطت الأَحد الماضي في المحيط الهادئ قُرب سان دييغو في كاليفورنيا مُتَمِّمة رسالتَها العلْمية. لكنَّ لبنان قبْلَذاك تَمَّمَ رسالةً إِنسانيةً وهبوطًا أَكثر أَمانًا على جسر جميل، حين غنّى: “كلّ ضيعه بينها وبين الدني جسر القمَر. وطالما فيها قلْب بيشِدّ قلْب، مهما تْعرَّض للخطَر ما بينْهَدَم جسر القمر”.
تلك كانت رحلة أَرتيميس حول القمر، وسيذْكُرها تاريخ العلْم. لكنَّ لبنان قبلَها دخلَ تاريخ الإِبداع مع العبْقريَّين عاصي ومنصور الرحباني اللَذَين تركا لنا، بصوت الخالدة فيروز، إِرثًا خالدًا يحملُنا كلَّ يومٍ إِلى فضاءِ الجمال، قاطفًا جواهرَ نادرةً لكلِّ عصرٍ ولكلِّ جيل.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
