غرينلاند وما قبلها: تَفكيكُ المَفهومِ الأوروبي المُزدَوِج للقانون الدولي

البروفِسور بيار الخوري*

عادت مفاهيم السيادة الوطنية والقانون الدولي لتتصدَّر واجهة الخطاب السياسي في القارة الأوروبية بشكلٍ لافت، مما أثارَ تساؤلاتٍ عميقة حول طبيعة التحوُّلات الراهنة في الموقف من النظام العالمي.

نحنُ أمامَ سجالٍ أوروبي مُتصاعد يتجاوز الخلافات الديبلوماسية التقليدية ليصل إلى جوهر العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. يبرزُ السؤالُ المركزي هنا حول ما إذا كان السلوكُ الأميركي الحالي يُمثّلُ انحرافًا طارئًا عن قواعد اللعبة، أم أننا نشهد صحوةً أوروبية مُتأخِّرة لنمطٍ سلوكي تاريخي ثابت لم يتغيّر جوهره.

​يكشفُ السجلُّ التاريخي للولايات المتحدة أن مبدأ السيادة كان دومًا خاضعًا لمعادلة القوة والمصلحة الحيوية بعيدًا من نصوص القانون الدولي الجامدة. تُظهِرُ التدخُّلات التاريخية في أميركا اللاتينية والوسطى، عبر دعمِ الانقلابات والتدخُّلات غير المباشرة، أنَّ حمايةَ السيادة كانت انتقائية بامتياز. امتدَّ هذا النهجُ ليشملَ الشرق الأوسط، في العراق وليبيا وسوريا، وآسيا الوسطى، في أفغانستان، حيث تمَّ تطويعُ المفاهيم القانونية لتبرير عملياتٍ عسكرية واسعة النطاق.

​لعبت أوروبا لسنواتٍ طويلة دورَ الشريك الصامت، والمُبَرِّرأحيانًا، لهذه الانتهاكات طالما أنها كانت تحدث خارج حدود القارة العجوز وفي مناطق تُعتَبَرُ هوامشَ جيوسياسية. لم تكن أوروبا تاريخيًا حارسًا أمينًا للقانون الدولي، بل كانت في أغلب الأحيان جُزءًا من منظومةِ القوّة التي تُعَرِّفُ القواعدَ وفقًا للمصالح الأطلسية المشتركة. ولم ينكسر هذا الصمت الأوروبي إلّا حين بدأت ارتدادات تلك السياسات تمسُّ الأمن أو الاقتصاد الأوروبي مباشرة.

​تغيَّرَ المشهدُ اليوم بشكلٍ جذري لأنَّ الخرقَ الأميركي للقواعد لم يَعُد يقتصرُ على مناطق النزاع البعيدة، بل بدأ يمسُّ الفضاء الغربي نفسه. يشعر القادة الأوروبيون بحدّة الخطاب الأميركي نتيجة تراجع وزنهم في عملية صنع القرار داخل المنظومة الأميركية، وصعود أحادية فجّة لا تُقيمُ وزنًا للبروتوكولات التقليدية. أصبح الخطابُ الأوروبي أكثر حدّةً لأنَّ الانتهاكَ انتقل من “الآخَر” البعيد إلى الذات الحليفة، مما ولَّدَ شعورًا بالخطر على مكانة الدولة الوطنية داخل المنظومة الغربية.

​تُمثّلُ قضيّةُ غرينلاند والجدل حول الأمن الأطلسي نموذجًا كاشفًا لهذا الخطر على مفهوم السيادة داخل البيت الغربي. لقد تحوّلت غرينلاند إلى رمزٍ سياسي يكشف كيف يتمُّ التعامل مع سيادة الدول الحليفة كأدواتٍ في صراعاتٍ كبرى.

تَعكِسُ هذه القضية بوضوح أنَّ القواعدَ التي وُضِعَت لتنظيم العلاقات الدولية، تعملُ في الواقع كأدواتٍ انتقائية يتمُّ تفعيلها أو تعليقها بناءً على موازين القوّة الراهنة.

​إنَّ القانون الدولي في جوهره يُعاني من أزمةٍ بُنيوية بوصفه نتاجًا لتوازُناتِ قوّة قديمة بدأت تتفكّك أمام الواقع الجيوسياسي الجديد. لم تَعُد الأزمة تكمُنُ في مجرّدِ خرق القواعد، بل في سقوطِ وَهمِ حيادِ هذه القواعد وقدرتها على لجم القوى العظمى. يشيرُ الواقع الراهن إلى أننا لا نعيشُ خلافًا قانونيًا عابرًا بين حلفاء، بل نمرُّ بمرحلةِ تفكُّكٍ بطيء للنظام الدولي بصيغته الليبرالية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، وبصيغته الغربية التي نشأت بعد انهيار الكتلة الشرقية.

إنَّ السيادة، تبعًا لذلك، هي مفهومٌ نسبي يضيقُ ويتَّسع بحسب القدرة على فرض الإرادة السياسية في أرجاء المعمورة المختلفة. يبقى المشهد مفتوحًا على تحوُّلاتٍ كبرى حول معنى التحالف الأطلسي في ظلِّ توسُّعِ خرق الولايات المتحدة للصيغة الغربية للقانون الدولي وتصاعُد القلق الأوروبي.

إنَّ نهايةَ وَهمِ الحياد القانوني تفرضُ على العالم البحث عن صِيَغٍ جديدة لإدارة التنافس الدولي بعيدًا من إسقاطِ الرغبات التي أثبتت التجربة التاريخية قصوره أمام منطق ميزان القوّة المحض.

Exit mobile version