تُعيد الولايات المتحدة اليوم إنتاجَ رهانٍ قديم في الشرق الأوسط: دعم الأنظمة الاستبدادية بوصفها ضمانة للاستقرار. غير أنَّ تجارب العقد الماضي تُظهر أن هذا “الاستقرار” ليس سوى وَهمٍ مؤقت، يخفي وراءه أزمات بنيوية تتفاقم بصمت، قبل أن تنفجرَ على نحوٍ أكثر عنفًا وتعقيدًا.
فوّاز جرجس*
خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه إزاء الحرب التي يخوضونها، بالتنسيق مع إسرائيل، ضد إيران، متناقضة في أهدافها المعلنة. غير أنَّ ما تسرَّبَ من مواقفه يشير إلى رهان واضح: التعامل، بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، مع شخصيةٍ سلطوية يمكن التفاهم معها. وقد عبّر ترامب عن ذلك صراحة حين استعاد ما وصفه بـ”النموذج الفنزويلي”، في إشارة إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو واستبداله ببديل مقبول، معتبرًا أنَّ سيناريو مشابه قد يكون مناسبًا لإيران، بل ولوّح بإمكانية “المشاركة” في اختيار خليفة خامنئي. وفي موازاة ذلك، عاد قبل نحو أسبوع ونصف ليؤكد رغبته في التفاوض مع ما تبقّى من بنية النظام الإيراني، رُغمَ إقراره بأنَّ الشروط المطروحة “ليست جيدة بما فيه الكفاية”.
تعكس هذه المقاربة نزعةً أميركية راسخة في التعاطي مع الشرق الأوسط، تقوم على افتراض أنَّ الأنظمة الاستبدادية أكثر قدرة على ضبط الاستقرار. وقد تعزّز هذا التوجّه لدى الولايات المتحدة، وبدرجة أقل لدى أوروبا، بعد الفوضى التي أعقبت انتفاضات “الربيع العربي” في العامين 2010 و2011، حين فضّلت العواصم الغربية التعاون مع أنظمةٍ قائمة قادرة—ولو بالقوة—على حفظ التوازنات، سواء في ممالك الخليج الغنية أو في دول محورية مثل مصر. وانسحب هذا المنطق أيضًا على التعامل مع إيران خلال احتجاجات 2022 و2023، حيث اكتفت واشنطن بالدعم الخطابي، وفرض عقوبات محدودة، مع الحرص على إبقاء قنوات التواصل الديبلوماسي مفتوحة. وفي المحصّلة، طغت اعتبارات الأمن والطاقة والمصالح الجيوسياسية على أيِّ التزام فعلي بدعم حقوق الإنسان أو التحوّلات الديموقراطية.
غير أنّ الرهان على الاستبداد بوصفه ضمانة للاستقرار يظلّ إشكاليًا إلى حدّ كبير. فالمؤشرات المتاحة منذ انتفاضات “الربيع العربي” تُظهر بوضوح أنَّ المنطقة تتجه نحو مزيدٍ من ترسيخ الحكم السلطوي، من دون أن يقابله استقرار فعلي. بل إنَّ العوامل البنيوية التي فجّرت موجات الاحتجاج، بما فيها تلك التي شهدتها إيران في العامين 2022 و2023، لا تزال قائمة: بطالة مرتفعة، فقر متزايد، اتساع فجوة اللامساواة، فساد مستشرٍ، أزمات مائية، ديون متراكمة، وضغوط بيئية متصاعدة، إضافة إلى شعورٍ عام بانسداد الأفق.
ورُغم أنَّ دول الخليج الغنية شكّلَت استثناءً نسبيًا بفضل إمكاناتها المالية وقدرتها على امتصاص الضغوط الاجتماعية، فإنَّ هذا النموذج بقي محدودًا ديموغرافيًا واجتماعيًا، ولم يعكس واقع المنطقة ككل. بل إنَّ نجاحه النسبي أسهم، إلى حدّ ما، في حجب هشاشةٍ أوسع تطبع معظم بلدان الشرق الأوسط، حيث يستمر الاستقرار في الارتكاز إلى معادلات قابلة للاهتزاز عند أول اختبار جدّي.
تنطوي المقاربة الأميركية القائمة على الرهان على الأنظمة الاستبدادية على مخاطر متزايدة، إذ تُعرّض واشنطن للارتباط بأنظمة هشّة يستند بقاؤها إلى أدوات القسر والقمع أكثر مما يستند إلى شرعيةٍ داخلية. وفي مثل هذا السياق، يصبح احتمال الانفجار المفاجئ أكثر ترجيحًا، كما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارات صعبة عند اندلاع أزمات داخلية: إما مضاعفة الدعم لشركاء يفتقرون إلى التأييد الشعبي، أو مواجهة تداعيات انهيارهم وما يستتبعه من فراغ وعدم استقرار.
فرصة مُغلقة
ساهم الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وما تلاه من احتلال، بما خلّفه من انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد العنف الأهلي وتنامي التطرف، في ترسيخ قناعة خاطئة داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا مفادها أنّ الشرق الأوسط غير مهيأ للتحوُّل الديموقراطي، وأنَّ الأولوية يجب أن تُمنح للاستقرار والنظام. وبحلول نهاية العقد الأول من الألفية، تراجعت حتى الأصوات الأميركية التي كانت تدعو علناً إلى نشر الديموقراطية. ففي حين شددت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، في بداية ولايتها (2005-2009)، على أنَّ الأنظمة السلطوية لا تقدّم سوى “استقرار زائف”، عادت في نهايتها لتؤكد على أهمية “الحكم الرشيد” بوصفه هدفًا أكثر واقعية.
في الوقت نفسه، ساهمت حرب العراق في تشويه صورة الديموقراطية الليبرالية لدى الرأي العام في الشرق الأوسط. فقد وجد الإصلاحيون أنفسهم في موقعٍ معقّد، حيث كان يُفترض بهم دعم حربٍ قادَتها الولايات المتحدة، قبل أن يُترَكوا لاحقًا في مواجهة صعود التطرُّف وتراجع الالتزام الأميركي بالإصلاح. ومع مرور الوقت، لم تَعُد الديموقراطية تُنظَر إليها كوسيلة لتحقيق تقرير المصير، بل كخطاب يُستخدم لتغطية أهداف استراتيجية، في مقدّمها السيطرة على موارد الطاقة في المنطقة.
أعادت انتفاضات “الربيع العربي”، التي انطلقت من تونس ومصر، إحياء فكرة قوة الشارع ولو مؤقتًا، بعدما كسرت حاجز الخوف الذي استندت إليه الأنظمة السلطوية. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى أنحاء مختلفة من المنطقة، بما في ذلك البيئات السنّية المهمشة في العراق. غير أنّ هذه الموجة وُوجهت بثورة مضادة منسّقة قادتها قوى إقليمية بدعم خارجي، ما أدى إلى احتوائها وإجهاضها في مراحل مبكرة.
ومع تصاعد العنف في ليبيا وسوريا واليمن، بدأ الخطاب الغربي يربط بين الديموقراطية وعدم الاستقرار، بدل اعتبارها مدخلًا للتجديد السياسي. ففي آذار (مارس) 2011، عندما تدخلت السعودية والإمارات لقمع الاحتجاجات في البحرين، التزمت الولايات المتحدة وحكومات أوروبية الصمت. كما دعمت، بشكل ضمني، عودة الحكم العسكري في مصر، فيما أسهم التدخل الروسي في سوريا، بالتنسيق الوثيق مع إيران، في تثبيت نظام بشار الأسد. وفي المحصّلة، سادت في واشنطن سياسة تقوم على أولوية الاستقرار، ومجاراة الحلفاء الإقليميين، وتجنّب أي دعم فعلي لمساراتٍ ديموقراطية قد تُخلّ بالتوازن القائم.
في المقابل، عملت أنظمة استبدادية في المنطقة على تعزيز هذا التصوُّر، محذّرةً من أنَّ أيَّ انفتاح سياسي سيقود حتمًا إلى صعود الحركات الإسلامية. وبذلك، أُعيد تقديم المشاركة الديموقراطية لا كمسارٍ نحو الحكم الرشيد، بل كبوابة للفوضى. صحيح أنّ الانتقال من أنظمة سلطوية راسخة إلى ديموقراطيات مستقرة ليس مسارًا سريعًا، غير أنّ السردية الجديدة ذهبت أبعد من ذلك، فاستبعدت فكرة التحوُّل الديموقراطي برمّتها، وقدّمت العودة إلى الاستبداد باعتبارها الخيار الأكثر أمانًا.
موجة استبدادية
أدّت التداعيات العنيفة لانتفاضات “الربيع العربي” إلى إعادة ترتيب النظرة الإقليمية والدولية، حيث بدت دول الخليج—الكويت وقطر والسعودية والإمارات—بمظهر أكثر استقرارًا مقارنة بمحيطها المضطرب. وعلى الرغم من أنَّ دراسات عديدة كانت تقلّل من متانة هذه الملكيات، فإن أنظمتها الوراثية حافظت على قدرٍ من الشرعية التقليدية، مُستندةً إلى استمرارية السلالات الحاكمة، وإلى فوائض مالية ضخمة وفّرتها الثروة النفطية، ما ساهم في امتصاص الاحتقان الاجتماعي. ومع مرور الوقت، بدأت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تنظر إلى هذه الدول كمرتكزات للاستقرار، بل كمراكز ثقل اقتصادي وجيوسياسي في المنطقة. وقد تعزز هذا التحوُّل مع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين سارعت أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، مُعيدةً توجيه اهتمامها نحو دول الخليج الغنية بالنفط والغاز. وتزامن ذلك مع صعود قيادات شابة أكثر اندفاعًا وحسمًا، مثل الأمير محمد بن سلمان في السعودية، والشيخ محمد بن زايد في الإمارات، والشيخ تميم بن حمد آل ثاني في قطر، الذين أداروا نفوذهم الإقليمي بأساليب أكثر وضوحًا مقارنة بأسلافهم.
وفي هذا السياق، لم يكن تقارب واشنطن والعواصم الأوروبية مع هذه الدول وليد اللحظة. فقبل إشادة دونالد ترامب بولي العهد السعودي، كانت شراكات أمنية متينة قد ترسّخت بالفعل، مدعومةً بصفقات تسليح ضخمة وشبكة واسعة من القواعد العسكرية. بين العامين 2011 و2020، استحوذ الشرق الأوسط على نحو نصف صادرات الأسلحة الأميركية، وكانت السعودية وحدها وجهة لما يقارب ربع هذه الصادرات. وقد عززت إدارتا باراك أوباما وترامب هذا المسار عبر صفقات تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار في الحالة الأولى و110 مليارات دولار في الثانية. كما ساهمت مبادرات مثل “اتفاقيات أبراهام” في ترسيخ موقع دول الخليج كركائز أساسية في النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث أُعطيت الأولوية لاستقرار الأنظمة على حساب أيِّ مسارٍ إصلاحي داخلي.
في المقابل، شهدت دول أخرى في المنطقة تعميقًا لنهج الحكم السلطوي. ففي مصر، تشير تقديرات منظمات حقوق الإنسان إلى وجود أكثر من 60 ألف سجين سياسي، كثيرون منهم مُحتَجَزون من دون محاكمات، في ظل قوانين مكافحة الإرهاب الواسعة، فيما خضعت وسائل الإعلام المستقلة للتقييد أو السيطرة. وفي السودان، أطاح انقلاب عسكري في تشرين الأول (أكتوبر) 2021 مرحلةً انتقالية هشّة أعقبت إسقاط نظام عمر البشير عام 2019، وسط إدانة غربية لم تُترجَم إلى ضغطٍ فعلي لدعم المسار الديموقراطي. وفي الجزائر، شهدت أواخر العقد الأول من الألفية الثانية وبدايات العقد التالي حملات قمع استهدفت الصحافيين والناشطين والمعارضين، تحت عناوين فضفاضة مثل “تقويض الوحدة الوطنية”.
أما تونس، التي عُدّت النموذج الأكثر وعدًا بعد “الربيع العربي”، فقد عادت تدريجًا إلى مسارٍ سلطوي بحلول العام 2021، مع ملاحقة ناشطين وبرلمانيين سابقين بتُهَمٍ ذات طابع سياسي. وفي تركيا، تسارع التراجع الديموقراطي خلال العقد الأخير في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث تعكس اعتقالات شخصيات سياسية بارزة، من بينها رئيس بلدية إسطنبول في آذار (مارس) 2025، إضافة إلى التضييق على الإعلام واستقلال القضاء وتجريم المعارضة، نمطًا متصاعدًا من القمع. كذلك شددت المغرب القيود على المعارضة، وتعاملت مع الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بالفساد والأوضاع الاقتصادية عبر الاعتقالات والمحاكمات واستخدام القوة. أما في العراق، فرغم غياب عودة صريحة إلى حكم مركزي استبدادي، فإنَّ سلطة الدولة تآكلت تدريجًا تحت وطأة نفوذ الفصائل المسلحة والانقسامات الطائفية، ما أضعف مؤسسات المساءلة وطمس الحدود بين الدولة والفاعلين غير الرسميين.
حتى إسرائيل، التي طالما وُصفت بأنها إحدى أكثر الديموقراطيات رسوخًا في الشرق الأوسط، شهدت خلال السنوات الأخيرة تحوُّلات مُقلقة باتجاه تركيز السلطة. فقد سعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إعادة تشكيل النظام القضائي بما يحدّ من فعالية الضوابط والتوازنات، قبل أن تتسارع هذه النزعة بعد هجوم “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، عبر توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية تحت مظلة الطوارئ، وتضييق هامش المعارضة، وتأجيل مسار محاسبته في قضايا الفساد.
وقد غذّى هذا المسار تصاعد مخاوف النخب الحاكمة من تكرار سيناريوهات “الربيع العربي”، لكنه استند أيضًا إلى بيئة دولية متسامحة. فمع تركيز الولايات المتحدة وأوروبا على أولويات مثل مكافحة الإرهاب، وضبط الهجرة، وتأمين الطاقة، تراجع الاهتمام بدعم الحركات الديموقراطية، لا سيما عند بروز مؤشرات عدم الاستقرار. وبذلك، خلصت حكومات المنطقة إلى أنَّ كلفة قمع المعارضة تبقى محدودة على الصعيد الخارجي.
مع ذلك، لم ينجح هذا التوجُّه السلطوي في تحقيق الاستقرار المنشود. بل على العكس، ترافقت سياسات القمع مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وتُعد إيران المثال الأوضح: فقبيل الهجوم الأميركي–الإسرائيلي في شباط (فبراير)، كان التضخّم يتجاوز 40% بشكل متكرر، فيما فقد الريال الإيراني معظم قيمته. صحيح أنّ العقوبات الأميركية لعبت دورًا حاسمًا في تدهور الاقتصاد، إلّا أنَّ سوء الإدارة وهيمنة شبكات اقتصادية مرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي أسهما في تعميق الأزمة.
كما أظهر رد طهران على الضربات الأخيرة نمطًا متكرّرًا في سلوك الأنظمة الاستبدادية تحت الضغط: تصعيد الصراع بدل احتوائه. فقد اختارت إيران توسيع نطاق المواجهة إقليميًا، واضعة بقاء النظام في صدارة الأولويات، حتى ولو انعكس ذلك اضطرابات اقتصادية أوسع.
ولا يقتصر هذا المشهد على إيران. ففي السودان، أدى الانهيار الكامل للدولة إلى حرب أهلية مدمّرة خلّفت عشرات آلاف القتلى وأكثر من 12 مليون نازح. وفي مصر، ترافق تشديد القبضة الأمنية مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث شهدت البلاد منذ العام 2022 تراجعًا حادًا في قيمة العملة، إذ فقد الجنيه أكثر من نصف قيمته، فيما بلغ التضخم ذروته عام 2023 عند نحو 38% ولا يزال فوق 10%. كما تجاوز الدين الخارجي 160 مليار دولار، ورُغمَ تسجيل معدلات نمو تُراوح بين 4 و5%، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنّ نحو 33% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وفي ظل تضييق المجال السياسي، تراجعت القدرة على مناقشة الخيارات الاقتصادية، ما ساهم في تكريس حلقة مفرغة تتفاقم فيها الهشاشة المالية بفعل مركزية القرار وغياب المساءلة.
تتكرّرُ هذه الأنماط في أنحاءٍ مختلفة من المنطقة. ففي الجزائر، يُفاقم الضغط الاقتصادي وتراجع الإيرادات حالة الاحتقان، في ظلِّ تصاعد القمع السياسي. وفي تونس، تؤدي الأزمة المالية وارتفاع معدلات البطالة إلى تغذية اضطرابات اجتماعية متزايدة، تترافق مع ترسيخٍ تدريجي للحكم السلطوي. وحتى الأردن، الذي يُنظَرُ إليه تقليديًا بوصفه نموذجًا للاستقرار النسبي، يواجه تحديات مشابهة، إذ يقترب الدين العام من 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وتتجاوز بطالة الشباب 40%، فيما يبقى النمو الاقتصادي محدودًا.
وبذلك، يتّضح أنَّ الأنظمة الاستبدادية في معظم دول الشرق الأوسط عاجزة عن توفير الحد الأدنى من مقوّمات العيش الكريم. ويُقدّمُ المسار الإيراني مثالًا دالًا على هذه المعادلة: من موجات احتجاج داخلية متكررة إلى اندفاع نحو تصعيد صراع خارجي مدمّر. ففي حين قد ينجح القمع في احتواء المعارضة في المدى القصير، إلّا أنه يتحوّل في المدى الطويل إلى عامل إنتاج دائم لعدم الاستقرار، ويُضعف قدرة الأنظمة على الاستجابة الفعّالة للأزمات.
أمانٌ زائف
في العام 2024، أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن استثمارٍ بقيمة 35 مليار دولار في مشروع “رأس الحكمة” الساحلي في مصر، وُصف بأنه بمثابة شريان حياة للاقتصاد المصري. وفي موازاة ذلك، خصصت المملكة العربية السعودية عشرات المليارات لمشاريع تنموية إقليمية عبر صندوق الاستثمارات العامة، فيما ضخت دول الخليج على مدى العقدين الماضيين استثمارات كبيرة في دول مثل الأردن والعراق. غير أنّ هذه التدفقات المالية تتركز في قطاعات مثل العقارات أو المشاريع الكبرى التي تقودها الدولة، والتي لا تعالج جذور الأزمات البنيوية.
وبالتالي، فإنَّ ضخَّ استثماراتٍ خارجية، مهما بلغ حجمها، لن يكون كافيًا لتغيير النظرة السلبية السائدة في دولٍ مثل الجزائر ومصر والعراق والأردن وسوريا وتونس. ففي غياب إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، ستستمر المؤسسات في التآكل، وستتراجع جاذبية الاستثمار، فيما تتواصل هجرة الكفاءات. الخطر الأكبر هنا ليس الانهيار المفاجئ، بل التدهور التدريجي الذي يُبقي الأنظمة في ظاهرها مستقرة، إلى أن تكشف أزمة مالية أو اضطراب سياسي أو انتقال في السلطة عن هشاشتها الكامنة.
في هذا السياق، يضيف تقارب دونالد ترامب مع الأنظمة الاستبدادية عاملًا جديدًا من التعقيد. فعلى خلاف أسلافه الذين تجنّبوا الإشادة العلنية بالحكم السلطوي، كسر ترامب هذا التقليد بوضوح. إذ تدعو استراتيجيته للأمن القومي لعام 2025 إلى التخلي عن محاولات فرض نماذج الحكم الأميركية على دول المنطقة، معتبرة أنَّ من الأفضل “التعامل مع هذه الدول كما هي”. عمليًا، يُفهم هذا التوجه على أنه إقرارٌ بشرعية الأنظمة القائمة، وهو ما قد يُفسَّر من قبل حكام المنطقة كضوء أخضر لمواصلة سياسات القمع من دون خشية من تداعياتٍ دولية.
عكس خطاب دونالد ترامب ومواقفه العلنية انحيازًا واضحًا نحو الزعماء المستبدين، مترافقًا مع تجاهُلٍ شبه كامل للمعارضة الداخلية في بلدانهم. فقد امتدح هؤلاء القادة بوصفهم “أقوياء”، ووقف إلى جانبهم في مواجهة أزمات الشرعية التي تعصف بأنظمتهم. خلال لقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المكتب البيضاوي في أيلول (سبتمبر) الماضي، وصفه ترامب بـ”الرجل القوي”، بل مازحه بالإشارة إلى خبرته في “تزوير الانتخابات”. وفي تشرين الأول (أكتوبر)، أشاد بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً إياه “قويًا جدًا”، ومثنيًا على سياساته الأمنية، إلى حد مقارنته إيجابًا بالولايات المتحدة. كما مارس ضغوطًا متكررة على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لمنح بنيامين نتنياهو عفوًا في قضايا الفساد. الرسالة الضمنية في هذه المواقف بدت واضحة: الحزم القسري يُكافأ، بينما يُنظر إلى الالتزام بالإجراءات القانونية بوصفه ضعفًا.
في المقابل، راهن ترامب على إمكانية تكرار “النموذج الفنزويلي” في إيران، أي الدفع نحو تغيير في رأس السلطة يمكن التفاهم معه. غير أنَّ هذا الرهان يتجاهل الفوارق العميقة بين السياقين. فإيران ليست دولة تقوم فقط على نظام إيديولوجي، بل هي كيان تاريخي مركّب، يمتلك مؤسسات متعددة الجذور وسياقًا حضاريًا طويلًا. وقد أظهرت تجارب المنطقة مرارًا أنَّ الضغط الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى إخضاع الأنظمة الاستبدادية، بل غالبًا ما يدفعها إلى مزيدٍ من التصلُّب.
وحتى في حال نجحت واشنطن في التوصل إلى تفاهم مع أطراف داخل النظام الإيراني تُوصف بأنها “قابلة للتكيّف”، فإنَّ الرهان على استقرار هذا الترتيب يبقى محفوفًا بالمخاطر. فالتجارب تشير إلى أنَّ مثل هذه الشراكات قصيرة الأمد، ولا تضمن مصالح مستدامة. بل إنَّ الانخراط الأميركي الوثيق مع الأنظمة الاستبدادية يسهم في تعميق الاستياء الشعبي من الولايات المتحدة، ويزيد من ارتباط صورتها بانتهاكات تلك الأنظمة. ورُغمَ القيود المفروضة على حرية التعبير في المنطقة، فإنَّ الاحتقان الشعبي لم يختفِ، بل ظلَّ كامنًا تحت السطح. فالأنظمة السلطوية تعيش، بطبيعتها، في حالة توتر دائم مع مجتمعاتها، والشرق الأوسط ليس استثناءً من هذه القاعدة.
- فوّاز جرجس هو أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب (بالإنكليزية) “الخيانة العظمى: النضال من أجل الحرية والديموقراطية في الشرق الأوسط”.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.
