كابي طبراني*
المشكلة في الصومال ليست أنَّ الديموقراطية غائبة، بل أنها تحاول الوصول قبل أوانها.
قد يبدو هذا الحُكمُ متناقضًا في بلدٍ لم يشهد انتخابات وطنية مباشرة منذ أكثر من نصف قرن، لكن الأحداث التي شهدتها مقديشو خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى مُعضِلة أعمق من مجرّد خلاف على موعد الانتخابات أو شكلِ النظام الانتخابي. فالاشتباكات التي اندلعت بين القوات الحكومية ومسلحين موالين للمعارضة ليست في جوهرها صراعًا حول الديموقراطية، بل صراعًا حول الدولة نفسها: حدود سلطتها، وطبيعة شرعيتها، والقواعد التي ينبغي أن تحكمها.
في الظاهر، يبدو الخلاف بسيطًا. الرئيس حسن شيخ محمود يدفع باتجاه الانتقال من نظامٍ انتخابي غير مباشر قائم على المحاصصة العشائرية إلى نظامِ الاقتراع العام المباشر وفق مبدَإِ “شخص واحد، صوت واحد”. وتعارض قوى سياسية بارزة هذه الخطوة، مُتَّهمة الرئيس باستخدام شعار الإصلاح الديموقراطي لتوسيع نفوذه وتمديد عمر الترتيبات السياسية القائمة.
لكن اختزال الأزمة في مواجهة بين حكومة إصلاحية ومعارضة متوجِّسة سيكون تبسيطًا مضلِّلًا لواقعٍ أكثر تعقيدًا.
لفهم ما يجري اليوم، لا بدَّ من العودة خطوة إلى الوراء. فمنذ انهيار نظام الرئيس محمد سياد بري عام 1991، لم يكن التحدّي الرئيسي أمام الصوماليين هو كيفية تداول السلطة، بل كيفية إعادة بناء سلطة أصلًا. فالدولة المركزية انهارت بالكامل، وتوزّعت البلاد بين زعاماتٍ عشائرية وفصائل مسلحة وإدارات محلية متنافسة، فيما تحوّلت مؤسسات الدولة إلى ذكرى أكثر منها واقعًا سياسيًا.
وعندما بدأت عملية إعادة بناء الدولة الصومالية بدعمٍ إقليمي ودولي، لم يكن الهدف إنشاء ديموقراطية مثالية بقدر ما كان منع عودة الفوضى الشاملة. ومن هنا وُلد النظام السياسي القائم على تقاسم السلطة بين العشائر الرئيسة. كان حلًّا عمليًّا أكثر منه ديموقراطيًا، وتسوية ضرورية أكثر منه مشروعًا دائمًا.
على مدى سنوات، نجح هذا النموذج في توفير حد أدنى من الاستقرار السياسي. لكنه حمل في داخله نقاط ضعفه الخاصة. فقد عزز نفوذ النخب العشائرية، وفتح الباب أمام شبكات المحسوبية والفساد، وأبقى القرار السياسي بعيدًا من الناخب العادي. ومع مرور الوقت، بدأت الأصوات المطالبة بإنهاء هذه المرحلة الانتقالية ترتفع داخل الصومال.
من هذه الزاوية، تبدو دعوة الرئيس إلى الاقتراع المباشر خطوة منطقية، بل ربما ضرورية. فالدول لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد رهينة ترتيبات انتقالية صُممت لظروف استثنائية. كما إنَّ بناء دولة حديثة يتطلّب في نهاية المطاف أن تكونَ شرعية السلطة مستمدّة من المواطنين لا من الوسطاء السياسيين وشيوخ العشائر.
لكن المشكلة أنَّ بناء الديموقراطية لا يبدأ بصناديق الاقتراع وحدها.
فالديموقراطية ليست أول ما تبنيه الدول الخارجة من الحروب الأهلية، بل غالبًا آخر ما تصل إليه. فهي تحتاج إلى مؤسسات مستقرّة، وقواعد سياسية مُتَّفق عليها، وثقة متبادلة بين الفاعلين السياسيين. وهذه العناصر ما تزال هشّة في الصومال.
فالحكومة الفيدرالية لا تفرض سلطتها الكاملة على جميع الأراضي الصومالية. وحركة “الشباب” الجهادية لا تزال تشكّل تهديدًا أمنيًا خطيرًا رُغم النجاحات العسكرية التي تحققت ضدها. كما إنَّ العلاقة بين مقديشو وبعض الولايات الفيدرالية ما تزال تشهد توترات متكررة حول توزيع الصلاحيات والموارد والسلطة.
ولا يتعلق وجود حركة “الشباب” بالجانب الأمني وحده، بل يمتد إلى صلب النقاش الدائر حول مستقبل النظام السياسي. فالمعارضون للانتقال السريع إلى الاقتراع المباشر يتساءلون عن مدى إمكانية تنظيم انتخابات وطنية شاملة في بلد ما تزال أجزاء منه خارج السيطرة الحكومية أو تحت تهديد الجماعة المسلحة. وبالنسبة لهؤلاء، فإنَّ المشكلة ليست في مبدَإِ الانتخابات المباشرة، بل في قدرة الدولة على ضمان أن تكون هذه الانتخابات شاملة وآمنة وذات مصداقية. أما أنصار الإصلاح فيرون أنَّ استمرار التذرّع بالظروف الأمنية قد يؤدي إلى إدامة نظام المحاصصة القائم إلى أجل غير معلوم.
في ظل هذه الظروف، يصبح السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا عن السؤال المطروح في السجال السياسي اليوم. القضية ليست ما إذا كانت الصومال بحاجة إلى انتخابات مباشرة؛ فهذه مسألة يكاد يكون هناك إجماع واسع حولها. القضية هي ما إذا كانت البلاد تمتلك الشروط السياسية والمؤسساتية اللازمة لإدارة هذا التحوُّل من دون أن يتحوّل إلى مصدرٍ جديد للانقسام.
وهنا تكمن المفارقة الصومالية.
فالرئيس قد يكون محقًّا في تشخيص عيوب النظام القائم. والمعارضة قد تكون محقّة في التحذير من مخاطر فرض تغييرات جوهرية من دون توافق سياسي واسع. لكن الطرفين يتصرفان أحيانًا كما لو إنَّ الخلاف يدور داخل دولة مستقرة تمتلك مؤسسات راسخة قادرة على استيعاب الصدمات السياسية. والحقيقة أنَّ الصومال ما يزال في مرحلة مختلفة تمامًا.
لقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أنَّ الأزمات السياسية في الصومال لا تبقى داخل قاعات البرلمان طويلًا. فعندما ينهار التوافق بين النخب، سرعان ما تنتقل الأزمة إلى الشارع، وإلى الأجهزة الأمنية، وإلى العلاقات الهشة بين المركز والأقاليم. وما شهدته مقديشو أخيرًا يُذكّر بأنَّ الفاصل بين المنافسة السياسية والمواجهة المسلحة ما يزال أضيق مما ينبغي في دولة تسعى إلى ترسيخ مؤسساتها.
ولعلَّ أكثر ما يثير القلق أنَّ هذه الأزمة تأتي في وقتٍ تواجه البلاد تحديات أكثر إلحاحًا من أيِّ خلافٍ دستوري. فالملايين من الصوماليين يعانون من مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي نتيجة الجفاف وتراجع المساعدات الدولية. كما إنَّ الحربَ ضد حركة “الشباب” لم تُحسَم بعد، بينما تشهد منطقة القرن الإفريقي تحوّلات جيوسياسية متسارعة تجعل الاستقرار الداخلي أكثر أهمية من أيِّ وقت مضى.
ولا تقتصر أهمية هذه الأزمة على حدود الصومال وحدها. فالبلاد تقع اليوم في قلب منطقة تشهد تنافسًا متزايدًا على الموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية الممتدة من خليج عدن إلى البحر الأحمر، كما أصبحت جُزءًا من معادلاتٍ أمنية واقتصادية تتداخل فيها مصالح دول القرن الإفريقي ودول الخليج والقوى الدولية الكبرى. وفي وقتٍ ما تزال تداعيات التفاهمات المثيرة للجدل بين إثيوبيا وأرض الصومال تُلقي بظلالها على المنطقة، يبدو استقرار مقديشو أكثر من مجرد مسألة داخلية. فكلما ازدادت هشاشة الدولة الصومالية، ازدادت قدرة الفاعلين الإقليميين على التأثير في مسارها السياسي، وتراجعت قدرة الصوماليين أنفسهم على رسم مستقبلهم بعيدًا من ضغوط الجغرافيا ومصالح الخارج.
وفي جانب من جوانبها، لا تبدو هذه المُعضلة بعيدة من تجارب عرفها العالم العربي خلال العقدين الماضيين. ففي أكثر من دولة، تحولت الانتخابات من أداة لبناء الشرعية إلى ساحة للصراع على شرعية الدولة نفسها. وكشفت تلك التجارب أنَّ صناديق الاقتراع، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها تعويض غياب التوافق الوطني أو ضعف المؤسسات.
لهذا فإنَّ مستقبل الصومال لن يتحدّد فقط من خلال شكل النظام الانتخابي الذي سيعتمده، بل من خلال قدرة نخبه السياسية على الاتفاق على قواعد اللعبة قبل بدء المنافسة عليها. فالإصلاحات الكبرى تنجح عندما تُبنى على توافق واسع، لا عندما تُفرض بمنطق الغالب والمغلوب.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الدولة الصومالية، لا تعاني البلاد من نقص في الطموحات الديموقراطية. ما تعانيه هو الفجوة بين طموح بناء الديموقراطية ومتطلّبات بناء الدولة. وإذا لم تنجح النخبة السياسية في ردم هذه الفجوة، فقد تجد نفسها مرة أخرى تتجادل حول الانتخابات المقبلة فيما يتآكل الأساس الذي يفترض أن تُجرى فوقه تلك الانتخابات.
ففي الصومال اليوم، لا يكمن الخطر الحقيقي في تأجيل الانتخابات عامًا أو عامين، بل في أن يتحوّل الصراع حول الديموقراطية إلى سبب جديد لتقويض الدولة التي يفترض أن تحميها.
فالديموقراطية لا تزدهر في فراغ الدولة، بل فوق أُسُسِها.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
