
هنري زغيب*
تتنامى في الغرب (وفي العالَم العربي بوتيرةٍ أَبطأ) ظاهرةُ “الكتاب الصوتي” أَو “الكتاب المسموع”. وهي تسهيلةٌ أَوسعُ لـ”سَمَاع” الكتاب في السيارة، أَو على الشاطئ، أَو في حضن الجبل، حين لا يرغب قارئُهُ في احتضانه كتابًا ورقيًّا بين كفَّيه.
هنا نبذة عن تاريخ “الكتاب المسموع”، ثم إِطلالةٌ على اللبناني رمزي أَلبرت الريحاني (نزيل واشنطن) ونَيْلِ كتابه الشعري الجديد المرتبةَ الأُولى في إِحصاءات شركة “أَمازون” للتسويق الإِلكتروني (افتَتَحَتْ أَعمالَها صباح الثلثاء 5 تموز/يوليو 1994 في مدينة سياتل – ولاية واشنطن الأَميركية).
الـمَطالع
بدأَت ظاهرة “الكتاب الناطق” عند مطالع ثلاثينات القرن الماضي، بتعاون “المؤَسسة الأَميركية للمكفوفين” (تأَسسَتْ في آرلنغتون – فرجينيا سنة 1921) ومكتبة الكونغرس (واشنطن) على إِصدار برنامجٍ “سمعيٍّ” للمكفوفين، بصيغة أُسطوانة 33 دورة للفونوغراف. صدَر الإِذْن الرسمي باعتماده سنة 1933، وبدأَ نشْرُهُ “كتابًا ناطقًا”على تلك الأُسطوانات سنة 1934.
بانتشار هذه الظاهرة لم يَطُل الأَمر سوى سنة واحدة حتى كانت “المؤَسسة البريطانية الملَكية الوطنية للمكفوفين” (تأَسست سنة 1868) تتولَّى سنة 1935 نشْرَ أَولِ نصٍّ كاملٍ يَصدُر “مسموعًا”، للروائي البولوني/الإِنكليزي جوزف كونراد (1857-1924) في قصته “تايفون” (الإِعصار). كان كتَبَها سنة 1899، ونشَرَتْها له، مُسَلْسَلَةً على ثلاث حلقات متتالية (كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير وآذار/مارس 1902)، مجلةُ Pall Mall (أَدبية بريطانية شهرية صدرَت بين 1893 و1914). ثم ظهرَت القصة في السنة ذاتها (1902) كتابًا مطبوعًا لدى منشورات پوتْنام (نيويورك)، وفي السنة التالية (1903) لدى منشورات “هايْنْمان” (لندن).
راحت ظاهرةُ “الكتاب المسموع” (أَو “الكتاب الناطق” أَو “الكتاب الصوتيّ”)، تتوالى متدرِّجةً من الأُسطوانة (33 دورة) إِلى “الكاسيت” في الستينات، إِلى الأُسطوانة الـمُدْمَجَة (CD) في السبعينات والثمانينات. وإِذ شاعت شبكة الإِنترنت، شهدَتْ تسعيناتُ القرن الماضي (بدءًا من 1991) ومطالعُ هذا القرن الحادي والعشرين بزوغَ مواقعَ وملفاتٍ إِلكترونية سمعية (MP3)، ووسائط ووسائل رقمية، وتطبيقاتٍ يمكن تنزيلُها لـ”سماع” كتابٍ “صوتي” على شاشة الهاتف الذكي (iPhone) أَو اللوح الذكي (iPad)، أَو أَنواع الجهاز اللاسلكي المحمول (iPod). بدأْتُ أَعلاه عن شركة “أَمازون” و”تايفون” كونراد، وهي أَصدرَت منذ 2010 أَكثر من صيغة لـ”تايفون” كتابًا مسموعًا، أَحدَثُها سنة 2023 في تسجيلٍ جديدٍ بصوت جيم إِدمارك، طوله 168 دقيقة (ساعتان و48 دقيقة).
وها أَمازون، في إِحصاءاتها للأُسبوع الماضي، تُعلن خبرًا مُشَرِّفًا عن شاعر من لبنان.
رمزي الريحاني في “أَمازون”
في 10 نيسان (أبريل) الماضي، صدرَت عن “أَمازون” المجموعةُ الشعرية بالإِنكليزية “مشاهد من حُلم” (Scenes from a Dream) للشاعر اللبناني رمزي أَلبرت الريحاني (م. 1948 – الفريكة – جبل لبنان)، في 4 صيَغ: الطبعة الورقية (من 104 صفحات) في نسختَيْن: غلاف خاص وغلاف عادي، نسخة كتاب إِلكتروني (مع موسيقى عذْبة ومناظر شاعرية)، ونسخة كتاب مسموع (93 دقيقة، بصوت الشاعر يشاركه في القراءة: آرون مِلْڤِنْ).
كانت هذه المجموعة نالت سنة 2024 الجائزة الأُولى عن الشعر من أَنطولوجيا Polk Street Review (تصدر في ولاية إِنديانا). وكان رمزي نشَرَ عددًا من قصائد المجموعة لدى مجلَّات شعرية متخصصة في الولايات المتحدة وكندا وإِيرلندا وبلجيكا ورومانيا وجنوب أَفريقيا والصين والهند. وكانت لها أَصداء ساطعة من قرَّاء تلك المجلَّات الشعرية العالَمية.
في قلب الشعر
المجموعة من الشعر النقيّ الطافح بالجمال. والشاعر عرفَ كيف يُباغت قرَّاء الإِنكليزية باللامأْلوف من التعابير وصُوَرها الحافية من دون أَن تَخدُش سمْع الكلمات المأْلوفة. والمجموعةُ رُباعية الأَجنحة: الحب، التأَمُّلات، الحرب والسلم، مشاهدُ من الحياة. وقصائدُها تَهدُلُ بين الرُموز والأَصداء، واكتشاف الذات لاكتشاف السوى، حتى ليَشْعر مُتَلقّيه أَنه المعنيُّ والمعايَن في اللحظة ذاتها.
الجديد حديثًا: شركة “أَمازون”، نهاية الأُسبوع الماضي، في نشرتها الدورية عن لائحة المنشورات الحديثة التي تتولّى توزيعَها عالَميًّا، وفي قسم “الكتاب المسموع”، ورَدَ أَن مجموعة رمزي الريحاني، بين 142،853 كتابًا في اللائحة، حلَّت في المرتبة الأُولى بين الكتب الصادرة حديثًا من “المؤَلفات الأَدبية في الشرق الأَوسط”، وحلَّ بعدها ثانيًا كتابُ “منطق الطير” لفريد الدين العطار (بالترجمة الإِنكليزية)، وحلَّ رابعًا كتابُ جبران “يسوع ابن الإنسان” بترجمته العربية، وخامسًا كتابُ “الشعلة الزرقاء” بالعربية (إِعداد سهَيل بُشروئي وسلمى الحفَّار الكزبري).
وفي قسم الكتاب المسموع – عموم فئة “المجموعات الشعرية والأَنطولوجيات”، حلَّت مجموعة رمزي الريحاني في المرتبة 20، وفي فئة الكتاب المسموع – عموم فئة “آداب الشرق الأَوسط”، حلَّت في المرتبة 23، وحلَّتْ قبله في المرتبة 22 المجموعة الإِنكليزية الكاملة لمؤَلفات جبران.
هوذا نورٌ أَدبيٌّ نقيٌّ يسطَع على لبنان الذي تلفُّ حاضرَهُ عتْمُةُ الأَحداث، لكنما دومًا – من قلب العتمة – يُشرقُ ناصعًا فجرُ الإِبداع اللبناني.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
