تواجه أوروبا اختبارًا حاسمًا في ملف الطاقة، مع سعيها لتقليل الاعتماد على روسيا والانخراط في سوق عالمية شديدة التنافس على الغاز. وبين تحديات الداخل وتقلبات الخارج، يبرز تكامل الأنظمة كخيار استراتيجي لإعادة بناء أمنها الطاقوي.
علي الجوري*
لم تعد الطاقة في أوروبا مجرّد ملفٍّ اقتصادي أو بيئي، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى ركيزةٍ مركزية في معادلة الأمن القومي. فالقارة التي بنت نموذجها الصناعي على وفرة الإمدادات واستقرار الأسعار، وجدت نفسها فجأة أمامَ واقعٍ مُختلف، تفرضه التحوّلات الجيوسياسية والتقلبات الحادة في الأسواق. وفي قلب هذا التحوُّل، يبرز مشروع تكامل أنظمة الطاقة كخيارٍ استراتيجي لإعادة صياغة العلاقة بين الدول الأوروبية في مجالٍ حيوي يمسّ الاقتصاد والسيادة في آن واحد.
هذا التكامل لا يُفهَمُ بوصفه مجرّد ربطٍ تقني بين الشبكات، بل كإعادة بناء شاملة لمنظومة الطاقة، تقوم على تقاسم الموارد، وتوحيد الأسواق، وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات. غير أنَّ الطريق نحو هذا الهدف لا يزال محفوفًا بتحديات معقّدة، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع القيود المالية والتقنية.
من صدمة الغاز الروسي إلى تنويع الشراكات العالمية
قبل عام 2022، كانت روسيا تؤمّن نحو 45% من واردات الغاز في الاتحاد الأوروبي، ما جعلها الشريك الأول بلا منازع في تزويد القارة بالطاقة. لكن مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، تغيّرت هذه المعادلة بشكلٍ جذري، حيث تراجعت حصة الغاز الروسي إلى نحو 19% بحلول عام 2024، نتيجة قرارات سياسية واقتصادية هدفت إلى تقليل الاعتماد على موسكو .
هذا التحوُّل السريع فرض على أوروبا البحث عن بدائل عاجلة، فارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال (LNG) بشكلٍ كبير، حتى بات يشكّل أكثر من ثلث واردات الغاز الأوروبية في بعض الفترات، مع اعتمادٍ مُتزايد على الولايات المتحدة وقطر كمورِّدَين رئيسيين. غير أنَّ هذا الخيار وضع أوروبا في مواجهة منافسة مباشرة مع الأسواق الآسيوية، لا سيما الصين واليابان وكوريا الجنوبية، حيث يؤدي ارتفاع الطلب في آسيا إلى دفع الأسعار عالميًا، ما يجعل تأمين الإمدادات أكثر كلفة وتقلبًا.
هذا الواقع الجديد لم يكن بلا ثمن. فقد شهدت أسعار الطاقة ارتفاعات حادة خلال ذروة الأزمة، ما انعكس على التضخم وكلفة الإنتاج الصناعي. وفي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، اضطرت الحكومات إلى تخصيص حزم دعم بمليارات اليوروات لحماية الأسر والشركات من تداعيات ارتفاع الأسعار.
في هذا السياق، أصبح تكامل أنظمة الطاقة داخل أوروبا ضرورة ملحّة، إذ يتيح توزيع الموارد بشكلٍ أكثر كفاءة، ويخفّف من أثر الصدمات الخارجية. فعندما تواجه دولة نقصًا في الإمدادات، يمكن تعويضه عبر الشبكات المشتركة، ما يقلل من الاعتماد على الأسواق الفورية شديدة التقلب.
البنية التحتية والتكامل الداخلي: فجوات قائمة وتحديات التمويل
رُغمَ التقدُّم الذي أحرزه الاتحاد الأوروبي في بناء سوقٍ موحَّدة للطاقة، لا تزال هناك فجوات كبيرة تُعيقُ تحقيق تكامل كامل. فأسعار الكهرباء، على سبيل المثال، تختلف بشكلٍ ملحوظ بين الدول، حيث تتراوح في بعض الحالات بين 0.10 و0.30 يورو لكل كيلوواط/ساعة للأُسَر، وهو تفاوت يعكس اختناقات في الشبكات وضعف الربط العابر للحدود.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو وضع شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث تمتلك إسبانيا والبرتغال قدرات كبيرة في الطاقة المتجددة، لكنها تبقى معزولة نسبيًا عن بقية أوروبا بسبب محدودية الربط مع فرنسا. هذا الواقع يحدّ من قدرة هذه الدول على تصدير فائضها، ويؤدي إلى هدرٍ اقتصادي يمكن تجنّبه عبر تحسين البنية التحتية.
ولمعالجة هذه التحديات، وضع الاتحاد الأوروبي هدفًا يتمثّل في أن تتمكن كل دولة من تبادل ما لا يقل عن 15% من استهلاكها الكهربائي عبر الحدود بحلول عام 2030. غير أنَّ تحقيق هذا الهدف يتطلّب استثمارات ضخمة، إذ تشير التقديرات إلى أنَّ تحديث شبكات الكهرباء قد يكلف نحو 1.2 تريليون يورو بحلول عام 2040 .
إلى جانب التحديات التقنية، تبرز عوائق تنظيمية وسياسية. فاختلاف السياسات الوطنية في مجالاتٍ مثل الدعم وتسعير الطاقة والضرائب يحدّ من كفاءة السوق الموحدة. كما إنَّ بعض الدول تتردد في التنازل عن جُزء من سيادتها في قطاعٍ حسّاس، ما يبطئ وتيرة التكامل.
الخليج وإيران: معادلة الاستقرار والهشاشة في سوق الطاقة
في موازاة الجهود الأوروبية الداخلية، يبقى استقرار أسواق الطاقة العالمية عاملًا حاسمًا في نجاح أي استراتيجية. وهنا يبرز دور الخليج العربي، الذي بات أحد الأعمدة الأساسية في تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي المسال والنفط، مع صعود دول مثل قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة كموردين رئيسيين في مرحلة ما بعد تراجع الدور الروسي.
غير أنّ هذا الاعتماد المتزايد يربط أوروبا بشكل أوثق بتوازنات الشرق الأوسط، في ظل بيئة جيوسياسية شديدة التقلب. فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي لم يُحسم بل دخل في مراحل تهدئة هشة، يبقى عنصرًا ضاغطًا على استقرار الإمدادات. ويزداد هذا القلق مع حساسية مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وقد شهد في مراحل سابقة تعطيلات واحتكاكات عسكرية، سواء عبر تهديدات إيرانية بإغلاقه أو عبر إجراءات عسكرية مضادة، ما انعكس فورًا على الأسواق.
وتُظهر بيانات الأسواق أنَّ أيَّ اضطراب في هذا الممر الحيوي يمكن أن يرفع أسعار النفط والغاز بشكل حاد خلال فترة قصيرة، حيث قفزت الأسعار في بعض محطات التوتر السابقة بنسب تجاوزت 10 إلى 15% خلال أيام قليلة، فيما تُقدَّر الخسائر غير المباشرة—من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة التأمين والشحن—بعشرات مليارات الدولارات سنويًا وفق تقديرات مؤسسات طاقة دولية.
بالنسبة إلى أوروبا، التي تسعى إلى تحقيق استقرار في أسعار الطاقة لدعم نموها الاقتصادي، يمثل هذا العامل مصدر قلق دائم، خصوصًا في ظل انخراطها المتزايد في سوق الغاز الطبيعي المسال، الذي يتأثر سريعًا بأي اضطرابات جيوسياسية.
في المقابل، يدفع هذا الواقع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خطط التكامل الداخلي، وتقليل الاعتماد على العوامل الخارجية قدر الإمكان. كما يعزز الاهتمام بتطوير بدائل مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بهدف بناء نظام طاقوي أكثر استقلالية ومرونة في المدى الطويل.
نحو نظامٍ طاقوي أكثر مرونة
في قلب الاستراتيجية الأوروبية، يبرز التحوُّل نحو الطاقة المتجددة كأحد أهم محرّكات التغيير. فالقارة تسعى إلى زيادة حصة مصادر مثل الرياح والطاقة الشمسية، في إطار التزاماتها بخفض الانبعاثات الكربونية. لكن هذا التحوُّل يتطلب بنية تحتية متطورة قادرة على استيعاب طبيعة هذه المصادر المتقطعة.
التكامل هنا يلعب دورًا محوريًا، إذ يسمح بنقل الطاقة من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك، ويتيح الاستفادة من الفروقات الجغرافية في توفر الموارد. كما يسهم في خفض التكاليف، حيث تشير التقديرات إلى أن تحسين الربط بين الأسواق يمكن أن يوفر نحو 34 مليار يورو سنويًا للمستهلكين الأوروبيين، مع إمكانية زيادة هذه الوفورات إلى ما بين 40 و43 مليار يورو بحلول عام 2030 .
إلى جانب ذلك، تعمل أوروبا على تطوير مشاريع مستقبلية، مثل ممرات الهيدروجين، وربط مزارع الرياح البحرية في بحر الشمال بشبكات متعددة الدول. هذه المشاريع تعكس رؤية بعيدة المدى تهدف إلى بناء نظام طاقوي متكامل، يجمع بين الكفاءة والاستدامة.
في المحصّلة، إنَّ تكامل أنظمة الطاقة في أوروبا لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة تفرضها التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء. فبين صدمة الاعتماد على الغاز الروسي، وتزايد أهمية الخليج كمصدر بديل، واستمرار المخاطر المرتبطة بالتوترات مع إيران، تجد أوروبا نفسها أمام مهمة معقدة تتطلب مزيجًا من الاستثمار والتنسيق السياسي.
ورغم الصعوبات، يوفر هذا المسار فرصة حقيقية لبناء نظام طاقوي أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع عالم يتسم بعدم اليقين. وفي حال نجحت أوروبا في تحقيق هذا التكامل، فإنها لن تعزز أمنها الطاقوي فحسب، بل ستعيد أيضًا رسم موقعها في خريطة الطاقة العالمية.
- علي الجوري هو مراسل “أسواق العرب” في باريس.
