محمّد قوّاص*
شنّت إيران “الحرب” على كافة دول الخليج. ولا يمكن، للحدث، إلّا تسميته بهذا الاسم. إنها “حربٌ” مُكتملة الأوصاف أطلقتها إيران من طرفٍ واحد، من دون اكتراث بجلافة هذا السلوك وبالأضرار الكارثية التي يُسبّبها. وضعت الجمهورية الإسلامية دول مجلس التعاون الخليجي تحت مجهر الهدف، وسلّطت عليها صواريخها الباليستية ومسيّراتها الحديثة، مستدرجة ردًّا على الحرب بالحرب. وبهذا السلوك، تُعيد طهران التذكير لمن غفل أو راهن على غير ذلك بأنَّ إيران تتصرّف بوصفها خصمًا لدول المنطقة، لا شريكًا ولا صديقًا لها.
عرفت المنطقة شيئًا من هذا القبيل في الطبيعة الجيوستراتيجية لهذه الدولة العملاقة في الجغرافيا والديموغرافيا وثقل التاريخ في عهود غابرة. لكن إيران أعلنت منذ قيام جمهوريتها الإسلامية أنَّ وجودها ومبرّره يقومان على نقيض الدول المجاورة. برعت في ذلك، وكان لها مع العالم العربي علاقات معقّدة، بقيت صعبة ومتوترة مع دول الخليج “العربي”.
أصرّت إيران على أن يكون الخليج “فارسيًا”. دافعت عن طابعه القومي، تُقيمُ الدنيا وتُقعدها في المحافل الدولية لنزع عروبة الهوية عن ذلك الخليج وخرائطه. وحين اقترح الإمام روح الله الخميني تجاوز ذلك الجدل وإطلاق اسم “الإسلامي” (لا العربي ولا الفارسي) على الخليج، أسقط هو نفسه ذلك الاقتراح، بحيث عبّرت إيران دومًا عن كونها كيانًا آخر، نقيضًا عصيًّا على الذوبان بنديّة وتساوٍ مع كافة دول المنطقة.
ساءت علاقة إيران مع مصر منذ الأيام الأولى لظهور الخمينية. وساءت أيضًا مع كلِّ دول الاعتدال في المنطقة. قُطعت علاقاتها مع المغرب وتونس، وطُرد ديبلوماسيوها من الجزائر والسودان، وتعقّدت علاقاتها مع الأردن وغالبية دول الخليج. لم تحب طهران التعامل مع الدول، ومالت إلى رعاية الميليشيات لما لها من دور في تفتيت بلدان المنطقة وتعميق وابتكار انقساماتها. ثم طاب لها الفخر بالتسلّط على 4 عواصم عربية.
تُعيدُ إيران في الأيام الأخيرة تذكير السعودية والإمارات، كما الكويت والبحرين، وحتى قطر وعُمان، بأنها عدو. كانت تلك الدول قد رفعت سقفًا عام 1981 تآلفت تحته حين أقامت مجلس التعاون الخليجي منظمةً إقليمية، في ظاهره ترتيب للبيت الخليجي داخل الدائرة العربية، وفي باطنه بناء درع في السياسة والأمن والاقتصاد والثقافة يردّ عن المنطقة شرورًا لم تبذل دولة الوليّ الفقيه جهدًا لإخفائها.
سعت دول المنطقة إلى محاولة تصديق إمكانية التعايش الآمن مع نظامٍ توعّد، منذ الإطاحة بالشاه، بتصدير الثورة لتجتاح العالم بدءًا من دول الخليج. شهدت تلك البلدان خلال العقود الأربعة الأخيرة صنوفًا وأنماطًا من ورش لزعزعة استقرارها وتهديد أمنها. وسعت دول الخليج في الأشهر الأخيرة إلى منع الحرب المتوقعة وتجنيب إيران كارثة تفيض على المنطقة. غير أنَّ إيران قابلت ذلك السعي بالحرب التي تتوق إليها من دون حرج أو تردُّد واعدةً بذلك الفيضان.
كانت كلمات الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد قبل أيام واضحة في معانيها ورسائلها. أدخلت إيران بلاده في أتون معركة لا علاقة لها بها. عملت طهران على استخدام البلد وكافة بلدان “المجلس” ميدان ضغوط وصندوق بريد تبعث عبره رسائلها، لعل في الأمر ما يوقف الحرب، حتى لو دفعت الإمارات ودول الخليج أثمانًا من دمٍ ودمار.
بدت المنطقة مصدومة من الدرك الذي وصلت إليه إيران من خبث شيطاني بغيض. قال الشيخ محمد لـ “العدو”: “الإمارات جلدها غليظ ولحمتها مُرّة”. بدا في ذلك التعبير ما يكشف عن تحوّلات جماعية خليجية تتوعّد، في ثناياها، بتموضعٍ جديد حيال ما تجاوز الاحتمال إلى اليقين والواقع في ما تشكله إيران من تهديد حقيقي داهم للدول الست.
في لحظة خطر جماعي واستشعار بضرورات الوحدة والتنسيق، تجاوزت دول المنطقة تباينات كادت ترقى إلى مستوى الانقسام. تشنّ إيران حربًا على الخليج توعّدت بها منذ عقود. لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء. لن تعود علاقات المنطقة مع إيران إلى الحدّ المقبول الذي كانت عليه.
اعتدت إيران. ثم اعتذر رئيسها قبل أن يؤنّبه “حرسها” ويستأنفوا الفتك بالجيران عن سابق تصوّر وتصميم. تغيّرت المنطقة، وبات عليها أن تعيد قراءة علاقاتها مع العالم أجمع دفاعًا عن “جلد الخليج ولحمته المُرّة”.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
