نورة الكعبي*
قبل شهر واحد فقط، جرى تجاوز أحد أخطر الخطوط الحمراء في المنطقة، في تطوُّرٍ يُنذر بمرحلةٍ جديدة من التصعيد غير المسبوق.
فمنذ 28 شباط (فبراير)، تعرضت الإمارات العربية المتحدة لسلسلة متواصلة من الهجمات، نُفِّذت باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية وكروز، واستهدفت بشكل مباشر البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشآت سكنية ومطارات ومرافق حيوية. وقد أسفرت هذه الهجمات عن سقوط 11 قتيلًا وإصابة 178 آخرين، في مؤشر واضح إلى طبيعة التصعيد وخطورته.
تُمثّل هذه التطوّرات لحظة فارقة في تاريخ المنطقة وتاريخ أمتنا، ليس فقط من حيث حجم الهجمات، بل من حيث دلالاتها الاستراتيجية. ويتجلّى ذلك بشكل خاص في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة يوميًا. ولا تقتصر أهميته على النفط، بل تشمل أيضًا تدفقات حيوية من الأسمدة والبتروكيماويات والمعادن الصناعية والسلع العابرة للقارات، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي العالمي.
في هذا السياق، لم يعد التهديد محصورًا في استهداف دولة بعينها، بل بات يمسُّ بنية النظام الاقتصادي الدولي ككل. فمحاولة تحويل مضيق هرمز إلى أداة ضغط أو ساحة صراع تُمثّل سابقة خطيرة، إذ لا يمكن السماح لأيِّ طرفٍ باحتجاز هذا الممر الحيوي رهينة لحساباته السياسية أو العسكرية.
ولعلَّ التطوّرَ الأكثر دلالة يتمثّل في سقوط مقولة أنَّ برنامج إيران الصاروخي شأنٌ داخلي بحت. فقد كشفت أحداث الشهر الماضي، بوضوح غير قابل للالتباس، أنَّ هذه القدرات لم تعد محصورة ضمن حدود الدولة، بل باتت تُستَخدَم في سياق إقليمي يتسم بالتصعيد والانفلات. وفي ظلِّ هذا الواقع، يصبح من الصعب تصوُّر إمكانية التعايش مع هذه الترسانة من دون تداعيات، خصوصًا عندما تُوظَّف بشكل عشوائي، وبما يتعارض مع قواعد القانون الدولي وأسس الاستقرار الإقليمي.
ترفض دولة الإمارات العربية المتحدة رفضًا قاطعًا أيَّ محاولاتٍ تسعى إلى تبرير هذا العدوان، وتعتبره دليلًا إضافيًا على نهجٍ قصير النظر في السياسات الإيرانية، لا يراعي تداعياته على أمن المنطقة واستقرارها. ورُغمَ أنَّ الإمارات كانت من أكثر الدول تعرُّضًا لهذه الهجمات خلال التصعيد الأخير، فقد جاء ردّها مُتَّزنًا ومسؤولًا، واضعًا في صلب أولوياته حماية المواطنين والمقيمين، والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تؤكد الدولة أنها ما زالت آمنة ومستقرة، وقادرة على تحصين نفسها في مواجهة التهديدات.
وقد أظهرت منظومات الدفاع الجوي المتكاملة كفاءة عالية في التصدي لهذه الهجمات، إذ تمكنت من اعتراض أكثر من 95% من المقذوفات الواردة، في دليل على الجاهزية والاستثمار طويل الأمد في البنية الأمنية.
وعلى الرُغم من حجم التهديد، استمرّت الحياة في مختلف أنحاء الدولة بوتيرةٍ طبيعية لافتة. فقد واصلت الشركات أعمالها بكامل طاقتها، وبقيت المجتمعات متماسكة، فيما عملت المؤسسات من دون انقطاع. ولم يتأثر النسيج الاجتماعي المتنوِّع، الذي يضمُّ أكثر من 200 جنسية، بل أظهر تماسُكًا يعكس عمق الاستقرار الداخلي. فالصمود، في التجربة الإماراتية، ليس استجابة ظرفية للأزمات، بل هو نتيجة بناء طويل الأمد سبق لحظة التحدّي.
وتجلّى هذا المعنى بوضوح في مساء السابع من آذار (مارس)، حينما كانت صفارات الإنذار لا تزال تُسمع في سماء دبي، بينما شهد برج خليفة تنظيم حفل خيري جمع أكثر من 300 مليون دولار لمكافحة سوء تغذية الأطفال حول العالم. كنتُ هناك. لقد كان ذلك مشهدًا يعكس جوهر المجتمع الإماراتي: القدرة على تحويل لحظات التهديد إلى فعلٍ تضامني عابر للحدود. إنَّ مجتمعًا يستجيب للاستهداف بمبادرات إنسانية لا يُظهر مرونة فحسب، بل يُجسّدها عمليًا، في صورة يصعب تقويضها أو تدميرها بالقصف.
ومع ذلك، فإن المرونة بحدِّ ذاتها ليست سياسة خارجية. فوقف إطلاق النار، بمعزل عن معالجة جذور التصعيد، لا يشكل حلًا مستدامًا. كما إنَّ الإشارات الديبلوماسية التي تصدر في ظل استمرار إطلاق الصواريخ لا يمكن اعتبارها خطوات نحو التهدئة وخفض التصعيد، بل هي عدوان.
وقد عكس الموقف الدولي حجم القلق من هذا التصعيد، إذ أدان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 —الذي شاركت في رعايته 136 دولة— هذه الهجمات بأشد العبارات، مطالبًا إيران بالوقف الفوري وغير المشروط لجميع الأعمال الاستفزازية، ولا سيما تلك التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للطاقة وتهدد الاستقرار الإقليمي.
وجاء هذا التوجه مدعومًا بقرار صادر عن مجلس المنظمة البحرية الدولية، حظي بتأييد أكثر من 115 دولة عضوًا، وهو أعلى مستوى من الدعم في تاريخ المجلس، حيث أدان التهديدات التي تطال حركة الملاحة، بما في ذلك ما يتصل بإغلاق مضيق هرمز، باعتبارها خطرًا مباشرًا على الأرواح وتهديدًا بالغًا للبيئة البحرية.
كما عزز مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الإجماع، من خلال قرار أيدته أكثر من 100 دولة، دعا فيه إيران إلى تقديم تعويضات كاملة وفعالة وفورية للضحايا، بما يشمل المتضررين من الهجمات التي طالت أنظمة الطاقة والخدمات الأساسية.
وفي موازاة هذه القرارات، برز دعم ديبلوماسي واسع من مختلف أنحاء العالم، حيث تواصل قادة الدول بشكل مستمر مع دولة الإمارات، فيما أدانت 179 دولة هذه الهجمات وأعربت عن تضامنها، في موقف يعكس إجماعًا دوليًا نادرًا.
وتحمل هذه المواقف رسالة واضحة ومباشرة: لن يقبل المجتمع الدولي بانتهاك السيادة أو باستهداف المدنيين والبنى التحتية الحيوية تحت أي ذريعة.
وفي هذا الإطار، نريد جارًا طبيعيًا يحترم قواعد الاستقرار، لا مصدرًا دائمًا للتهديد. لم يعد النظام الإيراني الذي يطلق صواريخ باليستية على المنازل، ويُسخّر التجارة العالمية كسلاح، ويدعم الوكلاء، مقبولًا في المشهد الإقليمي.
وهنا يفرض الواقع سؤالًا يتجاوز حدود اللحظة الراهنة: ليس فقط ما جرى خلال الشهر الماضي، بل أي مسار يُراد للمنطقة في السنوات المقبلة، وأي نموذج من العلاقات يمكن أن يحكم الجيل المقبل.
هل نريد أن نورث لأبنائنا منطقةً تستمر فيها هذه الدوامة؟ منطقةٌ يجلب فيها كل عقدٍ تصعيدًا جديدًا، وجنازاتٍ جديدة، وقرارًا جديدًا يُعلَن ثم يُنسى؟ نريد ضمانةً بأن هذا لن يتكرر أبدًا. يجب أن تأتي هذه الضمانة من ترتيبات أمنية دائمة: نزع سلاح القدرات الموجهة ضد المدنيين؛ والحفاظ الدائم على حرية الملاحة؛ وإطار عمل يُفعّل المساءلة بدلًا من مجرد تسجيل الإدانات.
وكما قال الرئيس الشيخ محمد بن زايد: “سنخرج أقوى من ذي قبل، بلا شك”.
لحظات الضغط تكشف معدن الأمم. وقد قدم الشهر الماضي إجابةً واضحةً بشأن دولة الإمارات العربية المتحدة. يجب أن تُقدِّم الأشهر المقبلة إجابةً واضحةً مماثلةً من المجتمع الدولي، لا مجرد بيانٍ آخر، بل هيكلًا يضمن أنَّ هذا التحذير كان الأخير.
وبفضل مؤسساتها القوية، وقيادتها الحازمة، وشعبها الشجاع، سننجو، بل سننمو ونزدهر.
- نورة الكعبي هي وزيرة دولة في وزارة الخارجية الإماراتية.
