العراق في المنطقة الرمادية: كيف تُدارُ الحربُ الباردة الأميركية–الإيرانية على أرضِه؟

بين ضغط واشنطن وصبرِ طهران، يجدُ العراق نفسه ساحة توازُنٍ هشّ تُدار فيها المواجهة غير المعلنة بين القوَّتَين. فكيف تحوَّلَ من دولةٍ مُتأثّرة بالصراع إلى أحد أهم مسارحه الصامتة؟

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني: أدار التوازن المطلوب بين واشنطن وطهران.

فرهاد علاء الدين*

تعكسُ السياسة الأميركية الراهنة تجاه إيران تحوُّلًا لافتًا في منطقِ إدارة الصراع، يقومُ على مُراكمة الضغط بدل حسم المواجهة عسكريًا. فواشنطن لا تبدو مَعنية بدفع الأمور نحو حربٍ مفتوحة بقدر ما تسعى إلى إبقاء التوتر عند مستوى يُمكِنُ التحكُّم به، يُتيحُ لها استنزافَ خصمها سياسيًا واقتصاديًا من دون تحمُّلِ كلفةِ الانفجار العسكري الشامل. في هذا الإطار، لم يَعُد “منع التصعيد” مجرّدَ نتيجةٍ عرضية للحسابات الاستراتيجية، بل غدا هدفًا قائمًا بذاته، تحكمه قراءةٌ دقيقة لموازين القوى الإقليمية ولحجم الخسائر التي قد تترتّبُ على أيِّ مُواجهة مباشرة.

ضمن هذا السياق، يندرجُ نهجُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه نموذجًا خاصًا لإدارة النزاعات الدولية، يعتمدُ على توليفةٍ من الضغط الاقتصادي الخانق، والرسائل الديبلوماسية المُلتَبسة، والتلويح المُستَمر بالقوة العسكرية. الهدفُ ليس الذهاب إلى الحرب ولا الانخراط في مسارٍ تفاوضي تقليدي، بل إعادة هندسة سلوك الخصم عبر إبقائه تحت سقفِ توتُّرٍ دائم. هنا، يتحوَّلُ التوتُّر نفسه إلى أداةٍ سياسية، تُستخدَمُ للردع والمساومة في آنٍ واحد، وتسمحُ لواشنطن بتعديل قواعد اللعبة الإقليمية من دون أن تضطرَّ إلى كسرها بالكامل.

تُدارُ العلاقة مع إيران، وفقَ هذا المنطق، كملفٍّ مفتوح على الاحتمالات، قابل للشدّ والجذب بحسب إيقاع البيت الأبيض، لا كأزمةٍ ينبغي حسمها بضربةٍ واحدة. فواشنطن تستخدمُ الضغطَ المُتدرّج لإجبار طهران على إعادة حساباتها الإقليمية عبر رفعِ كلفة خياراتها، من دون الذهاب إلى حدِّ استهداف النظام السياسي نفسه. الهدفُ المُعلَن ليس إسقاطَ النظام، بل تقليص هامش مناورة إيران في الإقليم، وإعادة هندسة ميزان الردع بما يحدّ من قدرتها على فرض وقائع جديدة.

في هذا الإطار، يقومُ جوهر السياسة الأميركية على إبقاء خيار التصعيد قائمًا وذا مصداقية، من دون التعجُّلِ في استخدامه. التهديد هنا ليس مجرّدَ خطابٍ إعلامي أو ورقة تفاوضية، بل عنصرٌ بُنيوي في معادلة الردع. الفكرة الأساسية أنَّ امتلاكَ القدرة على التصعيد، مع التحكُّم الدقيق بتوقيته ونطاقه، يمنحُ واشنطن نفوذًا سياسيًا واستراتيجيًا بأقلِّ كلفةٍ مُمكنة، مُقارنةً بحربٍ مفتوحة يصعبُ احتواء تداعياتها. ومن هنا يُمكِنُ فَهم هذا التلازُم بين الخطاب الحاد وإجراءات الضغط الصارمة، وبين قدرٍ محسوب من ضبط النفس إزاء المواجهة العسكرية المباشرة.

لكن هذا التوازن الهشّ لا يلغي احتمالات الانزلاق إلى تصعيدٍ محدود ومدروس. ففي ظلِّ إدارة التوتر بهذا الشكل المتذبذب، تحتفظ واشنطن بخياراتٍ عملياتية تهدفُ إلى تعطيل القدرات العسكرية الإيرانية أو إضعافها مؤقتًا، من دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة. وتشملُ هذه السيناريوهات ضربات دقيقة تستهدف مواقع حساسة، أو عمليات تكنولوجية وسيبرانية واسعة النطاق تُنفَّذُ في لحظةٍ مُختارة بعناية، بحيث توجِّهُ رسالةَ ردع قوية من دون إشعال مواجهة مفتوحة.

وفي حال اللجوء إلى أحد هذه الخيارات، يُرجّح أن يترافَقَ ذلك مع استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي، ضمن مُقاربةِ استنزافٍ طويلة الأمد. هنا لا تُقرأ العوامل الداخلية في إيران –بما فيها الاحتجاجات والضغوط الاجتماعية– بوصفها بديلًا من القرار العسكري، بل كجُزءٍ مُكمّل لاستراتيجيةٍ تهدفُ إلى إنهاك الخصم تدريجًا وتقليص قدرته على المناورة، إلى أن يجدَ نفسه مُضطرًّا إلى إعادة التموضع ضمن قواعد لعبة جديدة ترسمها واشنطن بشروطها الخاصة.

في المقابل، قرأت طهران سياسة الضغط الأميركية بوصفها “حرب صبر” أكثر منها تمهيدًا لمواجهة مباشرة. فبدل الانجرار إلى تصعيدٍ علني واسع، اعتمدت مقاربة هجينة تمزجُ بين قدرٍ من المرونة الاقتصادية، وتسريع تطوير قدراتها الرادعة، وتوسيع هامش تحرّكها الإقليمي. هذا المزيج أتاحَ لها امتصاص الضغوط من دون تقديم تنازلات جوهرية، وأبقى خطوطها الحمراء السياسية والأمنية في مكانها. صحيح أنَّ العقوبات تركت أثرًا عميقًا على الاقتصاد الإيراني، لكنها فشلت في إحداث التحوّل الاستراتيجي الذي كانت واشنطن تُراهِن عليه، بل عزّزت قناعة القيادة الإيرانية بأنَّ إدارة التوتر، لا كسره، هي الخيار الأقل كلفة في صراعها مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، أظهرَ الواقعُ أنَّ النظام الإيراني نجح في الحفاظ على تماسكه السياسي رُغمَ موجات الضغط المتلاحقة. غير أنَّ هذا التماسك لم يكن بلا ثمن، إذ جاء على حساب الاقتصاد والقدرات التقنية والمالية التي استُنزِفت بشكلٍ واضح. ومع تراكُم هذه الأعباء، أخذ الصراع يتحوَّل تدريجًا إلى مواجهة طويلة الأمد تُدارُ بأدوات العقوبات والعزلة والضغط غير المباشر، بدل أن يُحسَمَ عبر مواجهة عسكرية سريعة أو تسوية سياسية شاملة.

وبرُغمِ هذا التحوُّل، ظلَّ العامل العسكري حاضرًا في الخلفية بوصفه عنصرًا بُنيويًا في معادلة الردع المتبادل. فالولايات المتحدة تُبقي خيار استخدام القوة مطروحًا وتُلوِّحُ باستعدادها للجوء إليه عند الضرورة، فيما تحرصُ إيران على صون قدراتها الرادعة من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. وبين هذين المسارين، تشكّلت “منطقة رمادية” لا حرب فيها ولا تسوية، تُدارُ عبر الإشارات السياسية والأمنية، واختبار الخطوط الحمراء، وتبادل الرسائل غير المُعلنة، في توازُنٍ هشّ يُراكِمُ التوتر من دون أن يُفجِّره.

في قلبِ هذه المعادلة المُعَقَّدة، يبرزُ العراق بوصفه إحدى أكثر الساحات هشاشةً وتأثُّرًا بهذا النمط من إدارة الصراع. فبغداد لا تُعامَلُ لا كطرفٍ مُحايد بالكامل ولا كساحةِ مُواجهة مفتوحة، بل كمنطقةِ توازُنٍ يُرادُ لها أن تمتصَّ ارتدادات التوتُّر الأميركي–الإيراني وتمنع انزلاقه إلى صدامٍ مباشر. ضمن هذا الإطار، تتحرّك القيادة العراقية في هامشٍ ضيّق لكنه مؤثِّر، يقومُ على تجنّب الانحياز العلني لأيٍّ من الطرفين، والإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن وطهران معًا، وإدارة الملف الأمني بمنطقِ الاحتواء والتهدئة بدل منطق المواجهة.

هذا السلوك يعكسُ إدراكًا واقعيًا لطبيعة المرحلة، حيث تُقدََّمُ أولوية حماية الاستقرار الداخلي على تسجيلِ نقاطٍ سياسية أو تبنّي مواقف صدامية. غير أنَّ استمرارَ سياسة “التوتُّر المُتحكَّم فيه” يضع العراق أمام اختبارٍ دائم، إذ إنَّ أيَّ ارتفاعٍ في منسوب الضغط بين الولايات المتحدة وإيران ينعكسُ تلقائيًا على أمنه، واقتصاده، وهوامش قراره السيادي. ولهذا تُصبِحُ مُقارَبة تضعُ المصالح الوطنية العراقية في الصدارة، وتستثمرُ في تعزيز الجبهة الداخلية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، خيارًا عمليًا لتقليص كلفة هذا الصراع المفروض من الخارج.

في المحصّلة، تقومُ سياسة واشنطن تجاه إيران على إدارة الصراع أكثر مما تقوم على حلّه، وعلى توظيف الضغط والردع كأدواتٍ محسوبة، الهدفُ منها تفادي الحرب لا إشعالها. صحيحٌ أنَّ هذا النهج قد يُحقّقُ مكاسبَ تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه يتركُ تداعياتٍ إقليمية مفتوحة على المجهول، خصوصًا بالنسبة إلى الدول الواقعة على خطوط التماس، وفي مقدمتها العراق، الذي يجد نفسه مضطرًا إلى السير على حبلٍ مشدود بين قوَّتين مُتصارعتين، من دون شبكة أمان تضمن له ثمن أيّ اختلال في هذا التوازُن الهَشّ.

Exit mobile version