بين ضغط الميدان وتسارُع السياسة، يدخل لبنان مسارًا تفاوضيًا مع إسرائيل من دون قاعدة داخلية صلبة. فهل تقودُ هذه المقاربة إلى هدنة توقف النزيف، أم إلى انقسامٍ يطيح بالفرصة؟
مايكل يونغ*
عندما بادر الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نوّاف سلام قبل أسابيع إلى طرح فكرة التفاوض بين لبنان وإسرائيل، كان الدافع الأساسي وراء هذه الخطوة محاولة كبح اندفاعة عسكرية إسرائيلية كانت تلوح في الأفق. وبالفعل، أسهم هذا المسار، ولو جُزئيًا، في تخفيف التصعيد، خصوصًا في أعقاب الغارات العنيفة التي شهدها لبنان في 8 نيسان (أبريل)، والتي أوقعت نحو 360 قتيلًا، غالبيتهم من المدنيين، إضافة إلى أكثر من 1300 جريح خلال دقائق معدودة.
وفي 27 نيسان (أبريل)، أثار عون تفاعلًا واسعًا عندما دافع عن خياره التفاوضي قائلًا إنَّ منتقديه يعيبون عليه الدخول في مفاوضات من دون إجماع وطني، متسائلًا في المقابل عمّا إذا كان مَن خاضوا الحرب قد حصلوا بدورهم على هذا الإجماع. وجاء هذا التصريح ردًا مباشرًا على انتقادات “حزب الله”، الذي اعترض على انخراط عون وسلام في قنوات تواصل مباشرة مع إسرائيل عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض.
تفاوض بلا إجماع: انطلاقة مرتبكة تحت ضغط النار
غير أنَّ هذا الطرح لم يخلُ من إشكاليات. فبمساواته بين نهجه السياسي وبين الضربة الصاروخية التي نُسبت إلى إيران و”حزب الله” ضد إسرائيل في مطلع آذار (مارس)، بدا وكأن الرئيس اللبناني يضع خيارًا سياديًا صادرًا عن مؤسسات الدولة في كفة واحدة مع قرارٍ عسكري اتخذته قوة خارجية وحلفاؤها من دون غطاء حكومي لبناني. ومع ذلك، تبقى النقطة التي أثارها عون جديرة بالنقاش: فإذا كان الإجماع الوطني شرطًا لازمًا، فمن المنطقي أن يُطبَّق على جميع القرارات، سواء كانت سلمية أو عسكرية.
غير أن مكمن الخلل في مقاربة الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لا يرتبط بخيار التفاوض بحد ذاته، بل بسرعة الانخراط فيه من دون إعداد سياسي ومجتمعي كافٍ. فلو اعتُبر “التوافق” شرطًا يقتضي موافقة جميع الأطراف على فتح قنوات مع إسرائيل، كان بالإمكان عمليًا تأمين دعم غالبية وازنة في مرحلة مبكرة، واستخدام هذا التأييد كورقة ضغط في مواجهة اعتراضات “حزب الله”.
كان من الأجدى، قبل الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، إطلاق مشاورات واسعة تشمل القيادات الدينية والمجتمعية الأساسية، إلى جانب رؤساء الأحزاب والكتل النيابية، فضلًا عن رؤساء الجمهورية والحكومات السابقين. والهدف من هذا المسار لم يكن معقدًا: بلورة موقف مبدئي واضح من سؤال مركزي—هل ينبغي للبنان أن يستكشف خيار المحادثات المباشرة إذا كان من شأنها وقف مسار التدمير المنهجي الذي يتعرض له؟ بصيغة كهذه، يصعب تصور رفض جماعي، حتى لو برزت اعتراضات محدودة.
لو تحقق ذلك، لكانت الحكومة قادرة على الاستناد إلى تفويض سياسي عريض، يعزز موقعها التفاوضي، ويحدّ من قدرة المعارضين على تعطيل المبادرة. ولا يزال هذا الخيار متاحًا، وإن بات أكثر كلفة سياسيًا. ومع ذلك، فإن أي غطاء وطني، مهما اتسع، لا يُعفي السلطة من ضرورة كسب تأييد ممثلي الطائفة الشيعية، باعتبارها الأكثر تضررًا من العمليات العسكرية الإسرائيلية. ومع تأمين دعم غالبية القوى السياسية والطائفية، كان بإمكان عون وسلام الانتقال إلى التفاوض من موقع أكثر تماسكًا وقوة.
بين بري و”حزب الله”: توازنات الشيعة وحدود الهدنة الممكنة
أما في ما يتعلق بالبيئة الشيعية، فقد شهدت تحولات لافتة خلال الأشهر الماضية. ففي أعقاب التصعيد الذي أشعله “حزب الله” في آذار (مارس)، برز تململ داخل الشارع الشيعي تجاه الحزب. إلا أن هذا المزاج تبدّل تدريجًا، مع تنامي الشعور بأنَّ أيَّ محاولة لإضعاف الحزب قد تنعكس تهميشًا للطائفة بأكملها، خصوصًا في ظل الضربات الإسرائيلية المكثفة التي طالت جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت. في هذا السياق، تقلّص هامش المناورة أمام رئيس مجلس النواب نبيه بري، رُغمَ أنَّ وزراء محسوبين عليه كانوا قد أيدوا في مرحلة سابقة اعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب غير قانونية.
يبقى بري لاعبًا محوريًا في رسم المسار المقبل. فهو يدفع باتجاه العودة إلى آلية التشاور العسكري في أيِّ مفاوضات مع إسرائيل، وهي الصيغة التي أُعيد تفعيلها وتوسيعها عقب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، مع رفض واضح لأيِّ مسار تطبيعي أو اتفاق سلام شامل. وتشير المعطيات إلى تقاطع هذا الموقف مع رؤية الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، حيث يفضّل الطرفان السعي نحو تحديث إطار اتفاقية الهدنة لعام 1949 بدل الذهاب إلى خيارات أكثر حساسية على المستوى الداخلي.
في هذا السياق، برز تصريح جديد للرئيس جوزيف عون مطلع الأسبوع، حمل دلالات سياسية واضحة، إذ أكد أنَّ هدفه يتمثّل في “إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة”. عمليًا، يشي هذا الموقف بأنَّ الرئاسة لا تتجه نحو طرح اتفاق سلام شامل، على غرار اتفاقيات أبراهام، وهو ما يتقاطع مع حسابات داخلية لبنانية معقدة، ويترك هامشًا لتقاطع محتمل مع رؤية رئيس مجلس النواب نبيه بري حول الإطار التفاوضي.
هذا التقاطع يكتسب أهمية خاصة في ظلِّ إدراك محدودية خيارات بري. فمن غير المرجح أن يذهب بعيدًا في أيِّ مسارٍ قد يُفسَّر على أنه فك ارتباط مع “حزب الله”، نظرًا لحساسية موقعه داخل البيئة الشيعية. ومع ذلك، يبقى قادرًا—ضمن حدود توازنات دقيقة—على الدفع باتجاه مقاربات أكثر براغماتية، خصوصًا إذا استند إلى دعم أغلبية داخلية واضحة، وهو ما يفسّر سعي عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى تثبيت هذا الغطاء السياسي. كما إنَّ التزام الحكومة بعدم الانخراط في مفاوضات سلام شامل يخفف من حدة الاعتراضات الإقليمية والمحلية.
لا شك أنَّ إيران و”حزب الله” لن ينظرا بإيجابية إلى أيِّ صيغة محدثة من اتفاقية الهدنة لعام 1949، إذ إنَّ من شأنها تقليص دور الجنوب اللبناني كمنصّة ضغط عسكرية على إسرائيل. إلّا أنَّ حسابات بري تختلف، فهو يدرك أنَّ الانخراط في صراع مفتوح قد يضع الطائفة الشيعية في مواجهة كلفة وجودية، لا سيما إذا تحوّلت الساحة اللبنانية إلى خط دفاع متقدّم عن المصالح الإيرانية. ومن هذا المنطلق، يبدو أكثر ميلًا إلى دعم مسار يفضي إلى احتواء الجبهة الجنوبية، وهو خيار قد يحظى بقبول شريحة واسعة داخل الشارع الشيعي.
انطلاقًا من ذلك، فإنَّ تأمين دعم غالبية القوى السياسية والدينية لفكرة العودة إلى صيغة هدنة محدّثة يمنح بري هامشًا أوسع لإقناع “حزب الله” وطهران بأنَّ الاستمرار في النهج الحالي قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الداخلية. وقد يذهب أبعد من ذلك، عبر القبول بإطارٍ تفاوضي أكثر مرونة، حتى لو تجاوز بعض الآليات التقليدية، باعتباره تنازلًا اضطراريًا لوقف التدمير المتواصل في الجنوب. مثل هذه المقاربة من شأنها أن تساعد على بلورة موقف لبناني أكثر تماسكًا على طاولة التفاوض.
إقليميًا، لا يتحرك هذا المسار في فراغ. فمن المرجح أن يحظى بري بدعم أطراف إقليمية فاعلة، ما يعزز موقع لبنان في مواجهة الضغوط الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة، التي قد تدفع نحو اتفاق أشمل. في المقابل، تُبدي غالبية الدول العربية، إلى جانب تركيا، تحفّظًا واضحًا على أيِّ مفاوضات سلام لبنانية-إسرائيلية في المرحلة الراهنة، انطلاقًا من رغبتها في ربط أي مسار تطبيعي مستقبلي بتقدم فعلي نحو حل القضية الفلسطينية.
كما تنظر قوى إقليمية مثل السعودية ومصر وتركيا وقطر إلى إسرائيل بوصفها منافسًا إقليميًا وصاحب طموح هيمنة، ما يجعلها متحفظة على انخراط دول عربية إضافية، ومنها لبنان، في دائرة نفوذها. وفي ظل هذه التوازنات، يبدو أنَّ خيار “الهدنة المحدّثة” قد يشكل، في المدى المنظور، الحد الأقصى الممكن للتوافق داخليًا وإقليميًا، بانتظار تبدلات أوسع في المشهدين الإقليمي والدولي.
في المحصّلة، لا يمكن للبنان أن يذهب إلى طاولة التفاوض مع إسرائيل من دون بلورة استراتيجية واضحة ومتماسكة تحظى بغطاء سياسي داخلي. فقبل تشكيلِ أيِّ وفدٍ تفاوضي، تبدو الحاجة ملحّة إلى اتفاقٍ لبناني جامع يُحدّد الأهداف والحدود والمرجعيات. وقد وضع الرئيس جوزيف عون هذا الأسبوع الخطوط العريضة لمثل هذا المسار، غير أنَّ ترجمتها عمليًا تبقى مرهونة بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري، القادر على مدّ الجسور بين المؤسسات الرسمية والقوى المؤثرة، وفي مقدمتها “حزب الله”.
هذا الدور لا يقتصر على التنسيق السياسي فحسب، بل يتعدّاه إلى حشد تأييد شعبي أوسع يمنح أي مقاربة تفاوضية الحد الأدنى من الشرعية الداخلية. فمن دون هذا الغطاء، ستبقى أي مبادرة عُرضةً للتعطيل والانقسام. وفي هذا الإطار، يصبح بري عنصرًا حاسمًا في إقناع الحزب بالانخراط—ولو بشروط—في رؤية تفاوضية تستند إلى توازن دقيق بين ضرورات الدولة وحسابات الميدان.
حتى الآن، تعكس المقاربة اللبنانية قدرًا كبيرًا من التشتت، حيث تتباين مواقف الأطراف المعنية ولا تلتقي على تصوّر موحَّد. هذا الواقع يُضعف موقع لبنان التفاوضي ويحدّ من قدرته على فرض شروطه. لذلك، فإنَّ الخطوة الأولى نحو أيِّ مسار تفاوضي جدّي لا تبدأ في الخارج، بل في الداخل—عبر إنهاء حالة الفوضى السياسية، وبناء موقف موحد يحدد بوضوح ما يريده لبنان، وما هو مستعدٌّ لتقديمه.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
