ماذا سيبقى من “محور المقاومة” إذا نجح التفاهم الأميركي-الإيراني؟

كابي طبراني*

قد يكون أخطر ما في التفاهم الأميركي-الإيراني المحتمل أنه لا يفاوض إيران وحدها، بل يفاوض معها مستقبل شبكة كاملة من الحلفاء والوكلاء الذين أعادوا تشكيل توازنات الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فخلف الملفات النووية والعقوبات الاقتصادية وحرية الملاحة في الخليج، يختبئ سؤالٌ أكثر عمقًا: ماذا سيحدث ل”محور المقاومة” إذا نجحت واشنطن وطهران في الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة إدارة الخلاف؟

حتى الآن، لا تزال بنود مذكرة التفاهم التي يناقشها الطرفان في جنيف موضع أخذ ورد، وما تسرّب منها لا يكفي للجزم بمداها النهائي أو فرص نجاحها. لكن مجرد طرحها يعيد إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا في خلفية معظم أزمات المنطقة خلال العقدين الماضيين: هل يمكن التوصل إلى تفاهم أميركي-إيراني مستدام من دون إعادة تعريف دور القوى المرتبطة بطهران في لبنان والعراق واليمن؟

منذ سقوط بغداد عام 2003، بنت إيران جُزءًا كبيرًا من نفوذها الإقليمي على شبكة واسعة من الحلفاء والفصائل المسلحة. لم تكن هذه الشبكة مجرد امتداد سياسي أو إيديولوجي للسياسة الإيرانية، بل تحوّلت تدريجًا إلى منظومة ردع إقليمية متكاملة. فمن خلال “حزب الله” في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيين في اليمن، والقوى الحليفة في سوريا، استطاعت طهران أن تؤثر في معادلات المنطقة من دون الحاجة إلى الانخراط المباشر في معظم المواجهات.

وقد وفرت هذه المعادلة لإيران ميزتين أساسيتين. الأولى أنها منحتها قدرة على ممارسة النفوذ خارج حدودها الجغرافية، والثانية أنها رفعت كلفة أي مواجهة معها من خلال تعدد الساحات وتداخل الجبهات. لكن ما شكّلَ مصدر قوة خلال السنوات الماضية قد يتحوّل اليوم إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في أيِّ تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة.

فإذا كان الهدف من الاتفاق المرتقب هو تجنُّب حرب إقليمية واسعة، وإعادة ضبط العلاقات الأميركية-الإيرانية ضمن حدود يمكن التحكُّم بها، فإن نجاحه سيظل مرهونًا بما يحدث خارج قاعات التفاوض بقدر ارتباطه بما يجري داخلها. فلا يمكن الحديث عن تهدئة استراتيجية طويلة الأمد بينما تبقى الجبهات الإقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد في أيِّ لحظة.

ومن هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كانت إيران ستتخلّى عن حلفائها، بل ما إذا كانت ستُعيدُ تعريف دورهم.

فعلى مدى سنوات، لعبت هذه القوى وظيفة مزدوجة: الدفاع عن مصالحها المحلية من جهة، وتشكيل أدوات ضغط وردع ضمن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية من جهة أخرى. أما في مرحلة التفاهمات المحتملة، فقد يصبح المطلوب منها أداء دور مختلف يقوم على الحفاظ على النفوذ السياسي والاجتماعي مع خفض مستوى الانخراط العسكري المباشر.

في لبنان، يبدو هذا الاحتمال أكثر وضوحًا. ف”حزب الله”، الذي شكل لعقود أبرز أركان “محور المقاومة”، لا يزال لاعبًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية والإقليمية. لكن البيئة التي يعمل فيها تغيّرت بصورة ملحوظة بعد الحرب الأخيرة. وإذا كان التفاهم الأميركي-الإيراني سيقود إلى مرحلةٍ أكثر هدوءًا، فقد يجد الحزب نفسه أمام ضرورة التركيز بصورة أكبر على حضوره السياسي الداخلي، مع تقليص هامش المبادرات العسكرية التي قد تهدد الاستقرار الإقليمي أو تضع التفاهمات الجديدة تحت الاختبار.

وفي العراق، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالفصائل المسلحة هناك ليست كتلة واحدة، ولا تتحرك جميعها وفق حسابات متطابقة. بعضها أصبح جُزءًا من النظام السياسي، وبعضها لا يزال يحتفظ بهياكل عسكرية مستقلة. ولذلك فإنَّ أيَّ محاولة لإعادة ضبط المشهد العراقي ضمن تفاهم أميركي-إيراني ستواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في قدرة طهران على التأثير في قرارات جميع هذه القوى، أو على الأقل إقناعها بأنَّ مصالحها المستقبلية قد تكون في الاستقرار أكثر منها في المواجهة.

أما في اليمن، فإنَّ الحوثيين يمثلون نموذجًا مختلفًا. فقد تجاوز دورهم حدود الحرب اليمنية ليصبح مرتبطًا مباشرة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية. وإذا كانت المفاوضات الجارية تهدف فعلًا إلى خفض التوترات الإقليمية، فمن الصعب تصوُّر استمرار الدور نفسه الذي لعبته الجماعة خلال السنوات الأخيرة من دون تعديلات جوهرية تفرضها الحسابات الجديدة.

هذا لا يعني أنَّ “محور المقاومة” يقترب من نهايته، كما يتمنّى بعض خصومه أو يتخوّف بعض أنصاره. فالشبكات السياسية والعسكرية التي بنتها إيران خلال عقدين لا يمكن تفكيكها بقرار سياسي أو تفاوضي. كما إنَّ النفوذ الذي راكمته هذه القوى داخل مجتمعاتها المحلية أصبح جُزءًا من معادلات داخلية يصعب تجاوزها.

لكن ما قد نشهده هو تحوُّل تدريجي من “محور مواجهة” إلى “محور نفوذ”. والفارق بين الاثنين كبير. فمحور المواجهة يقوم على الجبهات المفتوحة والردع العسكري والتصعيد المستمر. أما محور النفوذ فيقوم على الحضور السياسي، والتأثير داخل مؤسسات الدولة، والقدرة على حماية المصالح من خلال التفاوض والشراكات أكثر من خلال السلاح.

وهنا تكمن المُعضِلة الحقيقية أمام إيران. فمن جهة، تحتاج طهران إلى بيئة إقليمية أكثر استقرارًا إذا كانت تسعى إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات مع الغرب. ومن جهة أخرى، لا تستطيع التخلي بسهولة عن الأدوات التي وفرت لها النفوذ والردع طوال السنوات الماضية. لذلك قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو الإبقاء على هذه الشبكة، مع إعادة ضبط قواعد استخدامها بما ينسجم مع مرحلة أقل صدامًا وأكثر قابلية للإدارة.

غير أنَّ الشرق الأوسط لا يعرف كثيرًا الاستقرار الذي تفرضه التفاهمات وحدها. فالاتفاقات الكبرى غالبًا ما تُختَبَر في الميدان قبل أن تُختَبَرَ على الورق. وأيُّ تصعيدٍ على الحدود اللبنانية، أو هجوم على قوات أميركية في العراق، أو توتر جديد في البحر الأحمر، قد يعيد خلط الأوراق ويدفع الأطراف المختلفة إلى مراجعة حساباتها.

لهذا السبب، لن يتحدد مصير التفاهم الأميركي-الإيراني في جنيف وحدها، بل في بيروت وبغداد وصنعاء أيضًا. فهذه العواصم كانت طوال العقدين الماضيين ساحات الصراع غير المباشر بين الطرفين، وقد تصبح اليوم ساحات اختبار لأيِّ تفاهم بينهما.

السؤال إذن ليس ما إذا كان “محور المقاومة” سيختفي إذا نجح الاتفاق، بل ما إذا كان قادرًا على التحوُّل من أداةٍ للصراع إلى أداةٍ للنفوذ. وإذا نجحت إيران في إدارة هذا التحوُّل، فقد نشهد بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط تختلف عن تلك التي عرفناها منذ عام 2003. أما إذا فشلت، فإنَّ أيَّ تفاهم سيبقى مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم تنتهِ أسبابه بعد.

Exit mobile version