من الجماعة إلى الدولة: الاختبارُ الذي يُواجِهُ الإسلاميين

كابي طبراني*

بعدَ أكثر من أربعة عقود على الثورة الإيرانية، وأكثر من عقد على انتفاضات “الربيع العربي”، يجد الإسلام السياسي نفسه أمام سؤال وجودي لم يعد بالإمكان تأجيله: هل فشل مشروعه التاريخي، أم أنه يمرُّ بمرحلة تحوُّلٍ عميقة من إيديولوجيا تسعى إلى أسلمة الدولة إلى تياراتٍ سياسية تحاول التكيُّف مع منطق الدولة الحديثة؟

السؤال ليس نظريًا. فمن طهران إلى القاهرة وتونس، وصولًا إلى دمشق اليوم، انتقلت حركات ذات مرجعية إسلامية من موقع المعارضة والاحتجاج إلى موقع السلطة والحكم. وفي كل مرة تقريبًا، بدا أنَّ الوصولَ إلى السلطة ليس نهاية الرحلة، بل بداية الاختبار الأصعب.

عندما أعلن راشد الغنوشي عام 2016 انتقال حركة “النهضة” التونسية من “الإسلام السياسي” إلى “الديموقراطية المسلمة”، لم يكن يُقدّم مجرّد مراجعة تنظيمية داخل حزبٍ سياسي، بل كان يحاول الإجابة عن مُعضِلة واجهت الحركات الإسلامية منذ نشأتها: كيف يمكن الجمع بين المرجعية الإسلامية والديموقراطية التعدّدية والدولة الوطنية الحديثة؟ وقد ذهب أبعد من ذلك حين دعا إلى الفصل بين النشاط الديني والعمل الحزبي، وإلى اعتبار الحزب السياسي إطارًا مدنيًا يتنافس على البرامج والسياسات لا على احتكار تمثيل الدين.

في ذلك الوقت، بدت أطروحة الغنوشي استباقية. أما اليوم، فتبدو أقرب إلى محاولة مُبكِرة لاستشراف أزمة أكبر كانت تتشكّل داخل العالم العربي كله.

لقد أمضت الحركات الإسلامية عقودًا طويلة وهي تبني مشروعيتها على معارضة الأنظمة القائمة. تحدثت عن الهوية والعدالة والفساد والاستبداد، واستفادت من فشل النخب الحاكمة في تحقيق التنمية والحرية. لكن الانتقال من المعارضة إلى الحكم كشف حقيقة مختلفة تمامًا: إدارة الدولة أكثر تعقيدًا بكثير من إدارة الحركة أو الجماعة.

فالدولة ليست منبرًا للدعوة، ولا ساحة للتعبئة الإيديولوجية. إنها شبكة معقّدة من المؤسسات والاقتصاد والعلاقات الدولية والتوازنات الاجتماعية والمصالح المتعارضة. وهنا تحديدًا اصطدمت معظم الحركات الإسلامية بما يمكن تسميته “اختبار الدولة”.

في مصر، وصل “الإخوان المسلمون” إلى السلطة عبر أول انتخابات رئاسية تعددية حقيقية في تاريخ البلاد. غير أنَّ التجربة سرعان ما اصطدمت بالاستقطاب السياسي الحاد، وبالتوتر مع مؤسسات الدولة التقليدية، وبضعف القدرة على بناء توافق وطني واسع. وفي غضون عام واحد فقط، انتهت التجربة بأكملها، لتتحوّل إلى أحد أكثر فصول “الربيع العربي” إثارة للجدل.

في تونس، سلكت حركة النهضة مسارًا مختلفًا. اختارت التوافق بدل المغالبة، وقبلت بتنازلات دستورية وسياسية عديدة، بل وتخلت عن السلطة طوعًا خلال الأزمة السياسية عام 2013 حفاظًا على المسار الانتقالي. ومع ذلك، لم يمنع هذا النهج من تراجع نفوذها لاحقًا مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتزايد خيبة الأمل الشعبية. فقد اكتشف الناخب التونسي، كما اكتشف غيره، أنَّ الهوية وحدها لا تكفي لحل مشكلات البطالة والاستثمار والتنمية.

أما إيران، فتُقدّم حالة أكثر تعقيدًا. فالجمهورية الإسلامية هي التجربة الأطول عمرًا بين نماذج الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة، لكنها تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة. فبعد أكثر من أربعة عقود على الثورة، لم يعد الجدل يدور فقط حول بقاء النظام، بل حول قدرته على التكيُّف مع التحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يشهدها المجتمع الإيراني. وقد أظهرت السنوات الأخيرة، وما رافقها من احتجاجات وأزمات وحروب وضغوط داخلية وخارجية، تصاعد الأصوات المطالبة بمراجعات عميقة في بنية الحكم والعلاقة بين الدولة والمجتمع. لذلك تبدو إيران اليوم أقلَّ نموذجًا مكتملًا وأكثرَ نموذجًا في طور التحوُّل، حتى وإن بقيت مؤسسات النظام قائمة وقادرة على إنتاج السلطة.

اليوم تنتقل هذه الأسئلة كلها إلى سوريا.

فمع صعود أحمد الشرع و”هيئة تحرير الشام” إلى واجهة المشهد السياسي السوري، تجد الحركة نفسها أمام اختبار يشبه، وإن في ظروف مختلفة، ما واجهته “النهضة” في تونس أو “الإخوان” في مصر. فالمشكلة لم تعد تتعلّق بقدرة التنظيم على إدارة مناطق نفوذ أو قيادة معارضة مسلحة، بل بقدرته على إدارة دولة متعددة الهويات والانتماءات والمصالح.

هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تستطيع الحركات الإسلامية أن تتحوّل من منطق الجماعة إلى منطق الدولة؟

التاريخ الحديث يشير إلى أنَّ النجاح في الحكم لا يتوقف على الخلفية العقائدية بقدر ما يتوقف على القدرة على بناء المؤسسات. فالدولة لا تُقاس بمدى تديُّن حكامها، بل بقدرتها على إنتاج الأمن والعدالة والفرص الاقتصادية والخدمات العامة. والمواطن، مهما كانت قناعاته الفكرية أو الدينية، يحاسب الحكومات في النهاية على النتائج لا على الشعارات.

لذلك تبدو أطروحة “الديموقراطية المسلمة” أكثر أهمية اليوم مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. فهي لا تعني علمنة الإسلاميين ولا تديين الديموقراطية، بل تعني الاعتراف بأنَّ السياسة مجالٌ للمنافسة البشرية النسبية، لا للاحتكار العقائدي أو الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.

غير أنَّ الدرس الأعمق الذي أفرزته السنوات الماضية يتجاوز الإسلام السياسي نفسه. فالمشكلة لم تكن يومًا في الإسلاميين وحدهم، كما لم تكن في القوميين أو الليبراليين أو اليساريين. المشكلة كانت في الاعتقاد أنَّ الإيديولوجيا تستطيع أن تحلَّ محل الدولة.

لقد أثبتت التجارب العربية والإقليمية أنَّ الوصول إلى السلطة لا يؤدي تلقائيًا إلى بناء دولة ناجحة، وأنَّ إقصاء الإسلاميين لا يؤدي تلقائيًا إلى بناء الديموقراطية. كما أثبتت أنَّ الشعارات، مهما كانت جاذبيتها، لا تستطيع وحدها مواجهة تحديات الاقتصاد والإدارة والأمن والتنمية.

من هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان عصر الإسلام السياسي قد انتهى. السؤال الأهم هو ما إذا كانت الحركات التي خرجت من رحم الإسلام السياسي قادرة على التحوُّل إلى أحزاب دولة، تُقاس ببرامجها وإنجازاتها لا بهويتها الإيديولوجية. ذلك هو التحدي الذي لم تحسمه بعد تونس ولا مصر ولا إيران، والذي اصطدم به “حزب الله” في لبنان كلما اتسع حضوره في مؤسسات الدولة، وقد تجد سوريا نفسها قريبًا أمامه. فحين تنتقل الحركات العقائدية من موقع الاحتجاج إلى موقع التأثير أو الحكم، يصبح منطق الدولة أكثر إلحاحًا من منطق الإيديولوجيا.

وربما تختلف المسارات والنتائج بين بلد وآخر، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا أنَّ اختبارَ الدولة كان أصعب بكثير من اختبار المعارضة.

ولعل المفارقة أنَّ الحركات الإسلامية حققت أكبر نجاحاتها وهي خارج السلطة، بينما واجهت أصعب امتحاناتها بعد الوصول إليها. فالمعارضة تسمح للحركات بتقديم الوعود، أما الدولة فتجبرها على تقديم النتائج.

ففي النهاية، لا تنتصر الإيديولوجيات عندما تصل إلى الحكم، بل تبدأ لحظة اختبارها الحقيقية. وفي شرق أوسط أنهكته الصراعات والانقسامات، لم يعد المواطن يبحث عن دولة دينية أو علمانية بقدر ما يبحث عن دولة فاعلة. وربما يكون هذا هو التحوُّل الأكبر الذي تشهده المنطقة اليوم: الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الدولة.

Exit mobile version