إسنادٌ وشريطٌ حدودي مُحتَل: مَن يُعيدُ أهلَنا ويُرَسِّخُ استقلالَهم؟

ابراهيم حيدر*

لم تَعُد الحرب الإسرائيلية تقتصر على المواجهات النارية فقط، بل بدأت تتوضَّحُ ملامحها ميدانيًا على الأرض وفق ما يُنقَلُ عن حكومة تل أبيب، إضافةً إلى تسريبات عن الخطة المرسومة لجنوب لبنان في المرحلة المقبلة وما بعد انتهاء الحرب.

أفصحت إسرائيل بعد بدء التوغّل البري، وزجِّ 4 فرق قتالية في المعركة عن روايتها الأمنية والسياسية المتعلقة بالمنطقة الحدودية، أو ما بات يُعرَف بمنطقة جنوب الليطاني، فتتحدث عن منطقةٍ عازلة بلا حياة مع هدم القرى الحدودية ومنع عودة السكان، ما يعني أنَّ الاحتلال يُعيدُ تشكيل المساحة الحدودية عبر احتلالٍ طويل الأمد.

في توغّلها البري جنوبًا تستعمل إسرائيل تكتيكًا مختلفًا عن الحروب والاجتياحات التي خاضتها في مراحل مختلفة منذ العام 1978، حتى عندما احتلت الجنوب والجبل وبيروت عام 1982، عادت وثبّتت شريطًا حدوديًا واسعًا تجاوز جنوب الليطاني إلى التلال المُشرفة على النهر، أي أنَّ الاحتلال تجاوز جنوب النهر إلى شماله. بيد أنَّ إسرائيل لم تستطع البقاء جنوبًا بفعل عمليات المقاومة التي ساعدها تشبُّث الناس بأرضهم في الشريط المحتل إلى أن أنجز التحرير عام 2000.

اليوم تتقدّم القوات الإسرائيلية عبر القضم المُتدرِّج، رُغمَ أنَّ “حزب الله” يقاتل في القرى، لكنه ينسحب أيضًا وفق ما يقول أنه لا يتشبّث بالجغرافيا بل يتّخذ مسار المواجهة عبر الكمائن والعمليات، فيُبرّر خسارته بأنه يخوض معركة استنزاف للجيش الإسرائيلي وإنزال الخسائر بصفوفه. فإذا كانت الجغرافيا غير مُهمّة، كيف يسوّغ معركة استباقية جرّ بها لبنان إلى كرة النار الإقليمية، لينزح أكثر من مليون جنوبي، وكأنه في إسناده لإيران حقق نصرًا مبينًا، يُذكّر بالهزيمة التي تلقّاها الحزب ولبنان في حرب الـ66 يومًا عام 2024.

قرر الحزب إسناد إيران، ضاربًا بعرض الحائط المصلحة الوطنية اللبنانية، فيما يتلقى خسارة تلوَ أخرى. وأمام تقدُّم الاحتلال المُعلَن الذي تريد إسرائيل من خلاله السيطرة على منطقة خالية من الناس بمزاعم أمنية منها منع “حزب الله” من إطلاق صواريخه وتدمير بنيته، والذي يبرر خسارته بتكتيك عدم “التشبث بالجغرافيا”، ها نحن نعود بالذاكرة إلى الاحتلال الذي استمر 22 عامًا، فإذا بالحزب يُفرّط بإنجاز التحرير عام 2000 بفعل رهاناته الخارجية، وها هو اليوم ينزع الجغرافيا عن معركته، من دون أن يعني ذلك أنه قادرٌ على تكرار نموذج العمليات التي كان يُنفّذها ضد الاحتلال قبل العام 2000.

ترسم إسرائيل صورةً للجنوب مدمَّرًا، منزوح الحياة بلا سكان، وترسّخ سيطرة أمنية باحتلالها منطقة واسعة، وتعلن أنها لن تنسحب، بما يعني أنها تسعى إلى فرض ترتيبات دائمة على الأرض قد تبقي الجنوب تحت احتلال لا يمكن لـ”حزب الله” بشعاراته وممارساته أن يقرّرَ في شأن تحريره أو في أن يستمر بالهيمنة على قرار الحرب والسلم، فهو اليوم، وإن كان يواجه تقدم القوات الإسرائيلية، إلّا أنه يترك الأرض، بعدما جرّ لبنان لإسناد إيران، ولم يترك للبنانيين وللدولة المجال لابتكار الأساليب التي تُخرج الاحتلال وتُعيد الأهالي إلى قراهم، وتُثبت استقلالهم.

الأولوية اليوم لمنع احتراق لبنان هي لوقف الحرب، وإطلاق مبادرة إنقاذ لتخفيف الخسائر ومنع الاحتلال من إقامة المنطقة العازلة، والتحرّك لعدم تكبيد لبنان خسائر إضافية تُفاقِمُ الخطر على بنيته وتركيبته الاجتماعية، حيث يتحمل “حزب الله” المسؤولية في توريط لبنان، واستدراج الحرب.

عودة الأهالي وصمودهم في القرى وحماية البلد من الاستهدافات الإسرائيلية أهم من الأوهام ومن أيِّ إسنادٍ لإيران.

Exit mobile version