لم تَعُد المنافسة على النفوذ المالي والسيطرة النقدية تدور فقط حول أسعار الفائدة واحتياطيات الذهب، بل باتت العملات المستقرّة الرقميّة في قلب هذه المعركة. فمع تشريع الولايات المتحدة لإصدار عملات مستقرة مدعومة بالدولار عبر البنوك، يتقدّم الدولار خطوة إضافية نحو ترسيخ هيمنته العالمية، بينما تجد الصين نفسها أمام تهديدٍ استراتيجي يُقوّض محاولاتها لبناء نظام مالي بديل قائم على الرنمينبي.
زونغيوان زوي ليو*
لم تَعُد السيطرة على حركة الأموال حكرًا على الحكومات وحدها. فاليوم، أصبحت البرمجيات والشبكات الإلكترونية والبروتوكولات قادرةً على إدارةِ إنشاء الأموال وحفظها وتحويلها، بعيدًا من سلطة أي دولة. ويأتي قانون “GENIUS Act” الأميركي ليكرّس هذا التحوّل، إذ يضع إطارًا للبنوك الأميركية المُصَرَّح لها لإصدار عملاتٍ مستقرّة مدعومة بالدولار. هذه العملات هي رموز رقمية قيمتها دائمًا قريبة من دولار واحد، لأنها مغطّاة باحتياطيات نقدية حقيقية أو أصول آمنة.
ما يُميّز هذه العملات أنها تنتقل بسرعة عبر الإنترنت، متجاوزةً في كثير من الأحيان النظام المصرفي التقليدي وقواعد “إعرف عميلك”. ويعمل العديد من هذه الشركات على شبكات “بلوكتشاين” (blockchain) اللامركزية حيث يتم تسجيل المعاملات في دفاتر عامة تحتفظ بها شبكات كمبيوتر مُوزَّعة تمتد في جميع أنحاء العالم – ما يجعلها بعيدة من الرقابة المباشرة لأيِّ سلطة.
وبهذا يتم إزالة أكبر عقبة تُعيق تطوير العملات المستقرّة: عدم وجود ربط موثوق تمامًا. تاريخيًا، افتقر مُصدّرو العملات المستقرّة إلى الموارد المالية الكافية للحفاظ على ربط عملاتهم بالدولار الأميركي بشكلٍ موثوق، ولم يحصلوا على دعم سيولة من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، على عكس البنوك. ونتيجةً لذلك، نادرًا ما كانت العملات المستقرّة تُلبّي اسمها: فقد انهار العديد منها تمامًا، بينما فكّت عملات أخرى ارتباطها بالدولار بشكلٍ مُتكرّر، حيث تمَّ تداولها بأقل من قيمتها الاسمية البالغة دولارًا واحدًا خلال فترات التقلّب.
ومع ذلك، ومع إمكانية ضمان البنوك استرداد العملات المستقرّة مقابل الدولار بنسبة 1:1، ستصبح هذه الرموز مُكافئة وظيفيًا للأصول المالية الأخرى، مثل الودائع لأجَل أو الأوراق التجارية، المُعترف بها بالفعل “كمُكافآت نقدية” بموجب معايير المحاسبة الدولية. وتعمل أكبر البنوك الأميركية بالفعل على خططٍ لإصدار عملات مستقرّة.
يتوقع بعض التقديرات أن يدخل ما يصل إلى 1.75 تريليون دولار من العملات المستقرّة الجديدة المدعومة بالدولار التداول خلال السنوات الثلاث المقبلة. إذا حدث هذا، فقد تمتد عواقب هذا التوسُّع إلى ما هو أبعد من حدود الولايات المتحدة، وخصوصًا في الصين. تنظر القيادة الصينية إلى هذه التطورات بقلقٍ بالغ، ولسببٍ وجيه. تُمثل العملات المستقرة الدولارية الصادرة عن البنوك حالة استخدام قوية كشكلٍ من أشكال النقود الرقمية القابلة للتجزئة والبرمجة بلا حدود، والتي تجمع بين القوة الأساسية للدولار -السيولة العالمية- وأمان وإخفاء الهوية اللذين توفّرهما الملكية القائمة على تقنية “بلوكتشاين” (blockchain)، على غرار حيازة الذهب المادي.
بخلاف أشكال النقود التقليدية، فإنَّ العملات المستقرّة بعيدة إلى حد كبير من نطاق ضوابط رأس المال. فهي تتداول بحرية بين المحافظ الرقمية التي يمكن لأصحابها التواجد في أيِّ مكانٍ في العالم، وتستخدم أسماءً مستعارة توفّر مستوى قويًا، وإن كانَ غير قابل للاختراق، من إخفاء الهوية. في حين أنَّ معاملات سلسلة الكتل (البلوكتشاين) عامة بطبيعتها، مما يتيح تحليل البيانات تحديد هوية مالكي المحافظ، إلّا أنَّ هذه المهمة ستزداد صعوبة إذا انتشرت العملات المستقرّة. والنتيجة هي قناة جديدة للمعاملات بالدولار لا تستطيع الدولة الصينية مراقبتها أو تقييدها أو إغلاقها بالكامل.
من وجهة نظر الحزب الشيوعي الصيني، لا تُمثّلُ العملات المستقرّة بالدولار مجرّد قضية اقتصادية مُزعزعة للأمن، بل تُمثّل أيضًا تهديدًا سياسيًا. إحدى ركائز القوة السياسية للحزب هي قدرته على التحكُّم في تدفُّق الأموال وتخصيص رأس المال بشكلٍ تفضيلي باستخدام نظام القمع المالي الصيني. يعتمد هيكل هذا النظام على ضوابط صارمة على رأس المال لاحتجاز رأس مال الشعب الصيني وتحويله إلى البنوك المملوكة للدولة.
إذا لم تَعُد الحكومة قادرةً على مُراقبة الوصول إلى العملات الأجنبية بشكلٍ فعّال، فسوف يتسرَّب رأس المال بشكلٍ مطرد، وسوف ينهار النظام بأكمله الذي يضمن ولاء النخب الصينية للحزب الشيوعي الصيني من خلال منحهم بشكلٍ انتقائي إمكانية الوصول إلى رأس المال الرخيص.
من المرجح أن يتقبّل مجتمع الأعمال الصيني المُوجَّه نحو التصدير استخدام العملات المستقرّة الدولارية الصادرة عن البنوك نظرًا لقدرتها على خفض تكاليف المعاملات الدولية. ومن المتوقع، بعد اكتسابها زخمًا بين الشركات، أن تبدأ العملات المستقرّة الدولارية في إزاحة اليوان في المزيد من المعاملات اليومية – تمامًا كما هو الحال مع تداول الدولار الأميركي المطبوع على نطاقٍ واسع في أجزاءٍ من أميركا اللاتينية. وبينما قد يبدو فقدان السيادة النقدية في الصين تهديدًا بعيدًا، إلّا أنه مع ذلك تهديدٌ وجودي؛ والحزب الشيوعي الصيني يُدرك ذلك.
جادلَ فريق من الباحثين لدى عملاق التجارة الإلكترونية “JD.com” بأنَّ دعمَ الحكومة الأميركية للعملات المستقرّة الصادرة عن البنوك قد يُحفّزُ زيادةً سريعة في استخدامها، مما يعزز هيمنة الدولار في التجارة العالمية. حتى وسائل الإعلام الرسمية الصينية حذّرت من أنَّ استخدامَ العملات المستقرّة الدولارية “من المتوقع أن يزيدَ الطلبَ على سندات الخزانة الأميركية، ويخفّض أسعار الفائدة، ويعزز مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية”.
بالنسبة إلى بكين، تُهدّدُ العملات المستقرّة المُقوَّمة بالدولار بتقويضِ التقدُّم الذي أحرزته بشقِّ الأنفس في السنوات الأخيرة نحو بناء بنية تحتية مالية قائمة على الرنمينبي، والتي يُمكن أن تُمثّلُ بديلًا من البنية التحتية القائمة على الدولار التي تُسيطر عليها واشنطن. في عالمٍ تُتَداوَلُ فيه العملات المستقرَّة المقوَّمة بالدولار عالميًا، تُخاطرُ بكين بفقدان ليس فقط نفوذها النقدي، بل أيضًا نفوذها السياسي.
هيمنت الصين سابقًا على تداول وتعدين العملات المشفّرة. في العام 2013، أي بعد أربع سنوات من ظهور البيتكوين، تصدّرت البورصات الصينية العالم من حيث أحجام التداول، وارتبطَ سعر البيتكوين ارتباطًا وثيقًا بالأخبار الواردة من الصين. لكن طفرة العملات المشفّرة المُبكِرة لم تدم طويلًا، إذ ازدادَ تشكّك السلطات الصينية في جدوى فوائد هذه الصناعة مقارنةً بمخاطر غسل الأموال والتهرُّب من رأس المال وتسهيل الجريمة المنظمة. في كانون الأول (ديسمبر) 3013، نشرت الجهات التنظيمية الصينية “إشعارًا بشأن منع مخاطر البيتكوين”، والذي حظّر على المؤسسات المالية ومعالجي المدفوعات تقديم خدمات متعلقة بالبيتكوين، ولكنه لم يُحظِّر استخدامَ الأفراد للبيتكوين وامتلاكهم له.
مع مرور الوقت، تطوّر هذا إلى حظرٍ شبه كامل. في أيلول (سبتمبر) 2012، أعلنت الجهات التنظيمية أنَّ جميع الأنشطة المالية المتعلّقة بالعملات المشفّرة غير قانونية، بما في ذلك التداول والمدفوعات وإصدار الرموز وجمع التبرّعات والمشتقّات. وكانت النتيجة النهائية أنه بحلول العام 2021، طُرِدَ معظم قطاع العملات المشفّرة من الصين.
مع ذلك، احتفظ الأفراد بالحق القانوني في امتلاك العملات المشفّرة كمُلكية افتراضية، كما يتضح من خلال العديد من الأحكام القضائية الصادرة في العام 2018 في شنتشن وهانغتشو وشانغهاي. في غضون ذلك، ورُغم تشديد السلطات الصينية قبضتها على العملات المشفّرة تحديدًا، لم تُقيّد استخدام تقنية ال”بلوكتشاين” لأغراضٍ أخرى.
من المفارقات أنَّ القيادة الصينية العليا تبنّت تقنية ال”بلوكتشاين”، معلنةً إياها أولوية استراتيجية وطنية، في الوقت الذي أدانت العملات المشفّرة، أبرز استخداماتها. في جلسة دراسة للمكتب السياسي في العام 2019 حول ال”بلوكتشاين”، وصفها الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنها تقنية أساسية لتحقيق الابتكار المحلي، ودعا إلى زيادة الاستثمار لتسريع تطويرها. وبالمثل، حددت الخطة الخمسية الرابعة عشرة للصين (2021-2025) ال”بلوكتشاين” كصناعة أساسية للاقتصاد الرقمي.
ترفض رؤية الصين لل”بلوكتشاين” صراحةً مبدأ اللامركزية، مُفضّلةً أنظمةً مغلقة طوّرتها شركات التكنولوجيا العملاقة التابعة للدولة، مثل “مجموعة آنت” (Ant Group) (التابعة لمجموعة علي بابا) و”تينسنت” (Tencent) (المالكة لتطبيق وي تشات). وقد ضخّت هذه الشركات موارد كبيرة لتحقيق الأهداف التقنية الاستراتيجية لبكين. ووفقًا لتقرير “كوينكوب لبراءات اختراع البلوكتشاين” لعام 2023، تتصدّر الصين العالم في عدد براءات الاختراع الممنوحة لل”بلوكتشاين” منذ العام 2009، حيث تُمثل حوالي 68% من الإجمالي العالمي.
تُجسّد المبادرات المدعومة من الدولة، مثل شبكة الخدمات القائمة على تقنية “بلوكتشاين” وشبكة “سبارك تشاين” (Spark Chain Network)، إلى جانب منصات مؤسسّية مثل “AntChain” و”TrustSQL” من “Tencent”، هذا النهج المركزي. تتيح هذه الأنظمة للمشاركين المعتمدين مسبقًا العمل ضمن بيئات “بلوكتشاين” تتميز بالشفافية وإمكانية التتبع، مع الخضوع الكامل للرقابة التنظيمية من قِبل إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية.
كان رد الصين الأوّلي على التهديد المُتَصَوَّر للعملات الرقمية هو محاولة استباقها من خلال تطوير أول عملة رقمية لبنك مركزي في العالم: الرنمينبي الرقمي، أو “e-CNY”. في العام 2021، نشر بنك الشعب الصيني ورقة بيضاء حول تقدم تطوير “e-CNY” في الصين، والتي سلّطت الضوء على المخاطر التي تُشكّلها العملات المستقرّة الخاصة وضرورة أن يستغلّ البنك المركزي هذه الفرصة بشكلٍ استباقي بعملته الرقمية الخاصة. بدأ الاختبار الأولي لـ”e-CNY” في العام 2020، ومنذ نيسان (أبريل) 2021، أصبح متاحًا على نطاقٍ واسع للجمهور.
ومع ذلك، لا يزال اعتماد “e-CNY” بطيئًا ومخيِّبًا للآمال. وصفت وسائل الإعلام المالية الصينية “e-CNY” بأنه أصبح “وضعًا مُحرجًا” حيث “لا أحد يستخدمه” إلّا إذا كان مصحوبًا بحملة ترويجية حكومية تُقدّم “مظاريف حمراء رقمية” مجانية. على الرُغم من التجارب الحكومية في عشرات المدن والدعم المؤسّسي الكبير، واجه اليوان الصيني الإلكتروني (e-CNY) صعوبةً في إيجاد استخدام يومي للمدفوعات، شأنه شأن البيتكوين والعملات الرقمية الأخرى.
صرّح مو تشانغ تشون، المدير العام لمعهد العملات الرقمية التابع للبنك المركزي، مرارًا وتكرارًا بأنَّ اليوان الصيني الإلكتروني لا يهدف إلى استبدال النقود الورقية أو منافسة خدمات الدفع الأخرى. وبغضِّ النظر عن الغرض منه، فقد تفوّقَت عليه عمليًا إلى حد كبير الهيمنة الراسخة لمنصّات الدفع القائمة على رمز الاستجابة السريعة (QR Code) مثل “WeChat Pay” و”Alipay”.
بخلاف “Alipay” و”WeChat Pay”، اللذان يرتبطان بحساباتٍ جارية وبطاقات ائتمان ويُدرّان إيرادات من الرسوم والبيانات، لا تدرُّ معاملات “e-CNY” أي إيرادات قائمة على الرسوم للبنوك. وقد خلص تقرير صادر عن “S&P Global Ratings” لعام 2024 إلى أنَّ التبنّي الواسع النطاق لـ”e-CNY” قد يُضعف ربحية البنوك. ونتيجةً لذلك، يتعامل العديد من البنوك ومنصات التكنولوجيا المالية مع “e-CNY” كالتزام امتثال أكثر من كونها فرصة عمل. ومع محدودية الإقبال، وضعف الحوافز، وغياب القيمة المُقترحة المُقنعة، لا يزال مستقبل “e-CNY” غامضًا.
فتح هذا الغموض الباب مجددًا أمام تجربة العملات المستقرّة ضمن نطاق السلطة القضائية الصينية، وخصوصًا في هونغ كونغ. في أيار (مايو)، أقرّ المجلس التشريعي في هونغ كونغ مشروع قانون العملات المستقرّة التاريخي، الذي يسمح للكيانات المرخَّصة بإصدار عملات مستقرّة مدعومة بالعملات الورقية، بما في ذلك تلك المرتبطة بدولار هونغ كونغ (المرتبط بدوره بالدولار الأميركي) والرنمينبي الخارجي (CNH). تقع الرقابة والترخيص والتدقيق تحت سلطة هيئة النقد في هونغ كونغ.
تُعدّ هونغ كونغ بمثابة المختبر المالي للصين: فهي مستقلة قانونيًا ومتوافقة سياسيًا، ومتكاملة عالميًا وموالية مؤسّسيًا. وبينما لم تُقرّ الجهات التنظيمية في البرّ الرئيسي علنًا الإطار الجديد، فمن غير المعقول أن تتمَّ مثل هذه الخطوة بدون موافقة بكين. ومن خلال السماح بتجارب العملات المستقرّة القائمة على الرنمينبي الحارجي في هونغ كونغ، يُمكن للسلطات الصينية استكشاف تداول الرنمينبي الرمزي في الخارج مع الحفاظ على ضوابط رأس المال في البر الرئيسي.
من المرجح أن تكون العملة المستقرة المدعومة بالرنمينبي قابلة للتتبع الكامل، ومرتبطة بنظام الهوية الرقمية الصيني مع التحقق من الاسم الحقيقي والتعرّف على الوجه، مما يُمكّن السلطات من مراقبة كل معاملة آنيًا. وبينما يُعزز هذا جهود مكافحة غسل الأموال، فإنه يُشكل أيضًا مخاطر الرقابة المالية الشاملة. في أحسن الأحوال، يسمح ذلك بسياسة اقتصادية كلية دقيقة؛ وفي أسوَإِ الأحوال، يُصبحُ أداةً لفرض الانضباط السياسي وتقييد السلوك الاقتصادي غير المرغوب فيه. بالنسبة إلى بكين، لا تكمن قيمة سلسلة الكتل في اللامركزية، بل في استخدام الرمز (الكود) لتحسين سيطرة الدولة. في هذا النموذج، لا يقتصر المال على كونه وسيلة للتبادل؛ بل يُصبح أداة لتنفيذ السياسة الحكومية وممارسة الرقابة الاجتماعية.
يمكن أن تسمح قابلية برمجة العملات المستقرة للسلطات الصينية بتضمين قيود الاستخدام مباشرةً في العملة نفسها. يمكن تكييف الميزات التي تم اختبارها بالفعل في عملة اليوان الصيني الإلكتروني (e-CNY) – مثل تواريخ انتهاء الصلاحية، وحدود الإنفاق الخاصة بالقطاعات، والقيود الجغرافية – لخدمة أهداف الحكومة. علاوة على ذلك، قد يحدّ الربط الجغرافي من تداول عملة الرنمينبي المستقرة الخارجية ليقتصر على المناطق المرخّصة فقط، مثل هونغ كونغ وغيرها من المراكز المالية، مع ترميز ثابت لحدود المعاملات وأهلية المستخدمين على سلسلة الكتل. سيحافظ هذا على ضوابط رأس المال الصينية مع السماح للعملة المستقرة بالتداول عالميًا. بخلاف اليوان الصيني الإلكتروني (e-CNY)، الذي لا يزال محليًا في المقام الأول رغم طموحاته للاستخدام الدولي، فإنَّ عملة مستقرة خارجية مرتبطة باليوان الصيني الجديد (CNH) قد توسّع نطاق الصين المالي العالمي بدون تعريض حساب رأس مالها لمخاطر التدفقات الخارجية.
يتزايد الزخم بين الباحثين والشركات التي تدعو بكين إلى إصدار عملة مستقرة مدعومة بالرنمينبي لمواجهة تأثير عملات الدولار المستقرة بشكلٍ استباقي. وبالفعل، تخطط كلٌّ من “JD.com” ومجموعة “Ant Group” التابعة لـ”Alibaba” لإصدار عملات مستقرة مدعومة بدولارات هونغ كونغ. وقد حثَّ وانغ يونغلي، نائب رئيس بنك الصين السابق، الحكومة علنًا على النظر في إطلاق عملة مستقرّة خارجية بالرنمينبي لاستعادة ريادتها السابقة في الأصول المشفّرة والمدفوعات الرقمية. وفي مؤشّر واضح، لم تُسكت الحكومة أيًا من هذه المقترحات.
لا تنوي الصين اتباع نهج الولايات المتحدة في العملات المشفّرة اللامركزية التي لا تتطلّب ترخيصًا، والتي تُجرى معاملاتها بأسماء مستعارة. بل إنها مستعدة لحشد مواردها الكبيرة لدعم نموذجٍ نقدي رقمي منافس – نموذج مصمم لتعزيز سيطرة الدولة، لا لتخفيفها. في حين سعت العملات المشفّرة المبكرة، مثل البيتكوين، إلى تفكيك السلطة، فإنَّ هدف بكين هو بناء بنية نقدية رقمية تُشفّرها وتُطبّقها. بالنظر إلى وفورات الحجم والآثار الإيجابية للشبكة التي تُحفّز التبنّي، قد تكون المنافسة على مستقبل النقود الرقمية منافسةً حامية. تخشى بكين أن تكون واشنطن هي المسيطرة حاليًا، لكن الصينيين يعرفون كيف يلحقون بالركب – وبسرعة.
- زونغيوان زوي ليو كاتبة عمود في مجلة فورين بوليسي، وزميلة موريس ر. غرينبرغ لدراسات الصين في مجلس العلاقات الخارجية. أحدث كتبها هو “الصناديق السيادية: كيف يُموّل الحزب الشيوعي الصيني طموحاته العالمية” (مطبعة جامعة هارفارد، 2023).
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.