بين نجاحٍٍ عسكري خاطف وعجزٍ سياسي خانق، تنزلق الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران نحو مسارٍ أكثر خطورة مما خُطِّط له. وفي قلب هذا الانزلاق، يطفو السؤال النووي كحقيقةٍ حاسمة قد تعيد رسم قواعد الصراع بالكامل.
ملاك جعفر عباس*
الثابت حتى الآن أنَّ القيادة الإيرانية الجديدة، والمُتغيِّرة باستمرار بفعل الاغتيالات، تزداد تطرُّفًا مع كلِّ وجهٍ جديد يحلُّ محل المُغتال، وتزداد بالتالي تحرُّرًا من فتوى المرشد الأعلى السابق علي خامنئي بتحريم السلاح النووي، وتزداد قناعةً بأنَّ هذا السلاح هو أداة الردع الوحيدة المتبقية القادرة على وقف الحرب ومنع تكرارها مستقبلًا.
للأسبوع الثالث على التوالي، تتكثّف الضربات الإسرائيلية-الأميركية على إيران بوتيرةٍ لافتة ودقّةٍ مُبهِرة، مستهدفةً مواقع وشخصيات تُعدُّ من صلب بُنية القرار. وبحسب المعطيات المتداولة، لم تقتصر العمليات على تحقيق الأهداف المُعلنة، بل تجاوزتها لتطال أسماء بارزة في هرم النظام وفي مقدمتها المرشد الأعلى السابق على خامنئي، وامين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، فيما يرقد المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، جريحًا في مكانٍ ما من هذا الكوكب لا يقوى على مخاطبة شعبه.
في موازاةِ ذلك، يتصدّر مضيق هرمز واجهة الاهتمام الدولي، وكأنّ السيطرة عليه قد تمثّل مفتاحًا للحسم، بينما يتّسع نطاق التصعيد أفقيًا ليشمل مواقع حيوية تمسّ حقول ومصافي النفط والغاز في جميع دول الإقليم مُهددةً بشلّ أعصاب الاقتصاد العالمي.
رُغم ذلك، لم تتمكّن الضربات بكلِّ تفوّقها التكنولوجي الهائل من بلورة صورة نصر واضح، كما إنها لم تفتح بعد نافذةَ حلٍّ سياسي تفاوضي، لم تؤدِّ الى انشقاقٍ في النظام ولا إلى ظهور شخصية من داخله تمدُّ يدها إلى الخارج حاملة تسوية ما.
من جهةٍ أخرى، لم تثبت الحرب أنها قادرة على التحوُّل إلى مشروعٍ استراتيجي مقنع، لا لحلفاء واشنطن ولا لحلفاء طهران. فالفريق الأول مُتردِّدًا في الدخول في تحالف يدعم حربًا يعتبر أنها ليست حربه، فيما يحصد الفريق الثاني، أي روسيا والصين، مكاسب سياسية في مسارح أخرى، ويُجري حساباتٍ أبعد من ميدان العمليات، تمنعه من ترجمة التزامه الأخلاقي مع إيران إلى مساندة عسكرية مباشرة.
يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وسط هذا الاستعصاء، المندهش الوحيد من عدم انهيار النظام، ومن تعذّر الحسم العسكري السريع، ومن الفشل في انتاج قيادة بديلة من داخل النظام تمدُّ يدها للخارج حاملة تسوية ما. ليس هذا مُستغربًا، فقد اختار ترامب ألّا يستمع لجنرالاته العقلاء الذين قالوا له إنَّ البنتاغون، الذي يمتلك أكبر ترسانة عسكرية في الكوكب، يستطيع أن يُسَطِّح إيران بالفعل، لكنه لا يستطيع تحويل السطوة العسكرية الى حلٍّ سياسي للبيت الأبيض. واختار أيضًا ألّا يصغي إلى تحذيرات دول الخليج التي كررت على مسامعه أنَّ الحربَ لن تنحصر داخل إيران، بل سترتد على الإقليم كله. واختار، قبل ذلك كله، ألّا يقرأ صفحة واحدة من كل كتب الاستراتيجيات العسكرية التي تُبيِّن بوضوح أنَّ للحرب الجوية، مهما بلغت من التفوق، حدودًا صارمة في ما يمكن أن تنتجه من آفاق سياسية، وأن الطلقة الأولى في المعركة تسقط غالبًا ما سبقها من خطط.
وهنا لا بُدَّ من استحضار أحد أهم العقول التي تربّت عليها أجيال من أبناء سلاح الجو الأميركي وهو بروفسور العلوم السياسية روبرت بايب (Robert Pape) أحد أبرز منظّري القرن الحالي ومن أهم واضعي المنهج العسكري للقوات الجوية الأميركية والمستشار الدائم لكل الإدارات الأميركية من 2001 حتى 2024 حول حدود القوة والإكراه الجوي والعنف السياسي ومكافحة الإرهاب.
مصيدة التصعيد
نستحضر روبرت بايب هنا لأنَّ نظرية “مصيدة التصعيد” (The Escalation Trap) التي طالما شرحها في كتبه ومدوّناته ماثلة أمامنا بحرفيّتها تقريبًا، ومُرعِبة في مدى تطابقها مع مجرى الحرب، وستصبح أكثر رعبًا إذا استمرت الحرب في الاتجاه نفسه.
تقول هذه النظرية إنَّ الحروب الحديثة كثيرًا ما تخضع لدينامية متكررة: نجاح مُبَكّر ومبهر في ساحة المعركة ينتج خيبة استراتيجية، تدفع القادة إلى التصعيد بدل إعادة التفكير ومراجعة الاستراتيجية. وتتوزّع هذه الدينامية على ثلاث مراحل قد تتخللها فترات من الهدوء النسبي كما حدث بين جولة التصعيد الأولى في حزيران (يونيو) الماضي ونهاية شباط (فبراير).
تبدأ بمرحلة النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي، تحت عنوان إغراء القنبلة الذكية، حيث يؤدي التفوُّق الجوي والتكنولوجي إلى قصف لائحة الأهداف بسرعة ودقة مذهلتين، فتقترب القيادة السياسية من نشوة الانتصار. لكن حين تفشل هذه الضربات في إنتاج الواقع السياسي المطلوب، أي الاستسلام أو التسوية، تبدأ مرحلة التصعيد الأفقي، فينقل الخصم المعركة إلى الطاقة، والملاحة، والحلفاء، والاقتصاد والبيئة الإقليمية كلها. وهذا ما تفعله إيران اليوم، عندما لم تستطع كسر التفوُّق الجوي، تنجح في توسيع ميدان الحرب أفقيًا حيث يدفع الاخرون كلفة استمرارها. وإذا لم يتوقف الجميع عند هذه النقطة، ولم يتقبلوا الخسائر السياسية الناجمة عن وقف الحرب بهذا الشكل الملتبس، تصبح المرحلة الثالثة هي الخطوة التالية شبه الحتمية.
وتتمثّل هذه المرحلة في الذهاب إلى خياراتٍ أعمق وأكثر فاعلية من وجهة نظر المهاجم، على رأسها التدخُّل البري. وعند هذه النقطة لا تكون الحرب قد خرجت عن السيطرة بالمعنى الفوضوي فقط، بل تكون قد دخلت في المنطق الذي حذّر منه بايب منذ البداية: النجاح الأوّلي بلا استراتيجية خروج يدفع إلى تورُّطٍ أكبر بدل أن يفتح باب الخروج. هذا الإطار ليس انطباعًا عابرًا لمحلّل سياسي، بل هو الهيكل الذي يبني عليه بايب قراءته للحرب الراهنة بناء على تجربة عشرين عامًا من محاكاة هجوم محتمل على إيران، وهو الإطار النظري الذي درسه وحفظه عن ظهر قلب كل مَن درس في المعاهد العسكرية وكليات الحرب، الأميركية منها على وجه الخصوص، وكل من تعاقب على مجلس الأمن القومي والبيت الأبيض… ما عدا ترامب وفريقه من المتعجرفين الغرباء عن عالم السياسة والاستراتيجية.
لكن ما الذي يجعل المرحلة الثالثة محتملة الى هذا الحد؟
مستنقع النووي
هنا ينبغي أن نتوقّف عن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه مركز الحرب، وأن نضعه في مكانه الصحيح: هرمز هو تجلي الأزمة في مرحلتها الثانية كتصعيدٍ أفقي، وليس جوهرها. هو الساحة الأكثر وضوحًا وتأثيرًا على السوق العالمية، وهو العقدة التي انكشفت فيها حدود القدرة الاميركية على بناء تحالف بحري واسع، وهو الممر الذي أرادت إيران من خلاله أن تُثبِتَ أنَّ الحرب عليها لن تبقى داخل حدودها. لكن هرمز، على أهميته، يبقى في النهاية ملفًّا يمكن تصوّر تسويات مؤقتة له. أما الملف الذي لا يقبل هذا النوع من المعالجات فهو الملف النووي. لذا فسؤال الحرب الآن ليس كيف يفتح المضيق، بل أين النووي؟
ولروبرت بايب في هذا السؤال تصوُّرٌ مقلق إلى أقصى الحدود. فهو ينطلق من فكرة أنَّ حرب الاثني عشر يومًا دمرت المنشآت، لكنها لم تدمّر المخزون النووي الإيراني المخصَّب بنسبة 60 في المئة، وهو ما يفسر عودته كبند أول على طاولة التفاوض في الجولة الأخيرة. ويذهب بايب أبعد من ذلك، إذ يستند إلى ما راكمه من معطيات، أنَّ الإيرانيين تمكنوا خلال الأشهر الماضية من نقل هذا المخزون على شاحنات، ووزعوه على مناطق متفرقة، بحيث لم تتمكن الطائرات الإسرائيلية ولا الأميركية من الوصول إليه حتى الآن. وإذا لم تنتج الحرب تسوية تجعل القيادة الإيرانية الجديدة تُسلِّم هذا المخزون طوعًا، فإنَّ الخصم سيجد نفسه، بحُكم المنطق نفسه، مدفوعًا إلى المرحلة الثالثة: التدخُّل البري، وبعقلية تشبه في بنيتها عقلية حرب العراق، مع فارقٍ أساسي يتمثّل في أنَّ أسلحة الدمار الشامل حينها كانت كذبة كبرى صنعتها أجهزة الاستخبارات الغربية وتبنّاها وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول في مرافعته الشهيرة أمام مجلس الأمن. أما هذه المرة، فاليورانيوم المخصَّب تؤكِّد وجوده إيران نفسها والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولهذا فإنَّ أيَّ سؤال عن مصير الحرب لا يضع الحسابات النووية أولًا، سؤال لا يعوَّل عليه. لماذا؟
لأنَّ نشوة النجاح المبكر والانبهار بنظافة الضربات يُضلّلان القائد، بحسب بايب، ويجعلان اعترافه، بأنَّ المشكلة الفعلية لم تُحَل، أكثر صعوبة. فهو لا يريد التراجع لأنَّ التراجع اعترافٌ بالفشل، ولا يملك الذهاب الى التفاوض بشروط المنتصر، ولا الادعاء بأنَّ الحرب أنجزت هدفها النهائي إذا كان السؤال النووي لا يزال مفتوحًا. عند هذه النقطة، لا يبقى أمامه إلّا الهروب إلى الأمام، أي التفكير في خيارات لم تكن جُزءًا من الخطة الاصلية.
لا أحد في واشنطن وتل ابيب يريد إعادة انتاج العراق حرفيًا في إيران، لكن في المقابل، لا أحد في واشنطن وتل ابيب تمكّنَ حتى الان من حسم المسألة النووية. ولحسم هذه المسألة لا بُدَّ من وجودٍ بري، لا يأخذ بالضرورة شكل الاجتياح الكلاسيكي الشامل، بل ربما يبدأ على هيئة قوات محدودة ذات مهام خاصة للتفتيش ومحاولة السيطرة على مخزون يشتبه في وجوده في مواقع بعينها. هذه النقلة النوعية ستُحوّل الحرب من حملة جوية إلى دوامة قد تغرق الولايات المتحدة في المستنقع الذي حاولت طويلًا تجنّبه: فيتنام الجديدة، حيث لا تخسر الولايات المتحدة أي معركة، لكنها تخسر الحرب برمتها عندما تبدأ الأثمان السياسية بالتراكم والظهور في صناديق اقتراع الانتخابات النصفية وتترك الأثر الأبعد في تركة ترامب السياسية.
بيونغ يانغ تسابق هيروشيما
فمن وجهة نظر بايب، لا تحتاج إيران لأن تُخَصِّب يورانيوم بنسبة 90 في المئة لتصنع سلاحًا نوويًا كما إنها ليست بحاجة إلى أن تضعه على رأسٍ صاروخي. يمكنها، إذا سمحت لها الظروف العملياتية، ان تنتج ما يصل إلى 16 قنبلة بدائية انطلاقًا من اليورانيوم الموجود لديها الآن بنسبة 60%. وإن تمكنت من انتاج خمس قنابل فقط، يردف بايب، لن تكون مضطرّة لرمي أيٍّ منها على واشنطن أو تل أبيب، يكفيها ان تجري تجربة ناجحة واحدة على أحد الجبال الإيرانية الفارغة ثم تتبعها بتجربة ناجحة ثانية. عندها ستتوقف الحرب، لأن إيران تكون قد عبرت العتبة وأصبحت دولة نووية. منهكة، مفلسة، محاصرة، مهشمة، نعم، لكنها نووية، على نمط كوريا الشمالية حيث لا يجرؤ أحد على المس بالنظام والقائد.
ويزداد هذا السيناريو خطورة حين يطرح فرضية أن تتمكن إيران من تمرير إحدى القنابل القذرة الى أحد وكلائها في المنطقة. هنا لا تتغير الحسابات فقط، بل يتغير المنطق الاستراتيجي للصراع كله، ويتغير معه حتمًا، الخيال الاستراتيجي في واشنطن وتل أبيب.
فإذا كان البر الإيراني احتمالًا قائمًا لأنَّ الحرب لم تحسم السؤال النووي، وإذا كانت إيران النووية احتمالًا قائمًا لأنَّ الغموض قد يمنحها فرصة العبور، وإذا كان الانتشار غير المباشر يضيف طبقة جديدة من الذعر إلى الحسابات، فإنَّ الخيار النووي الأميركي أو الإسرائيلي لن يبقى خارج دائرة التفكير بوصفه احتمالًا نظريًا خالصًا، بل البديل الموضوعي لعدم الذهاب إلى الاجتياح البري لبلد تقارب مساحته أربعة أضعاف مساحة العراق.
ليس المقصود هنا الجزم بأنَّ قرارًا كهذا قد اتُّخذ، ولا الادعاء بوجود خطة معلنة قيد التنفيذ. لكن منطق الحرب، إذا تُرك ليستمر في هذا الاتجاه، يدفع بالخيال العسكري والسياسي إلى تلك الحافة. وكلُّ مَن يعرف شخصية ترامب، ومَن يعرف بنيامين نتنياهو أيضًا، يُدركُ أنَّ المشكلة لا تكمن فقط في وجود السلاح، بل في غياب الرادع الأخلاقي والمؤسسي الكافي لدى رجلين خاضعين بالكامل لتيارين إيديولوجيين مؤمنين بروايات آخر الزمان بالقدر نفسه الذي تؤمن به الثورة الإسلامية في إيران.
- ملاك جعفر عباس هي كاتبة ومحللة سياسية وإعلامية لبنانية. حاورت شخصيات عربية وعالمية عدة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
