الدكتور فيليب سالم*
يجد لبنان نفسه اليوم أمام ما يُوصَف بفرصةٍ تاريخية جديدة — واحدة من تلك اللحظات النادرة التي قد تُعيدُ رَسمَ مساره السياسي والأمني. غير أنَّ التجربة اللبنانية تُظهر أنَّ الفُرَصَ وحدها لا تكفي، إذ سبق أن أُتيحت فُرَصٌ مماثلة ولم يُحسِن النظام السياسي استثمارها. ويبرز في هذا السياق القرار 1701، الذي شكّل عند صدوره محطّةً مفصلية كان يمكن البناء عليها لترسيخ الاستقرار. إلّا أنَّ السلطة آنذاك عجزت عن بلورة موقف حاسم لتنفيذه، وتراجعت أمام تهديدات الانقسام الداخلي، ولا سيما تلك المرتبطة بـ”حزب الله”، فاختارت نهج التسويات على حساب تطبيق الالتزامات الدولية.
اليوم، ومع اقتراب لبنان من مفاوضاتٍ تُوصَفُ بالمفصلية وعلى أعلى المستويات الديبلوماسية، تتكرر لحظة الاختبار. هذه المفاوضات، التي تأتي بطلبٍ ورعاية من الولايات المتحدة، تضع الدولة اللبنانية أمام خيارٍ واضح: إما الاستفادة من الظرف الدولي الداعم، أو الوقوع مُجَدَّدًا في فخِّ التردُّد والخشية من الضغوط الداخلية.
ويكتسب الدور الأميركي في هذه المرحلة أهمية استثنائية. فواشنطن، على غير العادة، تبدو أكثر وضوحًا وصلابة في دعمها لموقف لبنان، ما يفتح نافذة نادرة لإعادة تثبيت معادلة سيادية أكثر توازنًا. ورُغمَ أنَّ الولايات المتحدة قد لا تُعَدُّ الوسيطَ المثالي في النزاع مع إسرائيل، فإنها تبقى الجهة الوحيدة القادرة فعليًا على ضمان تنفيذ أيِّ اتفاق، بما تملكه من نفوذٍ مباشر على تل أبيب وقدرة على فرض الالتزام به.
لكي تُكتب لهذه المفاوضات فرصة النجاح، لا يكفي أن يحضر لبنان إلى الطاولة، بل يجب أن يعرف بدقة ما الذي يسعى إليه، وكيف يمكن بلوغ هذا الهدف. فوضوح الرؤية وتحديد المسار يشكّلان شرطَين أساسيين لأيِّ عملية تفاوضية جادة. ومن الطبيعي أن تتصدّر المطالب اللبنانية أولويات واضحة: وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب الجيش الإسرائيلي من كامل الأراضي المحتلة، عودة النازحين إلى قراهم، إلى جانب استكمال ترسيم الحدود البرية والبحرية ومعالجة النقاط الخلافية العالقة. هذه كلها ملفات أساسية وملحّة، لكنها، في حد ذاتها، لا تكفي لبناء سلام مستدام.
فالمفاوضات المطروحة اليوم تتجاوز الإطار التقليدي للنزاعات الحدودية أو تقاسم الموارد. إنها، في جوهرها، تفاوض على مصير الكيان اللبناني نفسه—على بقائه واستمراريته كدولة ذات سيادة. لم يعد النقاش محصورًا بالأرض والبحر والنفط والغاز، بل بات يتعلق بما هو أعمق: كيف نحافظ على لبنان ككيان موحّد، وعلى هوية الدولة التي نريدها.
وانطلاقًا من هذا الفهم، تبرز الحاجة إلى مقاربة تفاوضية مختلفة، تستند إلى موقف لبناني واضح وحاسم، قائم على أُسُسٍ مُحدَّدة تشكّل الإطار الناظم لهذه العملية. وفي هذا السياق، يمكن اقتراح ثلاث ركائز أساسية يُبنى عليها الموقف اللبناني، بما يضمن عدم تكرار أخطاء الماضي ويضع البلاد على مسار أكثر صلابة واستقرارًا:
أولًا: السلام
في هذه المفاوضات، لا ينبغي أن ينحصرَ النقاشُ في ترتيباتٍ أمنية مؤقتة أو في العودة إلى اتفاقات هدنة أثبتت محدوديتها، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى مختلف: الحديث عن سلامٍ شامل ودائم بين لبنان وإسرائيل. فالمسألة لم تَعُد تحتمل مقاربات جُزئية أو حلولًا انتقالية، بل تتطلّب موقفًا واضحًا وصريحًا — أنَّ لبنان يُريدُ السلام.
هذا الطرح، الذي قد يبدو جريئًا في السياق اللبناني، يعكس في جوهره إرهاقًا عميقًا من الحروب المتكررة. فقد استنزفت الصراعات الأرض والبشر، وملأت السماء بضجيج الشعارات التي لم تُفضِ، في نهاية المطاف، إلى تحقيق أهدافها المعلنة. بل على العكس، أسهمت في مزيد من التدمير، سواء في فلسطين أو في لبنان نفسه. من هنا، يبرز منطقٌ مختلف، يقوم على إعادة الاعتبار للعقلانية السياسية، وعلى قناعة بأنَّ الاستمرار في النهج السابق لم يعد خيارًا قابلًا للاستدامة.
في هذا الإطار، لا يبدو مطلب السلام خروجًا عن السياق الإقليمي، بل امتدادًا لمساراتٍ سبقت أن سلكتها دولٌ عربية أخرى، مثل مصر والأردن، حين اختارتا إنهاء حالة الحرب والانخراط في تسويات طويلة الأمد. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا يُستثنى لبنان من هذا المسار؟ ولماذا يُحمَّل، وحده، عبء الاستمرار في صراعٍ مفتوح، في حين أنَّ دولًا أخرى أعادت تعريف أولوياتها وفقًا لمصالحها الوطنية؟
الإجابة ترتبط، إلى حد كبير، بطبيعة النظام السياسي اللبناني، الذي لطالما عانى من ضعفٍ في اتخاذ القرار، ومن بُنيةٍ قائمة على توازناتٍ طائفية أعاقت بلورة سياسة وطنية موحدة. فبدل أن يكونَ دولة قادرة على اتخاذ خيارات سيادية، بدا لبنان في كثيرٍ من الأحيان كإدارة متعثّرة لتوازنات داخلية متناقضة. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “الإجماع” أقرب إلى ذريعةٍ لتعطيل القرارات الكبرى، إذ إنَّ التجارب الإقليمية تُظهر أنَّ القرارات المصيرية لا تُبنى دائمًا على توافق شامل، بل على إرادةٍ سياسية قادرة على الحسم.
وعليه، فإنَّ الانتقال نحو خيار السلام يتطلب ما هو أكثر من توافق ظرفي؛ إنه يحتاج إلى قيادة سياسية تمتلك الجرأة والرؤية لاتخاذ قرار تاريخي. فالتجارب تُظهر أنَّ التحوُّلات الكبرى لا تصنعها التوازنات الهشة، بل الخيارات الواضحة التي تتبنّاها قيادات تدرك أنَّ الاستمرار في المسار القديم لم يَعُد ممكنًا.
ثانيًا: نزعُ السلاح.
يُعدّ ملف نزع السلاح أحد أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في أيِّ مسارٍ تفاوضي، ولا يمكن التعامل معه بمنطق مبسّط أو اختزاله في مقاربة عسكرية بحتة. فالتجربة اللبنانية تُظهر بوضوح أنَّ القوة وحدها، مهما بلغت، غير كافية لتحقيق هذا الهدف. لقد راكمت “المقاومة الإسلامية” على مدى سنوات ترسانة عسكرية واسعة، ممتدة فوق الأرض وتحتها، ورُغمَ التفوُّق العسكري الإسرائيلي ومحاولاته المستمرة لاستهداف هذا السلاح، فإنَّ النتيجة لم تكن حاسمة. وهذا بحدِّ ذاته مؤشّر إلى أنَّ المسألة تتجاوز القدرة العسكرية إلى أبعادٍ سياسية أعمق.
النقطة الجوهرية هنا أنَّ قرار نزع السلاح لا يُتَّخَذ فقط في الداخل اللبناني، بل يرتبط إلى حد كبير بمراكز قرار خارجية، وفي مقدمتها طهران. وبالتالي، فإنَّ أيَّ مقاربة جدية لهذا الملف تستدعي معالجة البُعد الإقليمي الذي يُغذّيه، لا الاكتفاء بالتعامل مع مظاهره المحلية.
ومن زاوية أخرى، حتى في حال افترضنا نجاحًا نظريًا في تفكيك سلاح “حزب الله” بالكامل، فإنَّ ذلك لا يضمن استدامة هذا الواقع إذا بقيت الظروف الإقليمية على حالها. فطالما استمرّت إيران في تبنّي سياسة التمدّد في المنطقة، يبقى احتمال إعادة تسليح الفصائل قائمًا، سواء بعد سنوات من الهدوء أو في ظلِّ تحوّلات دولية قد تعيد خلط الأوراق. وعندها، يجد لبنان نفسه مجددًا أمام الحلقة ذاتها التي عجز عن كسرها.
من هنا، يصبح نزع السلاح مسارًا ديبلوماسيًا بقدر ما هو أمني، يتطلّب مقاربة أوسع تهدف إلى تجفيف مصادر التمويل والتسليح التي تُغذّي هذه الشبكات في المنطقة. وفي هذا الإطار، يبرز دور الولايات المتحدة، بوصفها الراعي الأساسي للمفاوضات، كطرفٍ قادر على إدراج هذا البُعد ضمن أيِّ تفاهمات أوسع مع إيران. فربطُ الاستقرار اللبناني بوقف الدعم العسكري والمالي للفصائل المرتبطة بطهران –سواء في لبنان أو في ساحات إقليمية أخرى– يشكل عنصرًا حاسمًا لضمان استدامة أي تسوية.
من دون معالجة هذا البُعد، تبقى أيُّ اتفاقات ثُنائية –بما في ذلك مع إسرائيل– قاصرة عن تحقيق الاستقرار الفعلي. إذ إنَّ السلام، في هذه الحالة، سيكون هشًا وقابلًا للانتكاس، ما لم يُترجم إلى واقعٍ سيادي متماسك يُنهي ازدواجية السلاح ويضع قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
ثالثًا: معاهدة دفاع مشتركة
حتى في حال التوصُّل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، يبقى السؤال الجوهري قائمًا: مَن يضمن استدامة هذا السلام؟ فالتجربة تشير إلى أنَّ إسرائيل لا تتردد في استخدام القوة العسكرية عندما ترى أن أمنها مهدّد، وأحيانًا تبادر إلى فرض وقائع جديدة تحت هذا العنوان. من هنا، لا يكفي توقيع اتفاق، بل لا بد من وجود مظلة دولية قادرة على فرض الالتزام به ومنع انهياره عند أول اختبار.
في هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة بوصفها الطرف الوحيد القادر فعليًا على لعب هذا الدور. فهي الجهة التي تمتلك النفوذ الحقيقي على إسرائيل، والقادرة على ضبط سلوكها وفرض احترام أيِّ اتفاق يتم التوصل إليه. ومن هنا، يكتسب طرح إبرام معاهدة دفاع مشتركة بين لبنان والولايات المتحدة بُعدًا عمليًا، يتجاوز التنظير إلى توفير ضمانات أمنية حقيقية.
وقد طُرح هذا الخيار سابقًا بشكل واضح، عندما دعا السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، خلال زيارته إلى لبنان ولقائه رئيس الجمهورية، إلى إبرام معاهدة دفاع مشتركة بين البلدين. يومها، ربما لم تكن الظروف السياسية الداخلية والخارجية مهيأة لاتخاذ قرار بهذا الحجم. أما اليوم، ومع التحولات الإقليمية المتسارعة، فقد تكون اللحظة أكثر ملاءمة لإعادة النظر في هذا الطرح بجدية.
في جوهر الحرب –سواء في لبنان أو في الإطار الأوسع مع إيران– تبقى القضية واحدة: قضية الأمن. غير أنَّ هذا المفهوم لا يقتصر على البُعد العسكري، بل يمتد ليشمل طبيعة النظام الذي يُنتج هذا التهديد. فلا شك أنَّ النموذج السياسي–الديني الذي أفرزته الثورة الإيرانية يشكّل تحديًا مباشرًا للاستقرار في المنطقة، لكن خطورته لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق، يمسّ بنية القيم والحضارة.
فهذا النموذج يقوم على إيديولوجيا غير مألوفة، تُعلي من شأن الموت على حساب الحياة، وتُضفي على فكرة “الشهادة” بُعدًا وجوديًا يتقدّم على معنى العيش ذاته. وهي رؤية تنتمي إلى منطقٍ أحادي، لا يعترف بتعددية العالم ولا يقبل الاختلاف، بل ينظر إليه بوصفه تهديدًا يجب إقصاؤه. في هذا الإطار، يغيب الحوار لتحلّ محله ثقافة الإلغاء، ويُستبدل النقاش بالقطيعة، والتنوع بالانغلاق.
في المقابل، يقدّم لبنان نموذجًا نقيضًا. فهو، في جوهره، مساحة للتعدد والتلاقي، حيث تتقاطع الثقافات والأديان، وتُبنى الهوية على الاعتراف بالآخر لا على نفيه. وهذه الخصوصية ليست مجرد سمة اجتماعية، بل هي تعبير عن رؤية حضارية أوسع، ترى في الإنسان قيمة بحد ذاته، وفي الاختلاف مصدر غنى لا تهديد. في هذا المعنى، يصبح الإيمان بالوحدة الإنسانية –بأنَّ البشر جميعًا متساوون في الكرامة والانتماء– أساسًا لفهم أعمق لدور لبنان ورسالة وجوده.
ومن هنا، لا يبدو الصراع مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية، بل صراع بين رؤيتين: رؤية تنغلق على ذاتها وتُقصي ما عداها، وأخرى تنفتح على العالم وتسعى إلى احتضانه. وفي هذا السياق، يبرز لبنان كفكرة قبل أن يكون كيانًا—فكرة الحياة في مواجهة ثقافة الموت، وفكرة التعدد في مواجهة الأحادية.
لقد أُعطي هذا البلد ليكون مساحة للحياة، لا ساحة للموت. وفي ذلك تكمن مسؤوليته التاريخية: أن يحافظ على هذا الدور، وأن يثبت، رغم كل التحديات، أنَّ خيار الحياة لا يزال ممكنًا.
- الدكتور فيليب سالم هو طبيب وباحث وأستاذ ورجل دولة عالمي في طب السرطان، يعمل كمدير فخري لأبحاث السرطان في مستشفى سان لوك الأسقفية في هيوستن، وهو رئيس “مركز سالم للأورام السرطانية”.
