هنري زغيب*
هذا الأُسبوع، مرَّت الذكرى الأَربعون لغياب عاصي الرحباني… أَقول “مرَّت”، والأصَحُّ أَن أَقول “حضَرَت”. فعاصي حاضرٌ بيننا ومعنا ولأَجلنا، وتاليًا لا يصحُّ فيه تعبير “الغياب”. وكيف يكون غابَ، مَن ننهضُ صباحًا على أَعماله، ونمضي إِلى أَعمالِنا ومعنا أَعمالُه، وكلَّما رجَعنا في المساء تخاصرُنا أَعمالُه، ومعظمُها بصوت خالدَتِه وخالدَتِنا فيروز؟
ذاتَ مقابلة تلفزيونية، قالت فيروز: “عاصي مش ناطر أَنا إِحكي عنُّو: شغْلو بيحكي عنُّو. ورح يحكي عنُّو الزمان”. ذلك أَنه اخترقَ القلوبَ والضمائرَ والوجدانَ الجَماعي. ويوم وقَفَ في سينما كابيتول سنة 1963 يلْقي كلمته في الذكرى الأُولى لغياب الأَب بولس الأَشقر، قال: “أَبونا بولس الأَشقر كان من الزارعين الأُوَل. وصلِت أَلحانو لقْلوب الناس. والوصول للقلْب مش هَيِّن. يمكن توصل لآخر الدني، وما تقْدِر تقْطَع هالمسافِه الزغيرِه لَقَلْب جارَك”. لكنَّ عاصي عَبَرَ تلك المسافة، وما زال يعبُرُها كلَّ يوم، ويبلُغ قلوبَ الناس في أَجمل نبَضاتها. وليس غيابُه الجسديُّ قبل أَربعين عامًا سوى كلامٍ يُروى عنه ولا يَعنيه، لأَن ما يَعنيه هو البقاءُ في قلوب الناس وذاكرتِهِم جيلًا بعد جيلٍ إِلى أَجيالٍ طويلة بعد. فما أَنتجَتْ عبقريتُهُ، خالدٌ باقٍ في صوت الخالدة فيروز، الحاضنةِ ذكْرَه وذكراه وذكرياتِه، في صمتِها الميثولوجي الشاهق، أَقوى من صعْقات قدرٍ خطَف منها شموس عاصي وليَال وزياد وهلي، وها هي صامدةٌ في وجه القدَر، صرخةً من سكوتٍ بليغٍ لم نشهَدْهُ إِلَّا في صمْت العرَّافات الأَپـوكاليـپـسي. وفي صرختها طيفٌ نابضٌ يحملُنا إِلى دهشة “پـيغماليون”، لحظةَ أَطلقَت له عشترُوت صوتَ “غالاتيا”، فجعَلَ صوتَها شاهدةَ الزمان.
أَقول عاصي، لأَنها ذكراه. لكنني أَقول فيه منصور، ليُشَكِّلا ثنائيًّا عبقريًّا لا انفصامَ حتى في جينَاتِهِما. فلم أَسمع منصور مرَّةً واحدةً يحدِّثُني بصيغة الـ”أَنا”، بل دائمًا “نحن”، وبالـ”نحن” يُحْضِر عاصي بيننا، ويُحضِرُ فيروز التي مرارًا قال عنها إِنها من يومِ وصلَت إِلى حياتهما “جاءَت متوَّجةً بالمجد”. وإِنها جدًّا كذلك. فليس مَن يعرف عُمْقَ عبقريةِ عاصي كما فيروز ومنصور، وليس من يقدِّرُ عاصي كما منصور وفيروز. فَلْيَخْرَسِ التنظيريُّون والمحلِّلون.
قبْل أَربعةٍ وستينَ عامًا، غنَّت فيروز المسحورَةُ على “جسر القمر”: “حبيبي قال انطريني، لما بْيِجي الصيف عَ بْيَادر الصيف، وْ عَ الحقْلِه اسبَقيني”… وها نحن معها، كلَّما جاء أَول الصيف، ننتظر في حقْلَتنا إِطلالة عاصي، لا من غيابه بل بحضورِه الدائمِ معَنا كلَّ يوم، تَيَمُّنًا بِنُبُوءَة “عطر الليل”: “راجِع بصْوات البلابل، راجع بغْناني الحصَّادين… ساكن عَ طْراف المعاول راجع بفْراريع الحطَّابين… واقِف عَ بْواب القَناطر، جايي مع هبَّات الأَشعار.. إِيدو عمْتِزْرع البيادر، صُوَرُو مضْوِيِّه بْصدْر الدار… راجعْ بزْنود الفوارس، راجع بإِيام العياد… طالِل من كتُب المدارس، وبدُّو يخلَقْ بقصَص الولاد”.
وهيكْ إِنْت يا عاصي.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
