تكشف أزمة شركة التكنولوجيا “نيكسبيريا” عن تحوّلٍ جذري في فَهمِ العالم للترابط الاقتصادي؛ فبينما كان يُنظَرُ إليه يومًا كقوة للتكامل والازدهار، صار اليوم أداةً في صراع القوى الكبرى، ومؤشّرًا إلى عالمٍ يتّجه نحو مزيدٍ من الانفصال والتنافُسية الحادة.
ماري غالاغر*
مع اشتدادِ الحربِ التجارية بين الولايات المتحدة والصين خلال هذا الخريف، برزت قصة شركة “نيكسبيريا” (Nexperia) –الشركة الهولندية المملوكة للصين وإحدى الشركات الأكثر كفاءةً لإنتاج الرقائق التقليدية في عالم أشباه الموصلات– كأحدِ أوضحِ الأمثلة على الدراما والتبعات غير المُتَوَقَّعة للتنافُس بين القوى الكبرى. فخلافًا لعمالقة تكنولوجيا قطاع أشباه الموصلات، تُعَدُّ رقائق “نيكسبيريا” عنصرًا محوريًا في صناعة السيارات العالمية، وتعتمدُ عليها علاماتٌ تجارية مثل “هوندا” و”فولكسفاغن”. لكن هذه الرقائق نفسها هي نتاجُ سلسلةِ إنتاجٍ شديدة العَولَمة؛ إذ تُصَنَّعُ في ألمانيا أو المملكة المتحدة قبل أن تُرسَلَ إلى “دونغقوان” في جنوب الصين لاستكمال التجميع والتغليف.
وبالتالي، شكّلت الأزمةُ التي واجهت “نيكسبيريا” هذا الخريف تهديدًا لخنقِ إنتاجِ الرقائق الأساسية في وقتٍ تعيشُ كبريات شركات السيارات الأوروبية حالةُ من عدم اليقين، وهي التي تُكافِحُ أصلًا لمُجاراة التفوُّق الصيني في مجال قطاع السيارات الكهربائية وهيمنته المُتصاعدة على سوق التصدير العالمية. كما كشفت هذه الأزمة عن جانبٍ أعمق: أنَّ مرحلةَ التكامُل الاقتصادي العالمي، التي بلغت ذروتها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتجلّت في سلاسل توريدٍ مُترابطة تربط بين التقنيات والمنتجات والعمالة عالميًا، تُوشِكُ اليوم على الأفول.
تُسهِمُ الهيكليةُ المُعقّدة لشركة “نيكسبيريا” في توضيح أسباب انجرارها إلى قلب المنافسة الجيوسياسية المُتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، سيكونُ من الخطَإِ النظر إلى أزمة الشركة، أو إلى وضع الشركات الأوروبية بوجهٍ عام، بوصفها مجرّدَ خسائر جانبية ناجمة عن هذا الصراع. فالقضيّة تُمثّلُ مؤشّرًا جديدًا إلى تراجُعِ التزام أوروبا بالتجارة الحرة، وبفكرةِ التكامُلِ الاقتصادي العالمي، وبمبدَإِ المنفعة المُتبادَلة. كما يكشفُ مسارُ الأحداث أنَّ مساعي فكّ الارتباط بين الاقتصادات الغربية والصين تمضي وفقَ منطقٍ داخلي يصعبُ كبحه، حتى وإن ترتّبت عليه أكلافٌ اقتصادية كبيرة بالنسبة إلى الشركات والمُستَهلكين على حدّ سواء.
نشأت “نيكسبيريا” في الأصل ضمن تَكتُّلِ فيليبس الهولندي، قبل أن تستحوذَ عليها شركة أشباه الموصلات الصينية “وينغتاك” (Wingtech) في العام 2019. وعلى الرُغم من تزايُدِ المخاوف آنذاك حيال انتقال التكنولوجيا والمعرفة الاستراتيجية الأوروبية إلى جهاتٍ صينية، فإنَّ الصفقة أُقِرَّت في ظلِّ غيابِ آليةٍ أوروبية صارمة لمُراجعة الاستحواذات الأجنبية. وقد جرى لاحقًا التعاطي مع عمليات شراءِ صينية مُشابِهة —مثل استحواذ شركة “ميديا” الصينية على شركة “كوكا” الألمانية المُتَخصِّصة في الروبوتات الصناعية— بوصفها أخطاءً فادحة ناتجة عن نهجٍ أوروبي مُتساهِل سمح بانتقالِ مُلكياتٍ استراتيجية مقابل تعهّداتٍ غالبًا ما كانت ضعيفة من حيث تنفيذها للحفاظ على الملكية الفكرية والوظائف والأصول الصناعية داخل أوروبا.
وفي الفترة المُمتَدّة بين استحواذ 2019 وصولًا إلى العام 2023، تصاعَدَ القلقُ في هولندا بشأنِ كيفية إدارة “وينغتاك” لشركة “نيكسبيريا”، إلى درجةٍ دفعت محكمة هولندية إلى إقالة رئيس الشركة الصيني وسط مزاعم تخصُّ سوء الإدارة. كما ظهرت مخاوف مُشابِهة تتعلّق بأمن التصنيع والتكنولوجيا داخل أوروبا، لا سيما أنَّ مصانع “نيكسبيريا” في ألمانيا والمملكة المتحدة تُمثّلُ آخرَ مواقع إنتاج الرقائق التقليدية المُتبَقِّية في القارة العجوز.
تعزّزت المخاوف الأوروبية من فقدان التكنولوجيا و”السيادة الصناعية” في الوقت الذي شدّدت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس جو بايدن آنذاك، القيودَ على الشركات الصينية، فأَدرَجَت شركة “وينغتاك” على قائمة الكيانات المحظورة في كانون الأول (ديسمبر) 2024. وبحلول حزيران (يونيو) 2025، وَجّهَت واشنطن تحذيرًا للحكومة الهولندية بأنَّ التوسُّعَ المُزمع في تلك القائمة قد يُطاوِلُ “نيكسبيريا” ما لم تُدخل تعديلات على هيكلية الشركة وطريقة إدارتها. وفي أيلول (سبتمبر)، أعلنت وزارة التجارة الأميركية رسميًا عن ذلك التوسّع، الذي شمل جميع الشركات التابعة لكياناتٍ مُدرَجة عندما تبلغُ مُلكية الشركة الأم 50% أو أكثر.
وفي اليوم التالي مباشرة، انتقلت الحكومة الهولندية إلى فَرضِ سيطرتها على “نيكسبيريا” بالاستناد إلى قانون “توافر السلع” الصادر في العام 1952—وهو تشريعٌ استُحضِرَ من زمن المنافسة الاستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، ولم يسبق اللجوءُ إليه. وقد أثار هذا التحرُّك غضب الصين، التي ردّت بفرضِ قيود تصدير على بعض المنتجات النهائية المخَرَّجة من مصانع “نيكسبيريا” في الصين، مما وضع صناعة السيارات الأوروبية تحت تهديدٍ فعلي بالشلل.
وبصورةٍ مشابهة لمسار الحرب التجارية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، ظهرت بوادرُ هدنة حول قضية “نيكسبيريا” بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية أواخر تشرين الأول (أكتوبر). فقد عَلّقت واشنطن العمل بتوسيع قائمة الكيانات المحظورة لمدة عام، فيما أوقفت الحكومة الهولندية استخدام قانون 1952. ومع ذلك، ما يزال الانقسامُ قائمًا بين الفرعين الأوروبي والصيني ل”نيكسبيريا”، ولا يزال قرارُ عزل رئيس الشركة الصيني نافذًا لارتباطه بحكم قضائي هولندي مستقل.
وبالتالي، لا تزال نهاية هذا النزاع غير محسومة، إلّا أنَّ آثارَهُ مُرشَّحة للاستمرار طويلًا. فقد أصبحت الاستثمارات الصينية في أوروبا والولايات المتحدة أكثر حساسيةً وتعقيدًا، بينما امتدّت معركة النفوذ التكنولوجي—التي انصبّت سابقًا على أحدثِ شرائح “إنفيديا” (Nvidia)—لتشمل آخر معاقل الرقائق التقليدية في أوروبا.
مع أنَّ كثيرًا من التغطيات الإعلامية ركّزت على دورِ التنافس الأميركي–الصيني في تفجير أزمة “نيكسبيريا”، فإنَّ هذا التركيز يغفل جانبًا مُهمًّا يتعلّقُ بإحباط القادة الأوروبيين وسعيهم المُتأخّر إلى حمايةِ أصول القارة التكنولوجية. فالقضية، وإن كانت تُبرِزُ بوضوح تأثيرَ الصراع بين واشنطن وبكين على الشركات التي تمتد مصالحها واستثماراتها عبر الجانبين، فإنها جُزءٌ من صحوةٍ أوروبية متأخّرة لإدراك أنَّ الترابُطَ الاقتصادي العالمي استُخدِم كسلاحٍ خلال العقد الماضي. ومع ذلك، ورُغمَ الندم الذي يُخيِّمُ على العواصم الأوروبية بشأنِ قراراتٍ اتُّخِذَت في ذروة العولمة، فإنَّ التراجعَ عنها الآن يبدو مهمّة شديدة الصعوبة.
وقد أظهَرَ أحد التحليلات أنَّ استحواذَ “وينغتاك” على “نيكسبيريا” يُشبِهُ إلى حدٍّ لافت فقدانَ شركة “جنرال موتورز” قدرتها على تصنيعِ المعادن النادرة داخل الولايات المتحدة. فالحكومة الهولندية كانت لديها هواجسها الخاصة بشأنِ مستقبل مصانع رقائق “نيكسبيريا” في أوروبا قبل أن يبدأ توسيعُ إدارة ترامب لقائمة الكيانات المحظورة. ورُغمَ أنَّ الحدثَين بلغا ذروتهما في توقيتٍ واحد تقريبًا وبصورةٍ دراماتيكية، يبقى من المرجّح أن يتجدَّدَ النزاعُ حول مستقبل صناعة أشباه الموصلات في أوروبا عاجلًا أم آجلًا.
وعلى غرارِ استحواذِ شركة “ميديا” الصينية في 2016 على “كوكا”، عملاق الروبوتات الصناعية في قلب الصناعة الألمانية، تعودُ اليوم عمليات الاستحواذ الصينية التي شكّلت نقطةَ تحوُّلٍ خلال العقد الماضي إلى الواجهة عبر تداعياتها على استقلالية أوروبا الاقتصادية واستراتيجيتها الصناعية. فقد اعتمدت شركات مثل “ميديا” و”وينغتاك” على هذه الاستحواذات لبناءِ قطاعاتٍ حيوية داخل الصين، والاستحواذ على المُلكية الفكرية الضرورية، وتعزيز دور البلاد باعتبارها حلقة أساسية في شبكاتِ التصنيع العالمية.
أكثر ما يَلفُتُ في أزمة نيكسبيريا أنها دفعت جميع الأطراف إلى تعزيزِ منطقِ الانفصال وتفكُّك الاقتصاد العالمي. فالولايات المتحدة تُواصِلُ استثمارَ قوة الدولار في المنظومة المالية الدولية لفَرضِ ضوابط التصدير والعقوبات خارج حدودها، فيما لجأت هولندا إلى قانونٍ منسي يعود إلى زمن الحرب الباردة للسيطرة على “نيكسبيريا”. أما الصين، فاعتمدت على ثقلها الصناعي لإظهارِ قدرتها على التأثير وذَكّرَت مرة أخرى بامتلاكها العديد من نقاطِ الاختناق في الاقتصاد العالمي. وعلى الجانب الآخر، أظهرت الانقسامات الداخلية داخل “نيكسبيريا” كيف يمكن للنزعات القومية أن تُمزّقَ شركة متعددة الجنسيات رُغمَ نجاحها.
وتبقى الأسئلة المفتوحة أكثر من الإجابات: هل سيَتمكّنُ المحامون من إعادةِ جَمعِ أوصال نيكسبيريا؟ أم ستنتهي الشركة إلى انقسامٍ فعلي بين كيانٍ أوروبي وآخر صيني؟ وإن استعادت أوروبا سيطرة كاملة على عمليات الشركة داخل حدودها، فكيف ستُحافظُ على الإنتاج وهي محرومة من النشاطات الصينية التي تُشكّلُ أكثر من 70% من إجمالي تصنيعها؟ تكشفُ هذه التساؤلات كيف تتسارَعُ وتيرةُ فكِّ الارتباط مع تزايد وعي الدول بمخاطر الاعتماد المُتبادَل—حتى في وقتٍ لم تَستَعِدّ أو تتهيَأ الولايات المتحدة ولا أوروبا للتخلّي اقتصاديًا عن التصنيع الصيني.
- ماري غالاغر هي عميدة كلية “كيو” للشؤون الدولية في جامعة نوتردام، ولاية إنديانا، الولايات المتحدة.
- كُتِبَ هذا المقال أصلًا بالإنكليزية وعرّبهُ إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
