لبنان… الفخّ الذي يُنصَبُ لدمشق

محمّد قوّاص*

أوحت تقارير غربية بأنَّ ضغوطًا أميركية (وإسرائيلية من ورائها) تُمارَسُ على دمشق لحثّها على التدخُّل العسكري في لبنان. عزّزت أنباء الحشود العسكرية السورية على الحدود مع لبنان من صدقية تلك التقارير على الرُغم من أنَّ الرئيس السوري أحمد الشرع أعاد التذكير بشكلٍ مباشر مع مسؤولين لبنانيين، وبشكلٍ غير مباشر من خلال مواقف عامة قديمة وجديدة، بأنَّ سوريا لن تقترف خطيئة النظام القديم ولن تتدخّلَ في شؤون لبنان الداخلية وستحترم استقلاله وسيادته.

قد لا تكفي النوايا الحسنة والتصريحات الودودة في الجزم بما هو متحوّل في السياسة والعلاقات بين الدول. ولئن تُظهِرُ دمشق انضباطًا والتزامًا بما تُعلِن، على الرُغم مما تحدّث عنه الشرع عن ظُلمٍ مارسه “حزب الله” بحقِّ الشعب السوري يُفهَمُ منه بأنه جرحٌ ما زال مفتوحًا، فإنَّ سوريا الجديدة قد لا تملك الصمود أمام ضغوط دولية كبرى إذا ما ثقل وقعها.

بالمقابل فإنَّ “حزب الله” قد لا يضيره أن تصبح قوات دمشق جُزءًا من الصراع في لبنان بما يرفد الحزب بشرعية احتفاظه بالسلاح للدفاع عن “عدو” جديد ضد “كل لبنان”. كما لا يضيره ممارسة استفزازات حدودية تحرُض دمشق على إزالة التحفظات عن قرار التدخُّل في لبنان.

ليس الحزب وحده من يُمنّي النفس باستدراج “فتنة” تشدُّ عصبًا مذهبيًا يُعيدُ له وهج اللزومية والوجود والبقاء في لبنان. من داخل البيئة المناصرة للرئيس السوري في لبنان مَن يلوّح وحتى يهدد باستدعاء “التحوّلات” السورية لرفع “مظلومية السنّة”. تتخذ هذه الظواهر أشكالًا شعبية وأخرى شعبوية، ولا تقتصر على الشارع، بل تمتد إلى أصوات نخبوية ترى في ذلك محاولة لتصحيح خلل نتج عن “الشيعية السياسية” التي حكمت البلد لعقود.

وإذا كانت ضغوط الكبار في الخارج، وحجج “الجرح المفتوح” في سوريا، ونداءات “الأنصار” في لبنان تتقاطع لاستدراج نظام الشرع إلى تجاوز حدود سوريا غربًا، فإنَّ معطيات تقول إنَّ تركيا ودول عربية (معنية بشؤون سوريا ودعم التحوّل ما بعد الأسد) تحذّر الشرع وتنصحه بردِّ الضغوط وإهمالِ أيِّ خططٍ للاستجابة لها.

والأجدى، من بوابة الحرص على سوريا والحفاظ على إنجازها، أن ترفض دمشق لأسبابٍ سورية أيّ إغراءات يُرادُ لها إغراق التحوّل السوري في وحولٍ لبنانية معقّدة متعددة الأبعاد. ومن الأجدى ثانيًا أن لا يتسرّب من الموقف السوري الرافض لأيِّ تورُّطٍ في لبنان ما يُشتَمُّ منه منّةً أو خيارًا محتملًا قد يغيِّره مزاجٌ متحوّل.

ومن الأجدى ثالثًا أن تتمسك دمشق بعلاقاتٍ رسمية ندّية مع بيروت تحترم أصول العلاقات بين الدول، ما يؤسّس لثابتٍ تفرضه سوريا على نفسها وعلى المستدرجين لها إلى لبنان.

قد لا تغيب مخاوف بعض اللبنانيين من “فكرة” سوريا أيًّا كان نظامها. وقد يكون من خبث السياسة في لبنان أن يحتاج بعض ساسة البلد إلى ذلك الهاجس لتغذية مادة جذب واستقطاب داخلي.

ولا شك أنَّ الشرع مُدركٌ للأمر، واعٍ له، على النحو الذي جعله حذرًا في مقاربة “ملف” لبنان، لا تُغريه لائحة طالبي المواعيد الذين يتحرّون الاستقواء بدمشق ونفوذها.

وفيما ساهمت تقاليد “عنجر” و”البوريفاج” التي أرساها حكم الأسدَين في دمشق في حفر تقاليد “التقية” تحت خيمة “الوصاية” في لبنان، فإنه قد يكون على دمشق الجديدة أن تنهر أصحاب تلك التقاليد وتمنعها عن متطوعين لبنانيين جدد.

سيكون لبنان أكثر منعةً وأمانًا وتطوّرًا إذا ما تمكنت سوريا من استعادة عافيتها ورمّمت قواها في السياسة والاقتصاد، واسترجعت مكانتها الكبرى في تاريخ المنطقة وجغرافيتها.

ولئن تُدرِكُ سوريا من دون شك خبث الضغوط الكبرى التي لم تنهِ إسرائيل عن استهداف بنى تحتية عسكرية سورية جنوب البلد قبل أيام، فهي تدرك أيضًا أنَّ تحذيرات العواصم الحليفة تروم حماية سوريا ولبنان معًا من نذرٍ ملتبس يتقدّم ويُقلق المنطقة برمّتها.

Exit mobile version