
هنري زغيب*
إِنه المايسترو أندريه الحاج، قائد “الأُوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية”، يواصل مسيرته الوجدانية بإِحياء التراث الموسيقي والغنائي اللبناني، مراتٍ مع هذه الأُوركسترا – وهو يقودُها منذ تسلَّمَها من المؤَسس وليد غلمية -، ومراتٍ مع جوقات متفرِّقة، مدرسية في معظمها، يشجِّعها بمنحها فرصةَ الأَداء أَمام جمهور عام.
هذا ما حقَّقَهُ الحاج مساءَ الخميس الماضي (12 شباط/فبراير الحالي) في “الكنيسة الأَرمنية الإِنجيلية الأُولى” (تأَسَّسَت في القنطاري، بيروت، سنة 1922)، في أُمسية استثنائية فعلًا استضافَ لها “المدرسةَ الأَهلية” العريقة (تأَسست في وادي أَبو جميل قبل 110 سنوات – سنة 1916)، ونجمةَ الأُمسية كورال المدرسة بتدريب مميَّز من العازف طارق قاطرجي. والموسيقى، كما قالت في الافتتاح مديرةُ المدرسة السيدة رضا عيَّاش، في أَساس برنامج المدرسة منذ تولت إِدارتها السيدة وداد المقدسي قرطاس سنة 1934، واستعانَت بوديع صبرا (مؤَسس الكونسرفاتوار الوطني وملحّن النشيد الوطني اللبناني)، فأَرسل لها تلميذه أَلكسي بطرس الذي أَوجَدَ في المدرسة سنة 1936 برنامجًا موسيقيًّا كان نواةَ تأْسيسه لاحقًا (1943) “الأَكاديميا اللبنانية للفنون الجميلة” (أَلبا).
أُمسيةُ الخميس كانت تحية إِلى الشحرورة “صباح”، في سلسلة ما يقوم به أندريه الحاج من استذكارات كبار المبدعين الموسيقيين اللبنانيين. وهذه من رسالة “المعهد الوطني العالي للموسيقى” بتحيتهم وهُمْ في الغياب.
هكذا وقفَتْ 30 صبية بلباس موحَّد وشعار “كورال الأَهلية”، أَدَّيْنَ برنامجًا غنيًّا تَشَكَّل لحنيًّا وموسيقيًّا من أَعمال أندريه الحاج (مقطوعة “بعد سنة” افتتاحًا)، وروميو لحود (“بكرا بتشرُق شمس العيد”، “لَمَّا عَ طريق العين”، رقصة “الفرمان”)، وفيلمون وهبه (“يا إِمي دَولَبْني الهوا” بكلمات الأَخوين رحباني من مسرحيتهما “دواليب الهوا”، و”مرحبتَين مرحبتَين” بكلمات ميشال طعمة)، والأَخوين رحباني (عَ الندَّا)، ومحمد عبدالوهاب (“عَ الضيعة” بكلمات توفيق بركات)، وملحم بركات (“يا لبنان دخْل ترابَك” بكلمات توفيق بركات) وإِيلي شويري (“تعْلا وتتعمَّر يا دار” بكلماته ولحنه)، ووليد غلمية (“قلعة كبيرة”،”شو بدي أَعمل قلِّي”، “يا مسافر وقِّف عَ الدرب”، “دخلَك لا تعلِّقني فيك”، “زقْفه زقْفه يا شباب”، “مسَّيناكم مَسُّونا”).
أَربع نقاط لافتة ميَّزت أُمسية الخميس: الأَداء المنضبط للصبايا الثلاثين، الغناء الموقَّع كأَنْ صوتًا واحدًا مع أَنه من 30 صبية، الحفْظ التامُّ طيلة الأُمسية (لا ورقة نصوص في أَيديهنَّ ولا أَمامَهنَّ)، وأَداء ساطع من الأُوركسترا (إِيقاعاتٍ وعزفًا كامل الانسجام)، بعصا المايسترو أندريه الحاج الذي كان يوزِّع قيادته كأَنْ على كلِّ آلةٍ وحدها من الأُوركسترا، كما على صبايا “الكورال”.. وبين عصا القيادة وتَوَزُّع انتباهه مفْردًا بصيغة الجمع: كان أندريه الحاج في ذاته أُوركسترا تقود أُوركسترا.
أُمسية الخميس “إِشراقاتُ النغم – في البال يا صباح”، كانت نقطةَ نُور في فضاء الإِبداع الفني الذي يكرِّس تراثَ لبنان إِرثًا لجيلنا وللجيل الجديد وكل جديد.
وما سوى هكذا نستحقُّ لبنان.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
