آسيا على حافة العطش الطاقوي: كيف تَدفَعُ حربُ إيران القارة لإعادةِ اختراعِ أمنها الاستراتيجي؟

في ظلِّ تصاعُد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تجد آسيا نفسها في قلبِ أزمة طاقة غير مسبوقة تكشف هشاشة اعتمادها على واردات الشرق الأوسط. هذه الصدمة لا تُهدّد الاقتصادات الآسيوية فحسب، بل تدفعها إلى إعادة رسم استراتيجياتها الطاقوية على نحوٍ جذري وغير مسبوق.

غرف القرار في آسيا تتحول إلى جبهات خفية، حيث تُرسم خرائط الطاقة تحت ضغط الأزمات، ويُعاد تعريف الأمن الاستراتيجي في زمن الاضطراب.

عبد السلام فريد*

لم تعد الطاقة مجرّد ملف اقتصادي أو تقني، بل تحوّلت إلى أحد أهم مُحدّدات الأمن القومي والتحالفات الدولية. ومع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت آسيا مرحلة جديدة من إعادة التفكير الاستراتيجي في كيفية تأمين احتياجاتها من الطاقة. فالصدمة النفطية والغازية الناتجة عن هذا الصراع لا تُمثّلُ أزمةً عابرة، بل تكشف هشاشةً عميقة في بنية الاعتماد الآسيوي على واردات الشرق الأوسط، وتدفع الحكومات إلى إعادة رسم سياساتها على نحوٍ جذري.

تُعَدُّ آسيا اليوم مركز الطلب العالمي على الطاقة، حيث تضمُّ اقتصادات صاعدة كالصين والهند، إضافةً إلى قوى صناعية متقدّمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. غير أنَّ هذه القوة الاقتصادية تقابلها نقطة ضعف بنيوية: اعتمادٌ شبه كامل على واردات النفط والغاز الطبيعي المسال. ومع تعطُّل الإمدادات أو ارتفاع أسعارها بسبب التوتّرات في الخليج العربي، تجد هذه الدول نفسها أمام مخاطر اقتصادية وسياسية متزايدة.

صدمة الإمدادات تكشف هشاشة الاعتماد الآسيوي

تشير تقديرات صادرة عن “معهد البحوث الاقتصادية لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وشرق آسيا” (Economic Research Institute for ASEAN and East Asia) إلى أنَّ العديد من دول جنوب شرق آسيا لا تمتلك احتياطيات من النفط والغاز تكفي إلّا لفترة تتراوح بين 20 و50 يومًا فقط. هذا الرقم الصادم يعكس حجم القلق المتصاعد في العواصم الآسيوية، خصوصًا في ظلِّ توقعات بارتفاع الطلب على الطاقة خلال العقد المقبل نتيجة النمو السكاني، وتسارع التصنيع، والطفرة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

في هذا السياق، بدأت الدول الآسيوية تتجه نحو خياراتٍ كانت في السابق محل جدل أو تردُّد. وفي مقدمة هذه الخيارات، عودة قوية إلى الطاقة النووية. فاليابان، التي عانت من كارثة فوكوشيما عام 2011، تُعيدُ اليوم تقييم موقفها. ورُغمَ استمرار الشكوك الشعبية، تدفع الحكومة نحو إعادة تشغيل المفاعلات المتوقفة وتطوير قدرات جديدة، في إطار رؤية طموحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من الطاقة. هذه الرؤية تعكس تحوُّلًا استراتيجيًا عميقًا، إذ لم تَعُد المخاطر النووية وحدها في الميزان، بل باتت تُقارَن بمخاطر الاعتماد على الخارج في بيئة جيوسياسية غير مستقرّة.

الصين، من جانبها، لم تكن بحاجة إلى أزمة جديدة لتسريع برنامجها النووي، لكنها وجدت في الحرب الحالية مُبرِّرًا إضافيًا للمضي قدمًا بوتيرة أسرع. فبكين كانت تخطط بالفعل لبناء 23 مفاعلًا نوويًا خلال العقد المقبل، إلّا أنَّ الظروف الراهنة دفعتها إلى تسريع هذه الخطط. ويعكس هذا التوجه رغبةً واضحة في تقليل التعرُّض للصدمات الخارجية، وتعزيز أمن الطاقة كجُزءٍ من مشروعها الأوسع لتحقيق الاكتفاء الاستراتيجي.

أما في دول جنوب شرق آسيا، مثل فيتنام والفلبين، فإنَّ التحوُّل نحو الطاقة النووية يُمثّلُ نقلةً نوعية. هذه الدول، التي كانت تعتمد تاريخيًا على الفحم والغاز، بدأت تُدرِكُ أنَّ استمرار هذا النموذج لم يعد مُستدامًا، سواء من حيث الأمن أو البيئة. ومع ذلك، فإنَّ دخولها المجال النووي يطرح تحديات كبيرة، تتعلق بالبنية التحتية، والتمويل، والمعايير التنظيمية، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بالسلامة.

في كوريا الجنوبية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فقد عقد الرئيس لي جاي ميونغ اجتماعًا استثنائيًا للحكومة لبحث تداعيات الحرب، في ظل اعتماد البلاد الكبير على واردات الطاقة. وعلى الرُغم من امتلاك سيول لبرنامج نووي مُتقدّم، فإنها تفتقر إلى القدرة على تخصيب اليورانيوم محليًا، بسبب القيود المفروضة بموجب اتفاق نووي مدني مع الولايات المتحدة منذ العام 2015. إلّا أنَّ الضغوط الحالية قد تدفع الحكومة إلى إعادة النظر في هذا الالتزام، وهو ما قد يفتح الباب أمام توترات مع واشنطن، وكذلك مع كوريا الشمالية، التي تُراقب عن كثب أيَّ تطوُّرٍ في القدرات النووية لجارتها الجنوبية.

آسيا بين العودة إلى التقليدي وتسريع التحول نحو البدائل

ولا يقتصر التحوُّل الآسيوي على الطاقة النووية وحدها. فبعض الدول تُعيدُ أيضًا النظر في دور الفحم، رُغم ما يحمله من آثار سلبية على البيئة والصحة. هذا التوجُّه يعكس واقعًا عمليًا: في ظلِّ غياب بدائل سريعة وموثوقة، قد تضطر الحكومات إلى الاعتماد على مصادر تقليدية لتجنُّب أزمات فورية في الإمدادات. غير أنَّ هذا الخيار يضعها في مواجهة التزاماتها المناخية، ويزيد من الضغوط الدولية عليها.

في المقابل، تُدرك الدول الآسيوية أنَّ الحلَّ طويل الأمد يكمن في تنويع مصادر الطاقة، خصوصًا عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة. ولهذا، كثفت العديد من الحكومات اتصالاتها مع الدول الأوروبية، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري، خصوصًا بعد الأزمة الأوكرانية. تسعى آسيا إلى الاستفادة من التجربة الأوروبية في مجالات مثل كفاءة الطاقة، وتطوير الشبكات الذكية، وتخزين الطاقة.

غير أنَّ الفوارق بين السياقين الأوروبي والآسيوي تظل كبيرة. فبينما تمكنت أوروبا من تنويع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال بسرعة، وفرض إجراءات صارمة لتقليل الطلب، وبناء قدرات تخزين ضخمة، فإنَّ العديد من الدول الآسيوية تفتقر إلى هذه الإمكانيات. كما إنَّ التفاوت الكبير في مستويات التنمية داخل آسيا يجعل من الصعب تطبيق سياسات موحّدة أو سريعة.

إضافةً إلى ذلك، تواجه آسيا تحدّيًا ديموغرافيًا واقتصاديًا مزدوجًا. فالنمو السكاني في العديد من الدول، إلى جانب التوسُّع الصناعي، يعني أنَّ الطلب على الطاقة سيستمر في الارتفاع بشكلٍ حاد. ومع دخول تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، التي تتطلّب استهلاكًا هائلًا للطاقة، تصبح الحاجة إلى مصادر موثوقة ومستقرة أكثر إلحاحًا.

في هذا الإطار، يُمكن القول إنَّ الحرب مع إيران لم تخلق الأزمة، لكنها كشفتها وعمّقتها. فقد أظهرت بوضوح أنَّ نموذج الاعتماد على واردات الطاقة من منطقة واحدة لم يعد قابلًا للاستمرار. كما دفعت الدول إلى اتخاذ قرارات كانت مؤجلة، أو حتى غير مرغوب فيها سابقًا.

ومع ذلك، فإنَّ الطريق نحو تحقيق أمن الطاقة في آسيا لن يكون سهلًا أو سريعًا. فكل خيار يحمل معه تحدياته الخاصة، سواء كانت تقنية، أو مالية، أو سياسية. كما إنَّ التحوُّلات الجارية قد تعيد تشكيل العلاقات الإقليمية والدولية، خصوصًا إذا ما قرّرت بعض الدول تجاوز القيود المفروضة عليها، كما في حالة كوريا الجنوبية.

في النهاية، يبدو أنَّ آسيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة طاقة أكثر تنوُّعًا واستدامة، أو أن تجد نفسها في مواجهة أزمات متكررة في المستقبل. وفي كلتا الحالتين، فإنَّ ما يحدث اليوم لن يحدد فقط سياسات الطاقة، بل سيعيد رسم ملامح النظام الإقليمي بأكمله.

لقد أصبحت الطاقة، أكثر من أيِّ وقت مضى، مرآة للتوازنات الجيوسياسية. وما تشهده آسيا اليوم هو بداية مرحلة جديدة، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والاقتصاد والبيئة بشكل غير مسبوق، في عالمٍ لم يعد يسمح بالاعتماد الأحادي أو القرارات المؤجّلة.

Exit mobile version