نهاية الصبر الاستراتيجي… والطاقة على خط النار

كابي طبراني*

لم يَعُد التصعيد في الشرق الأوسط يُقاسُ بعدد الضربات أو نطاقها الجغرافي، بل بطبيعة الأهداف نفسها. فحين تنتقل الحرب من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب البنية التحتية للطاقة—من مصافي “بارس الجنوبي” في إيران إلى منشآت الغاز في الخليج وممرّات النفط العالمية—فإننا لا نكون أمام جولة جديدة من الصراع، بل أمام تحوّل في قواعده.

ما يجري اليوم يشير إلى أنَّ الطاقة لم تعد مجرّد خلفية للنزاعات، بل أصبحت في قلبها. وهذا التحوُّل لا يُغيّرُ مسار المواجهة فحسب، بل يُعيدُ رَسمَ العلاقة بين الأمن والاقتصاد في الشرق الأوسط—وربما في النظام الدولي الأوسع.

غير أنَّ الأخطر لا يكمن في استهداف إيران وحدها، بل في اتساع رقعة الضربات لتشمل عمق المنظومة الطاقوية الخليجية.

ففي موجتها الأولى، ركّزت الهجمات الإيرانية على منشآت ذات قيمة استراتيجية عالية. واستهدفت طائرات مسيّرة مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، التي تضم أكبر مجمع لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم بطاقة تقارب 77 مليون طن سنويًا—أي نحو خُمس الإمدادات العالمية.

لم يكن الأثر تقنيًا فقط، بل نظاميًا بامتياز. إذ أدّى توقف الإنتاج وإعلان “القوة القاهرة” إلى تعطيل تدفقات الغاز نحو أوروبا وآسيا، لتتحول ضربة واحدة إلى أزمة تمتد عبر الأسواق العالمية.

وفي السعودية، كشف حريق مصفاة رأس تنورة—نتيجة حطام طائرات مسيّرة—عن هشاشةٍ حتى أكثر المنشآت تحصينًا. فرُغمَ محدودية الأضرار، أدى الإغلاق الاحترازي لبعض الوحدات إلى اضطرابٍ في أحد أهم مراكز تصدير النفط عالميًا. الدرس هنا واضح: حتى الهجمات التي يتمُّ اعتراضها جُزئيًا قادرة على تعطيل الإنتاج بفعل مُتطلّبات السلامة.

أما في الإمارات، فقد اتخذ التصعيد مسارًا مختلفًا. لم تُستهدف حقول النفط مباشرة، بل البنية الاقتصادية الأوسع—الموانئ، المطارات، ومراكز البيانات في دبي. ورُغم نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض معظم الهجمات، فإنَّ الأضرار الناتجة عن الحطام والاضطرابات في حركة الطيران كشفت أنَّ الحروب الحديثة باتت تستهدف “الاقتصاد كمنظومة”، لا مجرد مواقع إنتاج الطاقة.

حتى الدول الأقل استهدافًا لم تكن بمنأى عن التأثير. ففي سلطنة عُمان، لحقت أضرار بمنشآت قرب ميناءي الدقم وصلالة، فيما سجلت البحرين والكويت أضرارًا في البنية التحتية نتيجة المقذوفات المعترضة. الرسالة كانت واضحة: لا توجد منطقة خارج نطاق التداعيات.

وفي الخلفية، يظل مضيق هرمز عاملًا حاسمًا في هذه المعادلة. فالممرُّ الذي يعبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية لم يعد مجرد عنصر جغرافي، بل ورقة ضغط قائمة بذاتها. ومجرد التلويح بتعطيله، في ظلِّ استهداف الإنتاج والبنية التحتية، يخلق معادلة غير مسبوقة تضرب العرض وسلاسل الإمداد في آنٍ واحد.

ما يتشكّل هنا ليس تصعيدًا تقليديًا، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع.

لم تَعُد المواجهة تُدارُ عند حدودها العسكرية، بل عبر استهداف مفاصل الاقتصاد. ضرب “بارس الجنوبي” يمسّ الإنتاج، واستهداف رأس لفان يعطّل الغاز العالمي، والاضطرابات في رأس تنورة تؤثر في النفط، فيما يبقى هرمز تهديدًا دائمًا لحركة النقل. إنها شبكة مترابطة، وأيُّ خللٍ فيها ينعكس فورًا على النظام بأكمله.

في هذا السياق، تعود الطاقة لتؤدي دورها كأداة نفوذ حاسمة في العلاقات الدولية. وكما يشير الباحثان الأميركيان جيسون بوردوف وميغان أو-سوليفان، فإنَّ العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها قابلية استخدام موارد الطاقة والبنية المرتبطة بها كوسيلة ضغط سياسي واقتصادي. غير أنّ ما يحدث اليوم يذهب أبعد من ذلك، إذ تتحوّل هذه الموارد ذاتها إلى ساحة مواجهة مباشرة.

بالنسبة إلى دول الخليج، تُمثّل هذه التطوُّرات نقطة تحوّل.

فالمنطقة التي بنت استراتيجياتها خلال العقد الماضي على الاستقرار والانفتاح، تجد نفسها أمام واقعٍ يُعيدُ ترتيب أولوياتها. لم يعد التحدي محصورًا في تنويع الاقتصادات، بل في تحصينها. ولم يَعُد الهدف فقط جذب الاستثمارات، بل الحفاظ على بيئة يمكن التنبؤ بها في ظل تصاعد المخاطر.

وهنا تكمن المفارقة.

كلما سعت دول الخليج إلى تقليل اعتمادها على الطاقة كمصدر وحيد للقوة، أعادها التصعيد الجيوسياسي إلى مركزها. الطاقة تظل مصدر الثقل الاقتصادي، لكنها أيضًا نقطة التعرُّض الأكثر حساسية في لحظات التوتّر.

أما على المستوى الأوسع، فإنَّ ما نشهده يعكس تآكل نموذج “إدارة الصراع” الذي ساد في المنطقة لسنوات. ذلك النموذج، القائم على التوازنات الدقيقة والاحتواء، يتراجع لصالح منطق أكثر صدامية، حيث تتداخل الأدوات العسكرية والاقتصادية في آنٍ واحد.

يبقى السؤال: هل لا تزال هناك خطوط حمراء؟

حتى الآن، تبدو هذه الخطوط أقل وضوحًا. استهداف المصافي، تعطيل منشآت الغاز، ضرب البنية التحتية، والتلويح بتهديد الممرات البحرية—كلها مؤشرات إلى أنَّ الأطراف تختبر حدود بعضها في بيئة تفتقر إلى آليات ردع فعالة.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح التصعيد ليس احتمالًا، بل مسارًا قائمًا بحد ذاته.

في المحصّلة، لم تعُد الطاقة عنصرًا ضمن معادلة الصراع، بل أصبحت المعادلة نفسها. ومع دخول الخليج—بكل ثقله الاقتصادي—إلى دائرة التأثر المباشر، فإنَّ تداعيات هذه المرحلة لن تبقى إقليمية، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

لقد انتهى زمن الصبر الاستراتيجي.

وما يتشكّلُ اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة يُعادُ فيها تعريف القوة في الشرق الأوسط—حيث لا تُرسَمُ المعادلات فقط على خرائط السياسة، بل على خطوط الطاقة نفسها.

في هذا المشهد، لم يَعُد النفط والغاز مجرّد ثروة… بل أصبحا ساحةً تُختبر فيها حدود الصراع—وتُحسَمُ عندها كلفته.

Exit mobile version