ابراهيم حيدر*
شكّل اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس اللبناني جوزف عون محطة مفصلية للبنان، سواء في الرسائل التي وجّهها ترامب أو في القضايا التي تناولها خلال المحادثات. فقد حرص الرئيس الأميركي على إظهار دعمه لعون، متجنّبًا إحراجه في الملفات الداخلية الأكثر حساسية، في وقتٍ يواجه الرئيس اللبناني انقسامات سياسية عميقة، وأزمات متراكمة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان.
ستشكّل النقاط التي طرحها ترامب في لقائه عون، مرحلة تحوّل في الملف اللبناني، وإن كان الأميركيون ينظرون إلى لبنان من ضمن رؤيتهم للمنطقة، ويعملون على إدراجه ضمن خطتهم في مواجهة إيران وللاتفاقات مع إسرائيل، ففي هذا الأمر لن يألو الرئيس اللبناني جهدًا لاستثمار لقائه الأميركي لتوفير مظلة دولية وعربية لسياساته وصولًا إلى النقطة الأساسية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب كأولوية، ثم سحب سلاح “حزب الله” ضمن خطة بسط سيطرة الدولة على كلِّ الأراضي اللبنانية.
بيد أنَّ ترامب لا يمنح لبنان كل شروط إعادة نهوضه واستقلاله، خصوصًا أنَّ التركيز الأميركي يبقى على الصراع مع إيران، ثم إعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة، وبما يضمن أمن إسرائيل بالدرجة الأولى. ولذا قد يدفع الرئيس الأميركي اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي إلى التنفيذ في بعض جوانبه، ويمنح في الوقت ذاته أوراقًا للدولة اللبنانية بانسحاب من مناطق تجريبية إضافية، فيما يبقى التحدي الأبرز في دفع إسرائيل للانسحاب من مناطق محتلة، وفي هذا لا يحسم الأميركيون أمرهم بالضغط طالما أنَّ ترامب يمنح إسرائيل كل ما هو مطلوب لبقائها تحت جناحه في حربه ضد إيران، ودعم بنيامين نتنياهو الذي يرفض الانسحاب من الخط الأصفر جنوب الليطاني إلّا بشروط قاسية على لبنان.
ما بعد لقاء ترامب، لن يكون أمام عون غير التركيز على بلورة موقف لبناني جامع في ما يتعلق بالملفات الأساسية الخلافية، ومنها إذا تمكنت الدولة من انتزاع ضغط أميركي على إسرائيل للانسحاب من مناطق محتلة بعد المناطق التجريبية الأولى، تطبيق خطة الدولة لحصر السلاح وفق الآلية اللبنانية، شرط أن يخرج “حزب الله” من رهاناته الإيرانية أو أقله يسلم للدولة القرار ويتراجع عن التهديد بالانقلابات، عبر مدّ الجسور مع رئيس الجمهورية، خصوصًا أنَّ الدولة والجيش رفضا الطلبات الإسرائيلية بالعمل على سحب السلاح من شمال الليطاني أو التنسيق مع قوات الاحتلال، حتى أنَّ انتشار الجيش الاستباقي في البلدات التجريبية جاء للتأكيد بأنه لا يحتاج إلى تنسيق مع الإسرائيليين بشأن الانتشار، ورفضه آلية التحقق وفق التصوّر الإسرائيلي، إذ يعرف الحزب أنَّ الاستمرار في المكابرة والرهان على الردع في ظل موازين قوى مختلة واستمرار الكلام عن إسناد إيران، يمنح ذرائع لإسرائيل ويؤخّر الانسحاب ويضعف الدولة والجيش معًا.
لم يعد شعار إسقاط اتفاق الإطار يجدي في هذه المرحلة من الصراع وأيضًا التفاوض، إذ يمكن للبنان أن تكون لديه حصانة وطنية في مواجهة مشاريع إسرائيل وطلباتها، شرط عدم منح الذرائع التي تؤدي إلى مزيد من التفكك في أوصال الاجتماع اللبناني. فإذا تحقق الانسحاب الإسرائيلي من بلدات محتلة جنوبًا ودخلها الجيش اللبناني، لا يعود من حجة لـ”حزب الله” لعدم تسليم الشرعية زمام السيطرة، إلّا إذا كانت إيران لا تريد فعلًا إنهاء وظيفة جبهتها المساندة، فتستمر بالمناورة، وقد يعني ذلك ضمنيًا انها لا تريد انسحابًا إسرائيليًا، فتخدم بذلك الاحتلال وتضع الدولة اللبنانية أمام مأزق لاستعادة سيادتها.
يدرك الرئيس جوزف عون أنَّ المرحلة المقبلة مليئة بالمصاعب والتحديات، إذ لا يمكن فصل لبنان عن التغييرات القائمة في المنطقة، وإن كانت الولايات المتحدة تتمسك بفصل لبنان عن مسار إيران، لذا يجب أن تكون الأولوية لدى الدولة، العمل على الانسحاب الإسرائيلي، واستثمار نتائج لقاء ترامب بعون لمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها أو استئناف حربها وتثبيت وقف النار، ومنع تقديم أي ذرائع للاحتلال في ظل التصعيد على جبهة إيران.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
