من حلب إلى السويداء والساحل: الدولة السورية بين اختبارِ التَنوُّع ورهانُ الاستثمار

كابي طبراني*

لم تكن المواجهات التي شهدتها مدينة حلب مطلع العام 2026 حدثًا أمنيًا معزولًا، بل لحظة كاشفة لمسار الانتقال السوري بأكمله، وجرس إنذار مُبكر حول كلفة التأجيل في حسم علاقة الدولة الجديدة مع مكوّناتها المتعددة. فما بدا في ظاهره صدامًا بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، سرعان ما اتّضح أنه جُزءٌ من معادلة أوسع، تتقاطع فيها أسئلة السيادة، وإدارة التنوُّع، والاستقرار الأمني، والقدرة على جذب الاستثمار وإعادة بناء الاقتصاد المُنهَك.

منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، ورثت السلطة الانتقالية شرعيةً سياسية دولية سريعة، لكنها ورثت في الوقت نفسه دولةً مُجَزَّأة اجتماعيًا وجغرافيًا. فقرابة ربع الأراضي السورية بقيت خارج السيطرة المباشرة للدولة، فيما حافظت مناطق أخرى، كالساحل والجنوب، على مسافةٍ حذرة من المركز، محكومةً بهاجس الأمن والذاكرة الطائفية الثقيلة.

في هذا السياق، لم تكن قضية “قسد” استثناءً، بل التعبير الأوضح عن مأزق الدولة الجديدة في التعامل مع قوى نشأت في فراغ السلطة. فالاتفاقُ الذي وُقّع في آذار (مارس) 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي لدمج هذه القوة ضمن مؤسسات الدولة حمل وعودًا كبيرة، لكنه تعثّر بسبب انقساماتٍ داخلية، وغيابِ الثقة، وخوفٍ مُتبادَل من خسارة النفوذ أو التعرُّض للإقصاء. ومع مرور الوقت، تحوّلت المفاوضات من مسارٍ للحل إلى إدارةٍ مؤقتة للأزمة.

حلب كانت النقطة التي انهار عندها هذا التوازن الهَشّ. المواجهة هناك كشفت أمرَين مُتناقضَين في آنٍ واحد: من جهة، تطوّرٌ نسبي في أداء الدولة العسكرية والإدارية، ومن جهة أخرى، هشاشةُ السلم الأهلي عندما تُترَكُ الملفّات السياسية بلا حسم. صحيح أنَّ دمشق حاولت تقديمَ نموذجٍ أكثر انضباطًا مُقارنةً بمواجهات سابقة، لكنَّ الحدث أعادَ إلى الأذهان تجاربَ دامية شهدتها مناطق أخرى خلال عام 2025، ولا سيما في الساحل ذي الغالبية العلوية، وفي السويداء ذات الثقل الدرزي.

في الساحل، شكّلت أحداث آذار (مارس) 2025 صدمةً كبرى للعلويين، الذين وجدوا أنفسهم فجأةً خارج مظلّة الدولة التي ارتبطوا بها لعقود، ومن دون ضماناتٍ واضحة لأمنهم أو موقعهم في النظام الجديد. أما في السويداء، فقد مثّلت مواجهات تموز (يوليو) 2025 لحظةً فاصلة في علاقة الدروز بالسلطة المركزية، حيث ترسّخت قناعةٌ لدى شريحة واسعة بأنَّ الدولة ما زالت تميلُ إلى المقاربة الأمنية أكثر من الشراكة السياسية، حتى لو تغيَّرَت الشعارات.

هنا تتقاطع الملفات الثلاثة: الأكراد، الدروز، والعلويون. فجميعهم لا يطرحون، في جوهر الأمر، مشروعَ انفصال، بل يُعبِّرون عن أزمة ثقة عميقة تجاه مركز لم يُقدّم بعد عقدًا وطنيًا جامعًا، ولا ضمانات مؤسّسية واضحة. وفي غيابِ هذا العقد، تنشأ سلطاتٌ محلّية، وتُبنى قوى دفاع ذاتي، ويتحوَّلُ السلاح من أداةٍ مؤقتة إلى عنصرٍ دائم في المعادلة السياسية.

لكن غالبًا ما يُغفَل في هذا النقاش هو البُعدُ الاقتصادي. فالدولة التي تعجزُ عن توحيد فضائها الأمني، تعجزُ تلقائيًا عن جذب الاستثمار. فشركاتُ الطاقة، والبنى التحتية، والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية، لا تنظرُ فقط إلى الخرائط السياسية، بل إلى استقرارِ المجتمعات المحلّية، وقابلية المناطق للإدارة المُستدامة. السيطرة على حقول النفط في دير الزور، على سبيل المثال، لا تكتسبُ معناها الحقيقي إلّا إذا كانت جُزءًا من منظومةٍ وطنية مستقرّة، لا من صراعٍ مفتوح يُهدّدُ الإنتاج وخطوط الإمداد.

الأمرُ ذاته ينطبق على الجنوب والساحل. فلا يمكن الحديث عن إعادة إعمار، أو عن تحويل سوريا إلى ساحةِ جذبٍ استثماري عربي وإقليمي ودولي، في ظل شعور مكوّنات أساسية بأنها خارج المعادلة، أو مُهَدَّدة في أمنها ووجودها. المستثمر لا يبحث فقط عن الموارد، بل عن دولةٍ قادرة على إدارة التنوُّع ومنع الانفجار الاجتماعي، لأنَّ أيَّ شرارةٍ طائفية تعني خسائر فورية وطويلة الأمد.

من هنا، تكتسبُ خطوات دمشق الأخيرة، كمرسوم الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، دلالةً تتجاوز بُعدَها السياسي المباشر. فهي محاولة –حتى وإن جاءت متأخِّرة– للقول إنَّ الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنَّ دَمجَ المكوّنات هو شرطٌ للاستقرار الاقتصادي بقدر ما هو شرطٌ للوحدة الوطنية. غير أنَّ هذه الخطوات ستبقى ناقصة إذا لم تُستكمَل بمقاربة مماثلة تجاه الدروز والعلويين، تقوم على الطمأنة، والمشاركة، والمساءلة، لا على إدارة الأزمات عند انفجارها.

الخلاصة أنَّ سوريا اليوم تقف أمام معادلة دقيقة: لا استقرارَ أمنيًّا بلا اندماجٍ سياسي، ولا اندماجَ سياسيًّا بلا عقدٍ وطنيٍّ شامل، ولا قيامَ لهذا العقد من دونِ اقتصادٍ قادرٍ على استيعابِ الجميع. حلب كانت الإنذار، والسويداء والساحل هما الاختبار التالي. أما الاستثمار، فهو الحكم النهائي الذي سيكشف ما إذا كانت الدولة السورية الجديدة قد نجحت في التحوُّل من سلطةٍ انتقالية إلى دولةٍ قابلة للحياة.

Exit mobile version