بعدَ شهرٍ على اندلاع المواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم تَعُد الحرب تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة: استهداف الموارد الحيوية. في قلب هذا التحوُّل، تبرز المياه كسلاح استراتيجي قادر على زعزعة استقرار المنطقة أسرع من أيِّ ضربة عسكرية تقليدية.
فريدا غيتيس*
بعد مرور شهرٍ على الضربات العسكرية التي نفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، برز عاملان حاسمان في مسار المواجهة: الجغرافيا والموارد الطبيعية. ففي ظل تفوُّق خصومها عسكريًا من حيث العدد والعدة، لجأت طهران إلى توظيف موقعها الاستراتيجي كورقة ضغط، عبر إحكامِ قبضتها على أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، مضيق هرمز، مُلوّحة بقدرتها على التأثير في حركة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.
ورُغمَ هذا الاستخدام الفعّال للجغرافيا، لم تقتصر الإشارات الإيرانية على هذا المسار، بل ألمحت إلى خيارٍ تصعيدي مختلف يتمثّل في استهدافِ موردٍ أكثر حساسية: مياه الشرب لدى دول الجوار.
فدول الخليج العربية، التي نجحت في تشييد نماذج تنموية لافتة وسط بيئة تُعد من الأكثر جفافًا عالميًا، اعتمدت على ثرواتها النفطية والغازية لبناء بنى تحتية مُتقدِّمة وتأمين مستويات معيشية مرتفعة. غير أنَّ هذا النمو لم يكن مُمكنًا لولا الاستثمار المكثّف في تقنيات تحلية مياه البحر، التي شكّلت العمود الفقري للأمن المائي في المنطقة.
وتُظهرُ الأرقام حجمَ هذا التحوُّل؛ إذ ارتفع عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي —السعودية والإمارات والكويت والبحرين وعُمان وقطر— من نحو أربعة ملايين نسمة في منتصف القرن الماضي إلى أكثر من ستين مليونًا اليوم. هذا التوسُّع الديموغرافي كان مرهونًا بتوفُّر إمدادات مستقرّة من المياه المُحلّاة. وعليه، فإنَّ أيَّ استهدافٍ مُحتمل لمنشآت التحلية لا يُهدّد فقط استمرارية هذه الإمدادات، بل يُنذر باندلاع أزمة إنسانية سريعة، قد تضرب عمق الاستقرار في دولٍ ترتبط بتحالفاتٍ وثيقة مع الولايات المتحدة.
المياه في مرمى النيران: من ورقة ضغط إلى هدف مباشر
تجلّت مركزية المياه كهدفٍ استراتيجي منذ المراحل الأولى للصراع، حين اتَّهمَ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة بقصف محطة تحلية في جزيرة قشم في 7 آذار (مارس). ووفق الرواية الإيرانية، أدّى الهجوم إلى انقطاع المياه عن نحو 30 قرية في أكبر جزيرة إيرانية في الخليج، الواقعة بمحاذاة مضيق هرمز. ووصف عراقجي الحادثة بأنها “جريمة سافرة ويائسة” و”تصعيد خطير”، محذِّرًا من “عواقب وخيمة”. في المقابل، نفت واشنطن مسؤوليتها، وسرعان ما تراجعت القضية إلى الخلفية تحت وطأة التصعيد الأوسع: هجمات متبادلة، ضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وقفزات ملحوظة في أسعار النفط.
لكن مسار الأحداث في الأيام التالية أعاد تسليط الضوء على هشاشة البنية المائية في المنطقة. ففي اليوم التالي مباشرة، استهدفت طائرة مسيّرة إيرانية محطة مياه عذبة في البحرين، ما أدى إلى أضرار محدودة من دون تعطيل التشغيل. ولم تمضِ أيام حتى طالت هجمات مماثلة منشآت مائية في الكويت والإمارات العربية المتحدة. ورُغمَ أنَّ هذه الضربات لم تُحدِث دمارًا واسعًا، فإنها حملت رسالة واضحة مفادها أنَّ البنية التحتية للمياه باتت ضمن بنك الأهداف المحتملة.
تصاعدت حدة الخطاب المُتبادَل لاحقًا، وبلغت مستوى أكثر خطورة في 21 آذار (مارس)، حين وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنذارًا نهائيًا إلى طهران، مُهدّدًا بتدمير كامل للبنية التحتية للطاقة الإيرانية إذا لم يُعاد فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة. الردُّ الإيراني جاء سريعًا وحاسمًا عبر المتحدث العسكري إبراهيم ذو الفقاري، الذي أعلن أنَّ أيَّ استهدافٍ لقطاع الطاقة الإيراني سيُقابله ردٌّ شامل، يشمل تدمير بنى الطاقة وتكنولوجيا المعلومات، وصولًا إلى محطات تحلية المياه التابعة لأميركا وحلفائها في المنطقة—في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة الأهداف لتشمل شرايين الحياة المدنية، لا مجرد المنشآت العسكرية.
بعد تمديد المهلة مرتين، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع ليُصعّد لهجته، مؤكّدًا أنَّ “المحادثات الجادة” التي قال إنه يجريها مع أطراف داخل النظام الإيراني، إذا لم تُفضِ إلى اتفاقٍ قريب، ستقودُ إلى استهدافٍ واسع النطاق للبنية التحتية الإيرانية. ولم يقتصر التهديد على محطات توليد الكهرباء وآبار النفط ومنشآت الطاقة في جزيرة خرج، بل امتد—بحسب تصريحاته—إلى “ربما جميع محطات تحلية المياه”. وفي خطاب ألقاه الأربعاء الماضي بمناسبة مرور شهر على اندلاع الحرب، كرر ترامب تحذيراته، من دون الإشارة صراحةً إلى منشآت التحلية. غير أنَّ استهداف هذه المرافق، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران، يظل في جوهره انتهاكًا جسيمًا قد يرقى إلى جريمة حرب، نظرًا لارتباطه المباشر بحياة المدنيين.
أمن الخليج المائي: هشاشة الازدهار في مواجهة حرب الموارد
في هذا السياق، يبدو أنَّ أمنَ المياه في الخليج بات رهينة معادلة الردع المُتبادَل. فدول المنطقة، رُغمَ ثرائها النفطي، تعتمد على استهلاكٍ هائل للطاقة ليس فقط لتبريد مدنها الحديثة في مناخٍ صحراوي قاسٍ، بل أيضًا لتشغيل منظومات تحلية المياه التي تُمثّل شريان الحياة الأساسي. وعليه، فإنَّ الخطرَ لا يقتصرُ على استهداف محطات التحلية بشكلٍ مباشر، بل يمتد إلى أيِّ ضربٍ للبنية التحتية للطاقة، ما قد يؤدي تلقائيًا إلى تعطيل إنتاج المياه الصالحة للشرب.
وتعكس الأرقام حجم هذا الاعتماد: أكثر من 80% من مياه الشرب في الإمارات العربية المتحدة، ونحو 50% في السعودية، مصدرها التحلية. أما الدول الأصغر ضمن مجلس التعاون، مثل قطر والبحرين، فتعتمد بشكل شبه كامل على مياه البحر المعالجة. في ظل هذه المعادلة، فإنَّ أيَّ انقطاعٍ مفاجئ في القدرة على التحلية قد يتحوّل بسرعة إلى أزمةٍ وجودية.
المفارقة اللافتة أنَّ إيران، التي تُلوّحُ بسلاح المياه، تُعاني هي نفسها من أزمة مائية عميقة. فقد أدّت سنوات من الجفاف—امتدت لستة أعوام—مقترنة بسوء الإدارة والهدر والفساد، إلى تقويض فعالية نظام المياه في البلاد. وتسبّب شحُّ المياه في تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، ما ساهم في تأجيج موجات احتجاج واسعة خلال الأشهر الأخيرة. وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ومع تراجُع مستويات الخزانات إلى حدودٍ حرجة، حذّر الرئيس مسعود بزشكيان من احتمال اللجوء إلى إجلاء قسري لسكان العاصمة طهران، التي يقطنها نحو 15 مليون نسمة، في سيناريو يعكس عمق الأزمة التي تواجهها البلاد داخليًا، حتى وهي تستخدم ورقة المياه في صراعها الخارجي.
في الداخل الإيراني، لا تزال بنية الموارد المائية تختلف جذريًا عن تلك المعتمدة في الخليج. إذ يعتمد الإيرانيون أساسًا على الأنهار والخزانات والمياه الجوفية، بينما تبقى مساهمة تحلية مياه البحر محدودة ومحصورة في المناطق الساحلية على الخليج. ويُستَهلك نحو 90% من المياه في القطاع الزراعي، ما أدّى على مدى سنواتٍ إلى استنزافٍ مفرط للمياه الجوفية وتراجُعٍ خطير في المخزون المائي الاستراتيجي.
ورُغمَ هذا الواقع، تُدرك طهران بدقة حجم الاعتماد الوجودي لجيرانها على تحلية المياه. ومن هذا المنطلق، يبدو أنَّ حساباتها الاستراتيجية لا تقتصر على الضربات العسكرية المباشرة، بل تمتدُّ إلى أدوات ضغط غير تقليدية. فالهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي استهدفت قواعد أميركية، إضافة إلى مطارات ومنشآت مدنية في دول الخليج، لم تكن مجرد رسائل عسكرية، بل محاولة لدفع حكومات المنطقة إلى ممارسة ضغوط على واشنطن لاحتواء التصعيد. وفي السياق ذاته، قد ترى القيادة الإيرانية أنَّ التلويح بأزمة مياه إقليمية يمثل ورقة ضغط أكثر فاعلية وأسرع تأثيرًا.
هكذا، يتضح أنَّ طبيعة الصراع آخذة في التحوُّل من مواجهةٍ عسكرية تقليدية إلى حربٍ على الموارد الحيوية. فبينما تُحدث الصواريخ والطائرات المسيّرة دمارًا ملموسًا، تكمن القوة الحقيقية في القدرة على إحداثِ اختلالات في توازن الموارد الأساسية. وفي هذا الإطار، تبرز المياه بوصفها الأداة الأخطر—سلاحًا صامتًا، لكنه قادر على إحداث تداعيات تفوق في عمقها وتأثيرها كثيرًا من الأسلحة التقليدية، إنه بمثابة سلاحها النووي.
- فريدا غيتيس هي كاتبة ومحللة سياسية متخصصة في الشؤون الدولية. يمكن متابعتها عبر منصة “إكس” على حسابها: @fridaghitis.
