تُواصل سلطنة عُمان ترسيخ دورها وسيطًا إقليميًا فاعلًا عبر تحرُّكٍ ديبلوماسي يقوده السلطان هيثم بن طارق، يهدف إلى تعزيز أمن الملاحة في مضيق هرمز ودعم جهود خفض التصعيد في المنطقة، في ظلِّ تطوُّرات متسارعة أعقبت التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من مساعٍ لإعادة الاستقرار إلى أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.
وجاءت لقاءات السلطان في باريس ولندن لتؤكد تنامي الاهتمام الأوروبي بالدور العُماني، ليس فقط باعتباره قناة تواصل موثوقة بين القوى الإقليمية والدولية، وإنما أيضًا كشريكٍ رئيسي في حماية أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمرُّ عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا.
ويعكس هذا التقارب تحوُّلًا في المقاربة الأوروبية تجاه أمن الخليج، إذ باتت سلطنة عُمان تُنظر إليها بوصفها الدولة الخليجية الأكثر قدرة على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، وفي مقدمتها إيران، بما يمنحها موقعًا محوريًا في أيِّ ترتيبات مستقبلية تتعلق بأمن الملاحة وخفض التوترات الإقليمية.
وخلال الزيارة الرسمية التي أجراها السلطان إلى فرنسا، وهي الأولى لسلطان عُماني منذ عام 1989، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتفاق البلدين على التعاون في تأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز، بما يشمل العمل المشترك في إزالة الألغام البحرية بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، لضمان حرية المرور من دون عوائق.
وأكد ماكرون أنَّ الجانبين وقعا حزمة اتفاقيات وصفها بـ”التاريخية”، شملت مجالات الاقتصاد والصناعة والعلوم والثقافة، مشيدًا بالدور الذي تؤديه سلطنة عُمان في جهود الوساطة الإقليمية، لا سيما في الملفات المتعلقة بإيران واليمن، ومعتبرًا أنَّ سياسة السلطنة القائمة على الحوار تمثّل ركيزة مهمة لاستقرار المنطقة.
ولم تقتصر نتائج الزيارة على الجانب السياسي، إذ شهدت توقيع اتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات في قطاعات الدفاع والطاقة والمياه والخدمات اللوجستية والفضاء، في مؤشر إلى أنَّ العلاقات العُمانية الفرنسية تتجه نحو شراكة استراتيجية أشمل تجمع بين المصالح الاقتصادية والتعاون الأمني.
وتأتي هذه التحرّكات في وقت يشهد مضيق هرمز تحديات أمنية متزايدة، بعد تعرُّض إحدى السفن التجارية الأسبوع الماضي لمقذوف أثناء عبورها ممرًا بحرياً معتمدًا بالقرب من السواحل العُمانية، وهو ما أعاد تسليط الضوء على أهمية التنسيق الإقليمي لضمان سلامة الملاحة الدولية.
وتنبع أهمية المضيق من كونه الشريان الرئيس لصادرات الطاقة الخليجية، إذ تمر عبره يوميًا ملايين البراميل من النفط والغاز، فيما لا تزال البدائل المتاحة محدودة مقارنة بحجم التدفقات، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، جددت سلطنة عُمان موقفها الثابت الداعي إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا وآمنًا أمام الملاحة الدولية، مع رفض فرض رسوم إلزامية على السفن العابرة، مؤكدة التزامها بالقانون الدولي وحرية العبور البحري، في وقتٍ تسعى فيه إلى إيجاد ترتيبات توازن بين المتطلبات الأمنية واحترام قواعد الملاحة الدولية.
وفي محطة ثانية من جولته الأوروبية، التقى السلطان هيثم في لندن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية وآفاق تطوير الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية.
وأوضح بيان صادر عن رئاسة الوزراء البريطانية أنَّ اللقاء تناول الجهود الرامية إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتوفير الضمانات اللازمة لحركة السفن التجارية، مع التأكيد على أهمية الدور العُماني في دعم الاستقرار الإقليمي.
من جانبها، أفادت وكالة الأنباء العُمانية بأنَّ المباحثات ركزت على سبل التهدئة ومنع التصعيد، ودعم المفاوضات والجهود الديبلوماسية الرامية إلى استئناف الملاحة الآمنة عبر الممرات المائية في الخليج، إلى جانب الدفع نحو اتفاق دائم لمعالجة القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، بما يعزز الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين دول المنطقة.
وتعكس التحركات العُمانية المتزامنة مع باريس ولندن إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لأهمية الدور الذي تؤديه مسقط في إدارة الأزمات الإقليمية، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف وقدرتها على الحفاظ على قنوات الحوار في أكثر الملفات تعقيدًا.
وفي ظل استمرار الجهود الدولية لتثبيت الاستقرار في الخليج، تبدو سلطنة عُمان مرشحة للعب دور يتجاوز الوساطة السياسية التقليدية، ليشمل المساهمة في صياغة ترتيبات الأمن البحري في المنطقة، وهو ما يمنحها ثقلًا متزايدًا في معادلة أمن الطاقة العالمي، ويعزز مكانتها كشريك موثوق للقوى الإقليمية والدولية.
