الحرب التي أَوقَفَتها ناقلاتُ النفط

كابي طبراني*

بينما انشغل العالم خلال الأشهر الماضية بمتابعة المواجهة الأميركية-الإيرانية من زاوية الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنشآت النووية، كانت القصّة الحقيقية تدورُ في مكانٍ آخر. لم يكن بطل المشهد هذه المرة جنرالًا أو رئيس دولة أو حتى برنامجًا نوويًا، بل ممرٌّ مائي ضيِّق لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه عشرات الكيلومترات: مضيق هرمز.

فاتفاقُ التفاهُم الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، الذي مهّدَ لتمديد وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام مفاوضات أوسع، لا يُمكنُ فهمه من خلال الحسابات العسكرية وحدها. بل إنَّ القراءة الأكثر عُمقًا تشير إلى أنَّ الطرفين وصلا إلى قناعةٍ مشتركة مفادها أنَّ كلفة تعطيل حركة الطاقة العالمية أصبحت أعلى من كلفة التراجع خطوة إلى الخلف سياسيًا.

بمعنى آخر، لم تتوقف الحرب لأنَّ أحدَ الطرفين انتصر، بل لأنَّ الاقتصاد العالمي لم يعد قادرًا على تحمُّل استمرارها.

هذه الحقيقة تكشف تحوُّلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية يتجاوز حدود الأزمة الإيرانية نفسها. فالعالم يشهد اليوم انتقالًا تدريجيًا من عصر الصراع على مصادر الطاقة إلى عصر الصراع على مسارات الطاقة. وإذا كان القرن العشرون قد دار حول السيطرة على الآبار والحقول النفطية، فإنَّ القرن الحادي والعشرين يبدو أكثر انشغالًا بالمضائق البحرية وخطوط الأنابيب والموانئ وسلاسل الإمداد.

ولعلَّ أزمة هرمز الأخيرة كانت أوضح تجسيد لهذا التحوُّل.

فالمضيق الذي يمرُّ عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية لم يعد مجرّد ممرٍّ ملاحي، بل تحوّل إلى أداة تأثير جيوسياسي واقتصادي من الطراز الأول. وقد أثبتت التطوّرات الأخيرة أنَّ الاقتصاد العالمي أكثر حساسية تجاه إغلاق هذا الشريان البحري من حساسيته تجاه أشهر طويلة من العمليات العسكرية.

ورُغمَ أنَّ الحرب استهدفت في ظاهرها البرنامج النووي الإيراني وموازين القوة الإقليمية، فإنَّ نهايتها المؤقتة جاءت عندما بدأت تداعياتها تضغط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. فارتفاع المخاطر في الخليج انعكس مباشرة على أسعار النفط، وتكاليف التأمين البحري، وسلاسل الإمداد الدولية، ومعدلات التضخم في العديد من الاقتصادات الكبرى.

وهنا تحديدًا برز العامل الحاسم.

فالولايات المتحدة شعرت بأنَّ استمرارَ الأزمة يُهدّدُ استقرار الأسواق العالمية في وقتٍ لا تزال الاقتصادات الكبرى تواجه تحديات التضخم وتباطؤ النمو. أما إيران، فقد أدركت أنَّ اقتصادها الذي يعاني أصلًا من العقوبات وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة لا يستطيع تحمل مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد.

لذلك لم يكن مُستغربًا أن تحتلَّ القضايا الاقتصادية مساحة واسعة من التفاهمات الجديدة، من إعادة فتح المضيق وضمان حرية الملاحة إلى تخفيف القيود على صادرات النفط الإيرانية والإفراج عن الأصول المجمّدة وفتح الباب أمام برامج استثمار وتنمية واسعة النطاق.

لكن ما كشفته الأزمة يتجاوز بنود الاتفاق نفسه.

لقد أثبتت المواجهة أنَّ النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس فقط بعدد الدبابات والصواريخ أو حتى بحجم الاقتصاد الوطني. فالدول باتت تمتلك أدوات تأثير جديدة ترتبط بموقعها داخل الشبكات الاقتصادية العالمية.

فالولايات المتحدة تمتلك سلاح الدولار والنظام المالي العالمي. والصين بنت نفوذها عبر الموانئ وسلاسل التوريد ومبادرة “الحزام والطريق”. وروسيا استخدمت الغاز وخطوط الطاقة لسنوات طويلة كوسيلة تأثير سياسي. أما إيران، فقد اكتشفت أنَّ أحد أهم مصادر قوتها لا يكمن فقط في برنامجها النووي أو شبكة حلفائها الإقليميين، بل في موقعها الجغرافي المُطِلّ على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

والأرجح أنَّ هرمز ليس الحالة الأخيرة. فالعالم يشهد اليوم صعود ما يمكن تسميته جغرافيا الاختناقات الاستراتيجية، حيث تتحوّل الممرات البحرية من البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن باب المندب إلى مضيق ملقا، إلى عناصر رئيسة في معادلة القوة العالمية. فكلما ازدادت العولمة اعتمادًا على التجارة والطاقة، ازدادت قيمة النقاط القادرة على تعطيل هذه التدفقات أو حمايتها.

وهذا التحوُّل يحمل دلالات مهمة للمستقبل.

فطهران التي أمضت عقودًا في بناء أدوات الردع العسكرية والإقليمية بدأت تجد نفسها مضطرة إلى التفكير بمنطقٍ مختلف. فالمكانة الجيوسياسية التي يمنحها لها مضيق هرمز قد تكون، في بعض اللحظات، أكثر تأثيرًا من كثير من أدوات القوة التقليدية. فالعالم يستطيع التعايش مع كثير من الأزمات السياسية، لكنه يجد صعوبة أكبر في التعايش مع اضطرابٍ طويل الأمد في تدفقات الطاقة والتجارة.

كما إنَّ الأزمة أظهرت أنَّ القوى الكبرى نفسها أصبحت أكثر اعتمادًا على استقرار الممرات البحرية العالمية. فالتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وحتى الأمن الغذائي في كثير من الدول، باتت مرتبطة بشبكة معقدة من الممرات الاستراتيجية التي يمكن لأيِّ اضطرابٍ فيها أن ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.

ومن هنا فإنَّ الأهمية الحقيقية للاتفاق الأميركي – الإيراني لا تكمن فقط في ما إذا كان سينجح في معالجة الملف النووي أو في تمديد وقف إطلاق النار، بل في الرسالة التي يحملها بشأن طبيعة القوة في العالم المعاصر.

لقد أثبتت الأزمة أنَّ الجغرافيا لم تفقد أهميتها كما كان يُعتقد. بل على العكس، عادت لتفرض نفسها بقوة أكبر من خلال الممرات البحرية وشبكات التجارة والطاقة. وفي زمن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعولمة المالية، ما زالت المضائق البحرية قادرة على تغيير حسابات الدول الكبرى ودفعها إلى التفاوض.

ولهذا قد يكون من الخطَإِ النظر إلى اتفاق التفاهم الحالي باعتباره مجرد هدنة سياسية بين واشنطن وطهران. فهو في جوهره اعتراف متبادل بأنَّ الاقتصاد العالمي أصبح طرفاً ثالثًا في الصراع، وأنَّ مصالح الأسواق وحركة التجارة والطاقة قادرة أحيانًا على فرض تسويات تعجز الجيوش عن فرضها.

لقد اعتاد العالم على الاعتقاد بأنَّ الحروب ترسم خرائط النفوذ. لكن ما كشفته أزمة هرمز هو أنَّ الممرات التجارية قد ترسم خرائط النفوذ الجديدة أيضًا. وبينما كانت الصواريخ تتبادل الرسائل فوق المنطقة، كان مضيق هرمز يبعث برسالة أكثر تأثيرًا: من يملك القدرة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، يملك اليوم إحدى أهم أوراق القوة في النظام الدولي.

ولهذا لم يكن المنتصر الحقيقي في هذه الأزمة واشنطن ولا طهران، بل الجغرافيا نفسها.

Exit mobile version