مَلعَبٌ لكُرَةِ النار

رشيد درباس*

… وأُسْتَدْعى إلى الحرب

لكي يُصْبِحَ سِعْرُ النِّفطِ أعلى

…وتاجُ المُلْكِ أغْلى

محمود درويش

نُسِبَ لمحمود درويش، “إنَّ الحربَ ستنتهي، وسيتصالح القادة وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها… لا أعلم مَن باعَ الوطن، لكنني رأيتُ مَن دفع الثمن”.

بغضِّ النظر عن قائله، رأيتُ في هذا النصّ أوجه شبه كثيرة مع ما يشهده الخليج والشرق الأوسط من منازلات جوية تنزل ويلاتها على الأرض والبحر بلا هوادة. ورُغم هذا، يبدو لي من متابعة جلسات التحاليل السياسية في قنوات متعددة، أنَّ مُعظمَ السادة المحلّلين تلبسوا لبوس المعلّقين على مباريات كأس العالم، وبذلوا وسْعَ فصاحتهم واستنتاجاتهم، في خدمة البحث عن النتائج، من عدد الأهداف المسجّلة في كلِّ مرمى، حتى ترتيب الفرق المتأهِّلة للأدوار النهائية. لكنَّ أكثر ما مَضَّني أن يكونَ لبنان ملعبًا لكرةٍ مُلتهبة لم يتوقف شرارها منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، مع فترات استراحة قصيرة جدًّا، مليئةٍ بأهازيج النصر وأفواج اللاجئين ورُكام الخراب. وما يزيد المضاضةَ أنَّ المباراة تجري بين فرقة من الهدّافين الناريين وأخرى من المدافعين الذين اتبعوا التكتيك التراجعي، يحاولون جهدَهم إعطاب لاعبي العدو. فإذا صحَّ هذا التشبيه وجدنا أنَّ اللعب لا يخضع لقواعد ولا يحكمه حَكَم على حدِّ تعبير الأستاذ إدمون رباط (الحفيد). وعلى هذا النمط يسير المحلّلون، لأنهم يهملون في حساباتهم موازين القوى وحساب الأرباح والخسائر المادية، ويكتفون بتظهير المعنويات التي يتبارى فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإعلام الحرس الثوري الإيراني وقادة “حزب الله”؛ لكن بعد أن تبرد الجروح تملأ الآلام المشهد، ويعمُّ المضض، وتضيق القبور بنزلائها الجدد، وتيبس الأسلاك من انقطاع الكهرباء، ويتلوّى الاقتصاد من التضخُّم، وتمتلئ السماء بالجوارح المتربّصة، وتتخذ البوم مقامًا مختارًا في حميم البيوت التي سقطت أسقفها وتصدّعت أعمدتها، وتشرّدت عائلاتها في إقامات الذلِّ والضياع.

ليست الحربُ لعبةً إذًا، ولا الأوطان مساحات لهو، لأنَّ ما يبدو لعبًا في ظاهره هو الجدية الكلية، فالبوارج لا تتحرّك، والطائرات لا تُحلّق، والمدافع لا تبصق حممها إلّا في خدمة الاقتصاد. وفي هذا الصدد يجدر لفت الانتباه إلى الصين التي اعتصمت بابتسامتها التاريخية، وأبدت حيادًا ظاهريًّا، وهي على تمام العلم أنَّ العنوان الأساس لرسالة ترامب هو الاقتصاد الصيني الذي يتفشّى في أسواق العالم، سريانَ الريح اللينة في أشرعة خلفاء ماوتسي تونغ، الذين أخذوا عنه الضبط والربط، وخلَّوا له وراءهم كتابه الأحمر، واعتصموا بكتب اقتصادية مبتكرة تنكبُّ عليها المنظومة المالية العالمية، أسواقًا ومؤشرات، باهتمام بالغ.

شبَّ الاقتصاد الصيني عن سور الصين العظيم، ودخل إلى كلِّ غرفة في كل بيت في العالم أجمع. فلما احتدمت الحرب، عكف على دراسة نتائجها ومحاولة اتقائها، لمعرفته أنَّ العجلة الأميركية العسكرية لم تُدَر إلّا من أجل كبح جماح تمدّده.

قال ميخائيل نعيمة بعد الحرب العظمى الأولى:

أخي! إنْ ضَجَّ بعدَ الحربِ غَرْبِيٌّ بأعمالِهْ

وقَدَّسَ ذِكْرَ مَنْ ماتوا وعَظَّمَ بَطْشَ أبطالِهْ

فلا تهزجْ لمن سادوا، ولا تشمتْ بِمَنْ دَانَا

بل اركعْ صامتاً مثلي بقلبٍ خاشِعٍ دامٍ

لنبكي حَظَّ موتانا

هذه الأبيات لم تزل شهادتها صالحة لكلِّ زمان ولكلِّ حرب، بما يقتضي أن نتمتع بقدرٍ كافٍ من الرغبة في النجاة من ألسنة اللهب التي تلتهم الأبناء وتزهق حيواتهم أو تدفعهم إلى هجرة لا عودة بعدها. فالإسهام اللبناني في المساندة لم يؤثر شعرة في الحملة الأميركية، بل جعل مأساتنا الفادحة عبارة عن أضرار جانبية في حمأة صراع باهظ الثمن، تلته مفاوضات بالغة التعقيد، أُقحمِ لبنان في بنودها إنقاذًا لماء ودماء الجبين، من غير أن يمنع إسرائيل عن المضي في عدوانها.

أردت مما تقدم أن أشير إلى أنَّ المباهاةَ بالغلبة مباهاةٌ مهزومة رغم الأطروحات السياسية المكتوبة بأسطر الرغبات لا بأسطر الواقعية.

أعود إلى الأستاذ إدمون رباط الذي كتب مقالًا عنوانه “إيران في خطر السلام” (متيمنًا بعنوان كتاب قديم هو Israel en dager de paix للصحافي الفرنسي Marc Hillel) جاء في إحدى فقراته: إذا كانت الحرب تعلق الأسئلة فالسلام يعيد طرحها؛ وإنني أوافقه تمامًا بما ذهب إليه، وأضيف: إنَّ الخوف من السلام كالخوف من الموت، كلاهما آتٍ بلا شك.

من باب الطرافة، أعجبتني مقارنة أفراح النصر بأفراح إلغاء الامتحانات الرسمية. فالنوعان زَبَدٌ لا يُكَوِّنُ رصيدًا سياسيًّا ولا يؤهل لدرجة علمية؛ فالقواميس السياسية متخمة بالفاظ حمَّالة أوجه، كمثل موضوع التراجع عن جنوب الليطاني الذي كان مرذولًا قبل إسناد غزة، فأصبح مطلوبًا بعد إسناد إيران. وكيف لكلمة المفاوضات أن تجيز لإيران عقد الاتفاق الاستراتيجي مع الشيطان الأكبر، ولكنها في الوقت عينه تمنع الدولة عن الذهاب إلى واشنطن بحثًا عن صيغة تقيل لبنان من مأساته ولو على غرار مفاوضات (كاريش) “المنتصرة”.

ليس الوقت متاحًا للسجال ولكن وجب التذكير بأنَّ العرب تمسّكوا طويلًا بالجُملَةِ الثورية والخُطَبِ المبدئية فيما كانوا يخسرون الأرض تباعًا، فهل يجوز إذا ما كانت هناك محاولة لاستعادة الأرض أن تقذف بالعار على قاعدة الخروج عن النص؟

لقد أدلى الرئيس جوزيف عون بخطاب واضح حول مسألة الإطار الذي جرى الوصول إليه في مفاوضات واشنطن أمام وفدي نقابتي محامي بيروت وطرابلس، وكذلك فعل رئيس الحكومة نواف سلام في مقابلة رصينة بَيَّنَ فيها وجهة نظر متينة وأكد أنَّ المفاوضات تسير تحت إشراف رئيس الجمهورية بالتشاور الدائم مع رئيس مجلس الوزراء. أنا وبمعزل عن رأيي في موقفَي الرئيسين، أرى أنَّ المقولتَين تحتاجان بالدرجة الأولى إلى وضعهما موضع الحوار النظيف والعاقل بدلًا من أن تكون محل تجاذب بين مؤيد ومعارض حتى التخوين. فهذا النهج الذي سلكه الحكم صالح للتفاهم حوله، وهو إطار لا يتضمّن التزامات لأنه لم يصبح اتفاقًا بعد، بما يجعله ممكن التعديل وصالحًا للتحليل، وهو في كل حال إعلان نيات يمكن أن تبدده رياح العدوان والمصالح.

وفي الختام أقول: إنَّ النصوص في خدمة كل رملة من تراب أرض الجنوب.

Exit mobile version