كابي طبراني*
مع بدايةِ العام 2026، يترسَّخُ انطباعٌ لدى دوائر سياسيّة وإعلاميّة في واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم الإقليمية مفاده أنَّ ما يُسمّى بـ”محور المقاومة” قد خرجَ من حرب العام 2025 مُثقَلًا بالهزائم، فاقدًا القدرة، أو في أحسن الأحوال موضوعًا تحت الاحتواء. فبعدَ حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وأميركا ووإيران في حزيران (يونيو) الماضي، وتراجُعِ وتيرة الاشتباكات في غزة ولبنان والبحر الأحمر وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، خَيَّمَ هدوءٌ نسبي على ساحاتِ التماس. غير أنَّ هذا الهدوءَ لا يَعكِسُ انكسارًا أو هزيمةً كُلِّية بقدرِ ما يخفي تحوُّلًا استراتيجيًا عميقًا في طريقة إدارة إيران لأدواتِ نفوذها الإقليمي.
ما نَشهَدُهُ اليوم ليس نهايةَ “محور المقاومة”، بل انتقاله إلى مرحلة “الكمون الاستراتيجي”. فطهران، ومعها “حزب الله” في لبنان، و”الحشد الشعبي” في العراق، والحوثيون في اليمن، أعادت قراءةَ نتائج المواجهة الأخيرة وخرجت باستنتاجٍ أساسي: الكلفة المُباشِرة للتصعيد العسكري المفتوح باتت أعلى من جدواه، في حين أنَّ الصمودَ طويل الأمد، المَبني على الاقتصاد والحَوكَمة المحلّية والشرعية الاجتماعية، هو الطريق الأنجع للحفاظ على النفوذ.
من هنا، تَحَوَّلَ المحور من نموذجٍ مركزيٍّ قائمٍ على القيادة المباشرة والاشتباك المُتواصِل، إلى شبكةٍ أكثر تفكُّكًا وأقل وضوحًا، لكنها في المقابل أكثر قدرةً على التكيُّفِ والبقاء. لم يَعُد النفوذُ الإيراني يُقاسُ بعدد الصواريخ المُطلَقة، بل بمدى تغلغل الأذرع والوكلاء في الاقتصاد المحلي، ومؤسّسات الدولة، وشبكات الخدمات، وإعادة الإعمار.
في هذا السياق، برزت “الاقتصادات الرمادية” كأداةٍ مركزية لإعادة بناء المحور. فالعقوبات، بدل أن تُضعِفَ إيران وحلفاءها، دفعتهم إلى تطويرِ منظوماتٍ مالية مُوازِية تعتمدُ على تهريب النفط، وشركات الواجهة، والعملات الرقمية، وعقود الإعمار، والأنشطة شبه القانونية. وفي لبنان، تحوّلت عملية إعادة الإعمار في مناطق نفوذ “حزب الله” إلى وسيلةٍ مزدوجة: استعادة القاعدة الشعبية من جهة، وتثبيت بُنية اقتصادية–أمنية مُكتَفية ذاتيًا من جهة أخرى. وفي العراق، جرى دَمجُ فصائل مُسلّحة ضمن الدولة عبر العقود والمشاريع، لا عبر المواجهة. أما في اليمن، فقد نجح الحوثيون في تحويل السيطرة الجغرافية إلى مَورِدٍ مالي دائم.
هذا التحوُّلُ الاقتصادي ترافَقَ مع إعادةِ صياغةٍ إيديولوجية لخطاب “المقاومة”. فبدل التركيز على الانتصار العسكري، باتت طهران تُسَوِّقُ مفهومَ “الصمود” بوصفه النصرَ الحقيقي. الاقتصادُ المقاوم، والإنتاجُ المحلّي، وتحمُّل العقوبات، جميعها أُدرِجَت ضمنَ سردية “الجهاد الاقتصادي”. وهكذا جرى تحويلُ المعاناة إلى فضيلة، والضغطُ الخارجي إلى دليلٍ على صحّة المسار.
هذا الخطابُ لا يستهدفُ الخارجَ فقط، بل الداخل الإيراني أيضًا. فمع تصاعُد التململ الشعبي، الذي تجسّد بمظاهراتٍ احتجاجية، بسبب التضخُّم والبطالة وتراجُعِ مستوى المعيشة، تسعى القيادة الإيرانية إلى إعادةِ تأطير الأزمة باعتبارها ثمنًا ضروريًا للاستقلال والسيادة. ورُغمَ بروزِ أصواتٍ نقدية داخل إيران تُشكِّكُ في جدوى تمويل المحور على حساب الاقتصاد الوطني، فإنَّ الحرس الثوري نجحَ حتى الآن في امتصاصِ هذه الضغوط عبرَ نقلِ كلفةِ المشروع إلى شركاتٍ احتكارية ومؤسّساتِ ظل، بعيدًا من الموازنة العامة والضرائب المباشرة.
على المستوى الدولي، لا يُمكِنُ فصلُ هذا المسار عن الدور المُتنامي لكلٍّ من روسيا والصين. فموسكو وَفَّرَت غطاءً سياسيًا وديبلوماسيًا لإيران بعد حرب 2025، وساهمت في تحييد الضغوط الدولية. أما بكين، فباتت الشريك الأكثر أهمّيةً في إعادة بناء القدرات الإيرانية، سواء عبر التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج أو عبر استمرارِ تدفُّقِ الطاقة والتجارة. هذا الدعم، وإن كان غير مُعلَن في كثيرٍ من الأحيان، يمنحُ طهران هامشَ مناورة أوسع ويُضعِفُ فعالية سياسات العزل الغربية.
كلُّ ذلك يفرضُ على الولايات المتحدة وحلفائها إعادة النظر في مقاربتهم. فسياسة العقوبات وحدها لم تَعُد كافية في مُواجَهةِ شبكةٍ باتت أقل اعتمادًا على الدولة وأكثر اندماجًا في الاقتصادات المحلّية. كما إنَّ الضرباتَ العسكرية الموضعية، مهما بلغت دقّتها، لا تُعالِجُ جوهرَ المشكلة المُتمثّل في بُنية النفوذ الاقتصادية والاجتماعية.
التحدّي الحقيقي في العام 2026 يتمثّلُ في كيفية التعامل مع محورٍ لم يَعُد يُقاتل بالطريقة نفسها، ولا يسعى إلى النصرِ السريع، بل يراهن على الزمن، وتآكل الإرادة الدولية، وتبدُّل الأولوِيّات العالمية. فإيران تعتقدُ أنَّ الوقتَ يعملُ لصالحها، وأنَّ خصومَها أقلُّ استعدادًا لحروبٍ طويلة النفس.
من هنا، فإنَّ قراءةَ المشهد الإقليمي عند مطلع العام الجديد تفرضُ الحذر من وَهم “الاحتواء الناجح”. فالهدوءُ الحالي ليس سلامًا، بل إعادة تَمَوضُع. و”محور المقاومة”، وإن بدا أقل صخبًا، لم يتخلَّ عن أهدافه الاستراتيجية، بل أعادَ ترتيبَ أدواته بما يتناسب مع مرحلةِ ما بعدَ الحرب.
في الشرق الأوسط، غالبًا ما يكون الصمتُ أخطرَ من الضجيج. وما يبدو استراحةً اليوم، قد يكون استعدادًا لجولةٍ مختلفة غدًا.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادرَين من لندن. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabarielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
