بين رهانات السلام وضغوط الصراع، يجد لبنان نفسه مجدَّدًا في قلب اشتباكٍ إقليمي يتجاوز حدوده وقدرته على الاحتمال. فأيُّ مسارٍ تفاوضي اليوم لا يرسم مستقبل العلاقة مع إسرائيل فحسب، بل يختبر أيضًا معنى السيادة وحدودها في بلدٍ مُثقل بالتوازنات.
مايكل يونغ*
في 14 نيسان (أبريل)، استضافت واشنطن لقاءً لافتًا جمع سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، ندى حمادة معوّض ويحيئيل ليتر، برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ورُغمَ اللغة المتفائلة التي استخدمها بعضُ أنصار السلام، بدت المبالغة واضحة في توصيف الحدث. فالتريُّث في قراءة نتائجه هو أكثر واقعية وحكمة، إذ إنَّ الحصيلة الفعلية لا توحي باختراقٍ حاسم، بقدر ما تعكس إدخال لبنان مجدَّدًا في قلب الصراع الإيراني–الإسرائيلي الشرس على النفوذ في الشرق الأوسط، وهو صراعٌ يصعب على بلد هشٍّ كلبنان أن يخرجَ منه سالمًا.
شهد لبنان رَدَّي فعلٍ متناقضَين بشدة عقب اجتماع واشنطن. فبينما رأى المُرَحّبون به خطوةً أولى نحو تحرير لبنان من الهيمنة الإيرانية و”حزب الله”، سعى المسؤولون في بيروت إلى تثبيت وتأكيد موقع الحكومة بوصفها الجهة الوحيدة المُخوَّلة التحدّث باسم الدولة، في إشارةٍ إلى رفض وضع مصير البلاد على طاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد. وجاء الرد الإيراني على هذا التوجّه حادًا، إذ غرّد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، محذّرًا من أنَّ تجاهل دور “المقاومة” سيعرّض لبنان لمخاطر أمنية لا يُمكن إصلاحها، ومؤكدًا أن استقراره مرهون بالتنسيق بين الحكومة و”حزب الله” — في رسالةٍ لم تُخفِ طابعها التهديدي.
في المقابل، برزت رواية مناقضة تشكّك في جدوى الرهان على السلام مع إسرائيل بوصفه مدخلًا للتحرر من الهيمنة الخارجية، معتبرة أنَّ النفوذ الإسرائيلي المحتمل لن يكون أقل وطأة. وقد انعكس هذا الموقف بوضوح في خطاب الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، عشية اجتماع واشنطن، حين دعا الحكومة إلى عدم المشاركة، مؤكدًا رفض الحزب لأيِّ تفاوض مع إسرائيل.
لبنان في قلب الصراع: انقسامٌ داخلي وضغوطٌ إقليمية
تعكس مواقف طهران و”حزب الله” تمسّكًا واضحًا بورقة لبنان، ما ينذر بتداعيات داخلية وإقليمية متصاعدة. فداخليًا، يُرجّح أن تتفاقم الانقسامات مع تصاعد الاحتجاجات ضد أيِّ مسارٍ تفاوضي، وربما انزلاق الأمور نحو مواجهات أكثر خطورة. أما إقليميًا، فقد تتلاقى مصالح قوى رافضة لتوسّع النفوذ الإسرائيلي مع الموقف الإيراني لإحباط أي تحوّل في تموضع لبنان. وفي هذا السياق، تبدو تركيا مثالًا بارزًا على دولة لن تنظر بارتياح إلى تمدّد إسرائيلي في لبنان، الذي يُعدّ امتدادًا جغرافيًا واستراتيجيًا لسوريا، حيث تتقاطع مصالح الطرفين أصلًا.
في صلب هذه التعقيدات، تبرز مُعضِلة نزع سلاح “حزب الله” كواحدة من أعقد التحديات أمام الدولة اللبنانية. ورغم الاتهامات المتكررة لحكومة نواف سلام بضعف الإرادة في هذا الملف منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، فإنَّ هذا الطرح يتجاهل واقعًا ميدانيًا حاسمًا: الجيش اللبناني لا يملك القدرة على فرض هذا الخيار بالقوة. فمحاولة من هذا النوع قد تضعه في مواجهة ليس فقط مع قوة شبه عسكرية منظمة، بل مع بيئة اجتماعية واسعة يُرجّح أن تنخرط في القتال إلى جانب الحزب، ما يخلق وضعًا مستحيلًا لا أفق للدولة للانتصار فيه.
ويكتسب هذا الواقع دلالاته الأعمق عند النظر إلى وضع الطائفة الشيعية في لبنان اليوم. فقد أدت الحرب الأخيرة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، غالبيتهم من الشيعة، ما فاقم شعور هذه الجماعة بالهشاشة والتهديد. وبينما تواجه انتقادات حادة من قوى لبنانية أخرى تتهم “حزب الله” بزجّ البلاد في حروب متكررة، تجد نفسها في الوقت ذاته محاصرة بمخاوف إقليمية: من جهة، نظام سوري سلفي جديد يُنظَر إليه بعين الريبة، ومن جهة أخرى ضغط إسرائيلي متواصل من الجنوب. في ظلِّ هذه البيئة القلقة، يبدو من غير الواقعي توقّع تخلي هذه الطائفة عن سلاح تعتبره ضمانة وجودية.
إذا كانت المواجهة العسكرية مع “حزب الله” خيارًا مُستبعَدًا، ورفض البيئة الشيعية التخلي عن السلاح واقعًا قائمًا، فإنَّ البحث عن بدائل لفرض احتكار الدولة للعنف يصبح ضرورة لا خيارًا. ويقود هذا المنطق إلى خلاصة واضحة: أي تقدُّم فعلي يمرّ عبر تسوية أوسع تُشرك إيران، وتتضمّن تفاهمًا على نزع سلاح الحزب مقابل ضمانات جدّية لأمن الشيعة. غير أنَّ هذا المسار يبدو شديد التعقيد، إن لم يكن مستحيلًا، في ظل سعي الدولة اللبنانية إلى النأي بنفسها عن طهران، واحتمال استثمار إسرائيل لأيِّ اتفاق سلام لفرض نفوذها المباشر داخل لبنان.
سلام بشروط إسرائيل: سيادة منقوصة ومفاوضات غير متكافئة
من هنا، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة “السلام” الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه. فالممارسات الإسرائيلية في سوريا وغزة، والآن في لبنان، توحي بنمط ثابت يقوم على إنشاء مناطق عازلة داخل أراضي الجوار بذريعة الأمن. وفي السياق التفاوضي، قد تعود تل أبيب إلى صيغ سبق أن طرحتها في ساحات أخرى، كما في عرض رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت عام 2008 للفلسطينيين، والذي تضمّن دولة ذات سيادة منقوصة، بلا جيش أو سيطرة فعلية على الحدود، مع منح إسرائيل حق التدخُّل العسكري داخل أراضيها.
وعلى هذا القياس، يُرجّح أن تسعى إسرائيل إلى فرض ترتيبات مشابهة في أيِّ اتفاق محتمل مع لبنان. فطرح إنشاء منطقة اقتصادية حدودية قد يتحوّل إلى أداة لإدارة أمنية مشتركة، تُتيحُ لإسرائيل، إن كانت طرفًا فيها، التأثير في حركة الدخول إلى تلك المنطقة، وربما فرض قيود على مواطني دولة ذات سيادة. وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى المطالبة بحرية انتشار عسكري داخل الأراضي اللبنانية، واستمرار الطلعات الجوية، بل وحتى دور في مراقبة الحدود اللبنانية–السورية.
مثل هذه الشروط ستواجه رفضًا واسعًا في الداخل اللبناني. لكن إذا كانت الأولوية لدى بعض الأطراف هي الخروج من دائرة النفوذ الإيراني، بما يعنيه ذلك من الالتحاق بمنظومة تقودها الولايات المتحدة، فإنَّ هامش المناورة قد يضيق. عندها، قد تنحصر الاستراتيجية اللبنانية في محاولة توظيف الدور الأميركي للضغط على إسرائيل وتليين شروطها، بما يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من السيادة. وإذا نجحت هذه المقاربة في تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة سكان الجنوب إلى مناطقهم، فقد تخلق دينامية داخلية تحدّ من قدرة إيران و”حزب الله” على عرقلة المسار، خصوصًا في ظلِّ الضغوط المتفاقمة التي تواجهها البيئة الشيعية.
غير أنَّ كلَّ ذلك يبقى رهن فرضية كبرى يصعب الركون إليها. فالمؤشرات لا توحي بأنَّ إسرائيل مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية، بل تميل إلى التشدُّد، في حين يُرجّح أن تنحاز الولايات المتحدة إلى هذا الموقف، بما يحدّ من قدرتها على لعب دور الوسيط المتوازن في الملف اللبناني.
في ضوء ذلك، تبدو الأشهر المقبلة مرشَّحة لتفاقم الضغوط الداخلية في لبنان، على نحوٍ يعمّق الانقسامات ويجعل أي تسوية أكثر تعقيدًا. فالتجاذبات السياسية، والتوترات الطائفية، والاصطفافات الإقليمية المتشابكة، ستُنتج بيئة غير مؤاتية للتفاوض، وتفرض رياحًا معاكسة تعيد رسم شروط أي حوار مع إسرائيل.
ورغم وجود اعتبارات بنيوية قد تحول دون الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، فإنَّ من الصعب تصوُّر خروج لبنان من هذه المرحلة من دون أثمان باهظة، سواء على مستوى استقراره الداخلي أو موقعه في توازنات الإقليم.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
