مستقبل الدولار في الخليج… هَيمَنةٌ مُستمرّة أم بدايةُ تحوُّلٍ نقدي؟

بعد نحو نصف قرن من اعتماد الدولار الأميركي ركيزة للاستقرار النقدي، تواجه دول الخليج تحولات اقتصادية وتجارية ومالية تطرح تساؤلات جديدة بشأن مستقبل ارتباط عملاتها به. فالصين أصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا للمنطقة، ومشاريع التنويع الاقتصادي تزيد الحاجة إلى تمويل طويل الأجل، فيما تكشف التوترات الجيوسياسية حدود الاعتماد على نظام مالي دولي تتمحور مؤسساته حول العملة الأميركية. مع ذلك، لا يزال الدولار يتمتع بمزايا يصعب تعويضها. فهل تتجه الاقتصادات الخليجية نحو تقليص اعتمادها عليه، أم أنَّ التحوُّلات الجارية ستُغيّر بعض وظائفه من دون أن تُنهي هيمنته؟

تجربة الكويت في ربط الدينار بسلة عملات تُجسّد خيارًا خليجيًا لتنويع المخاطر النقدية، مع الحفاظ على الاستقرار ودور الدولار في الاقتصاد.

راغب الشيباني، عمّار الحلّاق، وعلي الشعلان*

لم يعد مستقبل الدولار الأميركي في الخليج مسألة تتعلق بالعملة المستخدمة في تسعير النفط أو الاحتفاظ بالاحتياطيات الأجنبية فحسب، بل أصبح جُزءًا من نقاشٍ أوسع بشأن قدرة الأنظمة النقدية القائمة على مواكبة التحوُّلات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. فالدول الخليجية التي اختارت ربط عملاتها بالدولار في ظروفٍ اتسمت بالاعتماد الكبير على صادرات الطاقة وتراكم الفوائض المالية، تعمل اليوم على بناء قواعد إنتاجية أكثر تنوُّعًا، وتوسيع استثماراتها في الصناعة والسياحة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وتعزيز علاقاتها التجارية والمالية مع آسيا. وتفرض هذه التحوُّلات مُتطلّبات جديدة على السياسات النقدية وأسواق التمويل، من دون أن تلغي المزايا التي يوفّرها الاستقرار المرتبط بالعملة الأميركية.

على مدى عقود، ساعد ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار على الحد من تقلّبات أسعار الصرف، وتعزيز الثقة بالأنظمة المصرفية، وتسهيل التجارة والاستثمار، وتوفير مرجعية واضحة للسياسات النقدية. وكان هذا الاختيار مُنسجمًا مع طبيعة اقتصاداتٍ تحصل على معظم إيراداتها الخارجية من صادرات النفط والغاز المُسَعَّرة بالدولار، وتعيد استثمار جانب مهم من فوائضها في الأسواق المالية الدولية، ولا سيما الأميركية. لكن انتقال مركز الطلب العالمي على الطاقة نحو آسيا، واتساع القطاعات غير النفطية، وتزايد احتياجات التمويل المحلي، جعل العلاقة بين الدولار والمصالح الاقتصادية الخليجية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه عندما كان تصدير الطاقة وتراكم الاحتياطيات يُمثّلان المحور الأساسي للنشاط الاقتصادي.

لا تعني هذه التغيّرات أنَّ التخلي عن الدولار أصبح خيارًا وشيكًا، أو أنَّ اليوان الصيني بات قادرًا على الحلول محله في النظام النقدي الخليجي. فالعملة الأميركية لا تزال تحتفظ بموقعٍ مهيمن في أسواق التمويل والاحتياطيات والتسويات الدولية، وتوفّر من السيولة وعمق الأسواق والثقة المؤسسية ما يصعب على العملات المنافسة تعويضه في المستقبل المنظور. غير أنَّ استمرار هذه الهيمنة لا يعني بالضرورة بقاء الاعتماد الخليجي على الدولار بالشكل نفسه، إذ يمكن أن تتوسّع استخدامات العملات المحلية والآسيوية في التجارة والتمويل، بينما تظل العملة الأميركية المرجع الرئيسي لأسعار الصرف والاحتياطيات.

من هنا، فإنَّ السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بموعد انتهاء ارتباط العملات الخليجية بالدولار، بل بمدى قدرة دول المنطقة على تطوير أنظمتها المالية والنقدية بحيث تستفيد من الاستقرار الذي يوفره، مع تقليص المخاطر الناجمة عن الاعتماد الحصري عليه في بعض المجالات. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، وما تفرضه من تحديات تتعلق بأمن الطاقة والتجارة وتدفقات رؤوس الأموال والوصول إلى السيولة الدولية.

هيمنة الدولار أمام تحوّلات الاقتصاد الخليجي

تستند قوة الدولار في الخليج إلى عوامل اقتصادية ومالية تتجاوز العلاقات السياسية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فأول هذه العوامل هو الدور الذي تؤديه العملة الأميركية في أسواق الطاقة العالمية، حيث لا تزال الأسعار المرجعية الرئيسية للنفط مُقَوَّمة بالدولار، كما تعتمد تجارة الغاز الطبيعي المسال بدرجات واسعة على عقود وتسويات مرتبطة به. وعندما تكون الإيرادات الخارجية الرئيسية للدولة مُقوَّمة بالدولار، فإنَّ تثبيت سعر صرف العملة المحلية مقابله يحدُّ من تقلّب القيمة المحلية لهذه الإيرادات، ويساعد على إعداد الموازنات العامة وإدارة الإنفاق والاحتياطيات الأجنبية. ويكتسب هذا الاستقرار أهمية خاصة في الاقتصادات التي لا تزال إيرادات الطاقة تمثل فيها مصدرًا أساسيًا للعملات الأجنبية وتمويل المالية العامة.

أما العامل الثاني فيتمثل في الموقع الاستثنائي للدولار داخل النظام المالي العالمي. فمكانته لا تعتمد فقط على استخدامه في تسعير النفط أو تسوية التجارة، بل على شبكة واسعة من أسواق السندات والودائع والقروض والمشتقات المالية وأنظمة المدفوعات الدولية. وتوضح بيانات بنك التسويات الدولية أنَّ متوسط التداول اليومي في سوق الصرف الأجنبي العالمية بلغ نحو 9.6 تريليونات دولار في نيسان (أبريل) 2025، وكان الدولار طرفًا في 89.2 في المئة من المعاملات، مقارنة بنحو 8.5 في المئة لليوان الصيني. كما أظهرت أحدث بيانات صندوق النقد الدولي، المنشورة في 30 أيلول (سبتمبر) 2026، أنَّ حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية بلغت 56.70 في المئة في الربع الثاني من العام الجاري، مقابل 20.60 في المئة لليورو و2.11 في المئة لليوان الصيني. ورغم تراجع حصة العملة الأميركية على المدى الطويل، فإنَّ هذه الأرقام تؤكد استمرار الفجوة الكبيرة بينها وبين العملات المنافسة، وتوضّح أنَّ التحوُّلات في التجارة الدولية لم تُحدِث حتى الآن تغييرًا مماثلًا في هيكل الاحتياطيات العالمية.

وتفسر هذه الفجوة جانبًا مهمًا من استمرار جاذبية الدولار بالنسبة إلى الاقتصادات الخليجية. فالصين تمتلك اقتصادًا ضخمًا وشبكة تجارية واسعة، لكنها لا توفر حتى الآن بديلًا متكاملًا من الأسواق المالية الأميركية من حيث حرية حركة رؤوس الأموال وعمق أسواق الأصول الآمنة والسيولة الدولية. كما أنَّ استبدال الدولار في بعض المعاملات التجارية لا يعني تلقائيًا الاستغناء عنه في تمويل الشركات أو إدارة الاحتياطيات أو التحوُّط من مخاطر أسعار الصرف. فالنظام المالي العالمي يقوم على علاقات مترابطة بين أسواق العملات والائتمان والاستثمار، ولا يمكن تغيير مركز ثقله بمجرد تعديل العملة المستخدمة في تسوية عدد من الصفقات التجارية.

غير أنَّ استمرار الهيمنة المالية الأميركية يتزامن مع تغيُّرٍ واضح في الجغرافيا الاقتصادية للتجارة الخليجية. فقد أصبحت الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا لدول مجلس التعاون، وتستوعب، إلى جانب اقتصادات آسيوية أخرى، حصة كبيرة من صادرات النفط والغاز الخليجية. وفي المقابل، تتزايد واردات المنطقة من الآلات والمعدات والمنتجات الصناعية والتكنولوجية الآسيوية، بالتوازي مع توسع الاستثمارات المشتركة في الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي. ويخلق هذا التحوُّل مفارقة اقتصادية تتمثل في أنَّ دولًا تتجه تجارتها بصورة متزايدة نحو آسيا لا تزال تربط قيمة عملاتها أساسًا بالدولار الأميركي، بما يجعل أسعار صرفها تتأثر بتحرّكات العملة الأميركية تجاه عملات شركائها التجاريين، حتى عندما تختلف الظروف الاقتصادية الخليجية عن تلك السائدة في الولايات المتحدة.

ويقدم الاتفاق النقدي السعودي–الصيني الموقع في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 مثالًا على الاتجاه نحو تطوير قنوات مالية إضافية للتعامل مع هذه التحوّلات. فقد أبرم البنك المركزي السعودي وبنك الشعب الصيني اتفاقًا ثنائيًا لمبادلة العملات بقيمة تصل إلى 50 مليار يوان صيني، تعادل نحو 26 مليار ريال سعودي، ولمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بموافقة الطرفين. ويهدف الاتفاق إلى تعزيز التعاون المالي وتوفير إطار لتبادل السيولة بالعملتين المحليتين، بما يمكن أن يُسهّل بعض المعاملات التجارية والاستثمارية بين البلدين. وتبرز أهميته في أنه يوفر آلية مؤسسية لتوسيع استخدام الريال واليوان، لكنه لا يشكل قرارًا بوقف استخدام الدولار في التجارة الثنائية، ولا يعني أنَّ صادرات النفط السعودي إلى الصين أصبحت تُسعّر أو تُسدّد تلقائيًا بالعملة الصينية.

ومع اقتراب انتهاء المدة الأصلية للاتفاق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2026، تبرز أهمية متابعة مستقبله، سواء جرى تجديده بالشروط نفسها أو توسيع نطاقه أو اعتماد ترتيبات أخرى. غير أنَّ تقييم أثره الاقتصادي يتطلّب التمييز بين القيمة المعلنة لتسهيلات المبادلة وبين حجم استخدامها الفعلي، إذ لا تُمثل قيمة الاتفاق حجم التجارة التي تمت تسويتها بالعملتين المحليتين. ولا تتوافر بيانات علنية كافية تسمح بتحديد مقدار التحوُّل الذي أحدثته هذه الترتيبات في أنماط التسوية التجارية بين البلدين. كما أنَّ توسيع استخدام اليوان لا يتعارض في حد ذاته مع استمرار ارتباط الريال السعودي بالدولار عند سعر الصرف الرسمي البالغ 3.75 ريالات للدولار، لأنَّ العملة المستخدمة في تسوية التجارة تختلف وظيفيًا عن العملة التي يعتمد عليها المصرف المركزي لتحديد سعر صرف العملة الوطنية.

لا يقتصر هذا الاتجاه على السعودية. ففي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، أعلن مصرف قطر المركزي تمديد اتفاق مبادلة العملات المحلية مع بنك الشعب الصيني، في خطوة تؤكد استمرار تطوير قنوات التعاون النقدي بين الصين ودول الخليج. ويعود الاتفاق القطري–الصيني إلى عام 2014، وقد جرى تمديده مرات عدة منذ ذلك الحين. وتوضح هذه الترتيبات أنَّ توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار يمكن أن يتقدّم بالتوازي مع استمرار ربط العملات الخليجية بالدولار، من دون أن يُشكّل بالضرورة مقدّمة لتغيير أنظمة أسعار الصرف.

تكتسب هذه الفوارق أهمية خاصة عند مناقشة مستقبل “البترودولار”. فثمة اختلاف بين تسعير النفط بالدولار، وتسوية بعض الصفقات بعملات أخرى، واستثمار العائدات النفطية في الأسواق المالية الدولية. وقد تتوسع التسويات باليوان أو العملات المحلية من دون أن تتغير الأسعار المرجعية للنفط، كما قد تستمر المصارف والشركات في الاعتماد على التمويل الدولاري حتى عندما تستخدم عملات أخرى في بعض معاملاتها التجارية. لذلك، فإنَّ انتقال مركز التجارة الخليجية نحو آسيا لا يقود بالضرورة إلى انتقال مماثل في النظام النقدي، لكنه قد يدفع تدريجيًا إلى تنويع أدوات التسوية والتمويل وتقليل الحاجة إلى استخدام الدولار وسيطًا في بعض المعاملات الثنائية.

تزداد أهمية هذا التطور مع تقدم برامج التنويع الاقتصادي. فعندما ترتفع قيمة الدولار مقابل العملات الآسيوية والأوروبية، ترتفع معه العملات الخليجية المرتبطة به، ما يساعد على خفض كلفة بعض الواردات، لكنه قد يضعف القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية والخدمات السياحية والمنتجات الصناعية في الأسواق الخارجية. وعندما يتراجع الدولار، قد تتحسن تنافسية بعض القطاعات الخليجية، لكن فاتورة الواردات المُسَعّرة بعملاتٍ أخرى قد ترتفع. وتختلف أهمية هذه المفاضلة بين الاقتصاد النفطي التقليدي، الذي يعتمد أساسًا على تصدير سلعة عالمية مُسَعّرة بالدولار، والاقتصاد الذي يسعى إلى تطوير صناعات وخدمات قادرة على المنافسة في أسواق متعددة. ومع اتساع القاعدة الإنتاجية غير النفطية، تصبح التغيّرات في أسعار الصرف الحقيقية وتكاليف الإنتاج والتمويل أكثر تأثيرًا في الأداء الاقتصادي.

كلفة الارتباط بالدولار في عالم مضطرب

إذا كانت التحوُّلات التجارية تثير تساؤلات بشأن ملاءمة استمرار الاعتماد الحصري على الدولار، فإنَّ السياسة النقدية الأميركية تكشف كلفة أكثر مباشرة لهذا الارتباط. فحين تختار دولة تثبيت سعر صرف عملتها مقابل الدولار، مع السماح بحرية حركة رؤوس الأموال، تصبح قدرتها على اتباع سياسة نقدية مستقلة محدودة. وللحفاظ على استقرار سعر الصرف، تحتاج المصارف المركزية عادةً إلى تحريك أسعار الفائدة في اتجاهٍ قريب من قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي)، حتى عندما تختلف الظروف الاقتصادية المحلية عن الظروف السائدة في الولايات المتحدة. ولا يمثل هذا الترتيب خللًا في حد ذاته، بل يعكس مفاضلة معروفة بين استقرار سعر الصرف والاستقلال النقدي، لكن كلفته تصبح أكثر وضوحًا عندما تتباعد أولويات النمو والتضخم والاستثمار بين الاقتصادات المرتبطة بالدولار والاقتصاد الأميركي.

وقد برزت هذه المفاضلة خلال دورة التشديد النقدي بين عامي 2022 و2024، حين رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بصورةٍ حادة لمواجهة التضخم في الولايات المتحدة. وانتقلت آثار هذه السياسة إلى معظم الاقتصادات الخليجية، فارتفعت كلفة الاقتراض وتمويل الشركات والمشاريع العقارية والاستثمارات طويلة الأجل. وكان توقيت هذه الزيادات حساسًا بالنسبة إلى دولٍ تعمل على توسيع استثماراتها في الصناعة والسياحة والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، إذ أصبحت مشاريع التحوُّل الاقتصادي تواجه كلفة تمويل أعلى نتيجة قرارات تستهدف معالجة اختلالات الاقتصاد الأميركي، لا متطلبات النمو الخليجي. مع ذلك، لا يمكن النظر إلى ارتفاع الفائدة بوصفه عبئًا خالصًا، لأنه قد يحقق في الوقت نفسه عوائد إضافية على بعض الأصول المالية والاحتياطيات المستثمرة في أدوات الدين.

وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا مع تغير طريقة استخدام الفوائض النفطية. ففي مراحل سابقة، كانت الإيرادات المرتفعة تسمح للحكومات الخليجية بتكوين فوائض مالية كبيرة وإعادة استثمار جانب منها في السندات والأصول الخارجية، بما يجعل ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية مصدرًا محتملًا لزيادة العائد على تلك الاستثمارات. أما اليوم، فتتجه دول خليجية إلى توظيف موارد أكبر داخل اقتصاداتها، بالتوازي مع إصدار أدوات دين لتمويل مشاريع التنمية والتحوُّل الاقتصادي. ويعني ذلك أنَّ ارتفاع الفائدة قد يُحسّن عوائد بعض الأصول، لكنه يرفع أيضًا كلفة الاقتراض وخدمة الدين وتمويل الاستثمارات الجديدة. وتختلف المحصّلة من دولة إلى أخرى وفق حجم أصولها الخارجية واحتياجاتها التمويلية وطبيعة قطاعاتها الاقتصادية، وهو ما يجعل تقييم كلفة الارتباط بالدولار أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة أسعار الفائدة الخليجية والأميركية.

وتضيف الحرب مع إيران والاضطرابات المتواصلة في أسواق الطاقة والملاحة الإقليمية بُعدًا آخر إلى هذه المفاضلة. فتعطل حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والمخاطر التي تواجه البنية التحتية للطاقة تضع الاقتصادات الخليجية أمام تحديات مالية وتجارية متشابكة. وقد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة إيرادات بعض الدول المنتجة، لكنه لا يعوِّض بالضرورة الخسائر الناجمة عن تعطّل الصادرات أو ارتفاع تكاليف الواردات والتمويل. وفي مثل هذه الظروف، تصبح القدرة على الوصول السريع إلى السيولة الدولية عنصرًا حاسمًا في استقرار الأنظمة المالية، وتزداد أهمية الاحتياطيات الأجنبية وترتيبات التمويل الطارئ.

وتكشف هذه الأزمات مفارقة مهمة في مستقبل الدولار. فمن جهة، قد تدفع المخاطر الجيوسياسية الدول إلى تنويع احتياطياتها وتطوير قنوات دفع وتمويل تُقلِّل اعتمادها على النظام المالي الأميركي. ومن جهة أخرى، قد تزيد الأزمات نفسها حاجتها إلى الدولار بسبب دوره المركزي في أسواق التمويل والائتمان والتسويات الدولية. وتبرز هنا أهمية التمييز بين اتفاقات مبادلة العملات المحلية، التي تساعد على تنويع قنوات التمويل والتجارة، وبين ترتيبات السيولة الدولارية التي تتيح الحصول على العملة الأميركية مباشرة عند حدوث اضطرابات مالية. فالأولى يمكن أن تخفف الحاجة إلى الدولار في بعض المعاملات، لكنها لا تحل بالضرورة محل الثانية عندما تكون الالتزامات المستحقة مقوَّمة بالعملة الأميركية.

كما أنَّ استخدام العقوبات المالية وتجميد بعض الأصول السيادية في النزاعات الدولية دفع عددًا من المصارف المركزية إلى إعادة تقييم التوازن بين السيولة والأمان والعائد والمخاطر الجيوسياسية. وفي هذا السياق، اكتسب الذهب اهتمامًا متزايدًا بوصفه أصلًا احتياطيًا لا يرتبط بالتزامٍ مالي صادر عن دولة بعينها، لكنه لا يستطيع أداء الوظائف نفسها التي تؤديها العملات في تمويل التجارة والائتمان والتسويات اليومية. لذلك، فإنَّ تنويع الاحتياطيات لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الدولار، بل تقليل التعرُّض المفرط لنوعٍ واحد من الأصول أو لقنوات تمويل محددة، مع المحافظة على القدرة على تلبية الالتزامات الخارجية في مختلف الظروف.

ولا يعني ارتفاع كلفة الارتباط بالدولار أنَّ فك هذا الارتباط سيمنح المصارف المركزية الخليجية استقلالًا نقديًا كاملًا. فحتى الاقتصادات التي تعتمد أسعار صرف مرنة تتأثر بقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، نظرًا إلى الدور العالمي للدولار في حركة رؤوس الأموال وأسعار الأصول والائتمان الدولي. كما أنَّ انخفاض قيمة العملة المحلية قد يرفع كلفة الواردات الرأسمالية والمواد الوسيطة والسلع الاستهلاكية، بما يحدُّ من المكاسب المحتملة لتحسُّن تنافسية الصادرات غير النفطية. ومن ثمَّ، فإنَّ المفاضلة لا تقوم بين نظامٍ يفرض التبعية النقدية وآخر يحقق الاستقلال الكامل، بل بين ترتيبات مختلفة لتوزيع المخاطر وتحقيق التوازن بين استقرار الأسعار والقدرة على تمويل التنمية ومرونة الاستجابة للصدمات الاقتصادية.

بين استمرار الارتباط وتنويع الخيارات النقدية

تطرح هذه التحوُّلات سؤالًا عمليًا بشأن البدائل المتاحة أمام دول الخليج إذا أرادت مراجعة أنظمة أسعار الصرف أو تقليص اعتمادها الحصري على الدولار. وأحد الخيارات يتمثل في ربط العملة بسلّة من العملات تعكس العلاقات التجارية والمالية للدولة، بدل الاعتماد على الدولار وحده. ويمكن لهذا النظام أن يُخفّفَ أثر التقلبات الحادة للعملة الأميركية مقابل العملات الأخرى، وأن يجعل سعر الصرف أكثر ارتباطًا بالتركيبة الفعلية للتجارة الخارجية. فإذا كانت دولة تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من أوروبا وآسيا، فقد يساعد اعتماد سلة عملات على الحد من التقلبات في كلفة تلك الواردات، وإن كان نجاح هذا الخيار يتوقف على تصميم السلة وأوزان العملات فيها وطبيعة الاقتصاد وقدرة المصرف المركزي على إدارة النظام الجديد.

لدى الخليج تجربة مهمة في هذا المجال تتمثل في الكويت، التي قرر مصرفها المركزي في 20 أيار (مايو) 2007 العودة إلى ربط الدينار بسلة غير مُعلنة من العملات، بعدما كان مرتبطًا بالدولار منذ مطلع 2003. وجاء القرار في ظل تراجع الدولار أمام العملات الرئيسية وما ترتّب عليه من ضغوط تضخّمية وارتفاع في كلفة الواردات. وتوضّح التجربة الكويتية أنَّ اعتماد سلة عملات ممكن عمليًا داخل مجلس التعاون، وأنَّ الانتقال إلى هذا النظام لا يستلزم التخلي عن الدولار في التجارة أو الاحتياطيات. لكنها تظهر أيضًا أنَّ المرونة الإضافية لا تعني التحرُّر الكامل من تأثير العملة الأميركية، خصوصًا إذا احتفظ الدولار بوزنٍ كبير داخل السلة، أو بقيت الإيرادات الخارجية والالتزامات المالية مرتبطة به بصورة واسعة.

غير أنَّ اختلاف البنى الاقتصادية والمالية بين دول الخليج يجعل تعميم التجربة الكويتية أمرًا غير مضمون النتائج. فالسعودية تمتلك اقتصادًا كبيرًا وأصولًا مالية ضخمة، لكنها تواجه احتياجات استثمارية وتمويلية واسعة مرتبطة ببرامج التحوُّل الاقتصادي، ما يجعل أي مراجعة لنظام الصرف مرتبطة بتأثيرها في تمويل المشاريع وثقة المستثمرين وكلفة الواردات الرأسمالية. أما دولة الإمارات، فتتمتع باقتصادٍ أكثر تنوُّعًا واندماجًا في التجارة والتمويل العالميين، وهو ما يزيد تعرُّضها لتحرّكات العملات المختلفة، لكنه يوفّر لها أيضًا قاعدة مؤسسية ومالية مُتقدِّمة لإدارة المخاطر. وفي قطر، يظل الغاز الطبيعي المسال عنصرًا محوريًا في الإيرادات الخارجية، بينما تفرض طبيعة العقود طويلة الأجل وأسواق الطاقة الآسيوية اعتبارات تختلف عن تلك التي تواجهها الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الخدمات والتجارة. وفي المقابل، تبرز لدى سلطنة عُمان ومملكة البحرين أهمية الحفاظ على الاستقرار المالي والثقة النقدية، بالنظر إلى اختلاف أوضاع المالية العامة والاحتياطيات والقدرة على مواجهة الصدمات.

لا تتعلق صعوبة الانتقال إلى نظامِ صرفٍ جديد بالاعتبارات الاقتصادية المباشرة وحدها، بل تشمل أيضًا توقعات الأسواق وسلوك المستثمرين. فإعلان دولة خليجية كبرى نيّتها تغيير نظام صرفها قد يدفع المؤسسات المالية إلى إعادة تقييم مراكزها بالعملات المختلفة، وقد يؤثر في حركة رؤوس الأموال وتوقعات المستثمرين بشأن عملات دول أخرى في المنطقة، حتى لو لم تكن هذه الدول تُخطّط لاتخاذ خطوات مماثلة. لهذا، فإنَّ أيَّ مراجعة مستقبلية ينبغي أن تبدأ بتطوير القدرة المؤسسية على دراسة البدائل واختبار آثارها في التضخّم والتجارة والنمو والاحتياطيات، بدل الإعلان عن تغييرٍ وشيك قبل استكمال الشروط اللازمة لإدارته. كما يتطلّب الانتقال إلى نظامٍ أكثر مرونة وجود أدوات متطورة للتحوُّط من مخاطر العملات، وأسواق دين محلية عميقة، ومؤسسات مالية قادرة على إدارة تقلبات الأسعار والسيولة.

قد يكون تطوير هذه المقوّمات أكثر إلحاحًا من تغيير نظام سعر الصرف نفسه. فكلما تعمقت أسواق السندات المحلية، وتوسّعت أدوات التمويل بالعملات الوطنية، وتحسنت إدارة السيولة والمخاطر، ازدادت قدرة الاقتصادات الخليجية على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية، سواء استمرّت مرتبطة بالدولار أو اختارت ترتيبات أخرى مستقبلًا. وتكتسب هذه الأولويات أهمية إضافية مع اتساع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات المتقدمة والطاقة والبنية التحتية، وهي قطاعات تحتاج إلى تمويل طويل الأجل وقدرة على إدارة مخاطر العملات والفائدة. كما أنَّ توسيع شبكات التسوية بالعملات المحلية يمكن أن يشكّل جُزءًا من هذه البنية المالية الجديدة، بشرط أن يترافق مع أسواقٍ أكثر عمقًا وأدوات فعّالة للتحوُّط وإدارة السيولة، حتى لا يتحوّل تنويع العملات إلى مصدرٍ إضافي للمخاطر بدل أن يكون وسيلةً للحدِّ منها.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يقتصر النقاش بشأن مستقبل الدولار على المفاضلة بين استمرار الربط به أو التخلي عنه، إذ يمكن لدول الخليج أن تحتفظ بأنظمة الصرف القائمة، وأن تعمل في الوقت نفسه على توسيع استخدام العملات المحلية والآسيوية في التجارة والتمويل، وتنويع الاحتياطيات، وتعزيز أسواق الدين المحلية، وتطوير آليات التعاون النقدي فيما بينها. وقد يكون تعزيز التنسيق بين المصارف المركزية الخليجية أكثر أهمية من توحيد أنظمة الصرف نفسها، لأنَّ اتساع حركة رؤوس الأموال والاستثمارات والتجارة البينية يجعل الاستقرار النقدي في كل دولة مرتبطًا بدرجات متفاوتة باستقرار الدول الأخرى. ويمكن أن يؤدي تطوير ترتيبات السيولة الطارئة وتبادل المعلومات بشأن المخاطر إلى تقوية النظام المالي الإقليمي من دون الحاجة إلى تغيير فوري في مرجعيات أسعار الصرف.

وعلى المدى المنظور، تدعم طبيعة أسواق الطاقة وعمق النظام المالي الدولاري واستقرار أنظمة الصرف القائمة استمرار الدولار ركيزة رئيسية للنظام النقدي الخليجي. لكن هذا الاستمرار قد يترافق مع توسُّع تدريجي في استخدام العملات الأخرى في التجارة والاستثمار والتسويات الثنائية، خصوصًا مع تنامي العلاقات الاقتصادية مع آسيا. أما مراجعة أنظمة أسعار الصرف بصورة أوسع، فقد تصبح موضوعًا أكثر أهمية في المدى الطويل إذا تغيّرت بُنية الاقتصادات الخليجية بدرجةٍ جوهرية، وتراجعت أهمية الإيرادات النفطية الدولارية، وتعمّقت الأسواق المالية المحلية، وازدادت قدرة المؤسسات على إدارة مخاطر العملات. ولا تمثل هذه الاحتمالات مراحل حتمية تمرُّ بها جميع دول الخليج، بل مسارات قد تتداخل أو تختلف من دولة إلى أخرى وفق ظروفها الاقتصادية والمالية.

في المحصّلة، لا يمكن فصل مستقبل الدولار في الخليج عن التحوُّل الذي تشهده اقتصادات المنطقة نفسها. فقد ساعد الارتباط بالعملة الأميركية على بناء استقرار نقدي ومالي امتدَّ لعقود، ولا توجد مؤشرات كافية إلى أنَّ التخلّي عنه أصبح ضرورة قريبة أو خيارًا خاليًا من المخاطر. لكن الاقتصادات التي استفادت من هذا الارتباط لم تعد تعتمد فقط على تصدير الطاقة وتراكم الفوائض، بل تسعى إلى توسيع قواعدها الإنتاجية واستقطاب الاستثمارات وتطوير صناعات وخدمات قادرة على المنافسة عالميًا. ومع تقدُّم هذه التحوُّلات، ستصبح ملاءمة النظام النقدي مرتبطة بصورة متزايدة بقدرته على دعم الاستثمار والإنتاج والتجارة، لا بمجرد المحافظة على استقرار سعر الصرف.

ولا يبدو أنَّ مستقبل الدولار في الخليج سيتحدد بقرارٍ مفاجئ لفك ارتباط العملات به، بقدر ما سيتشكل من خلال تغيُّرٍ تدريجي في وظائفه داخل الاقتصادات الخليجية. فقد يحتفظ الدولار بموقعه مرجعًا للاستقرار النقدي وأداة رئيسية للاحتياطيات والتمويل الدولي، بينما تتوسع استخدامات العملات المحلية والآسيوية في التجارة والاستثمار والتسويات الثنائية. وسيعتمد مدى هذا التحوُّل على نجاح التنويع الاقتصادي، وعمق الأسواق المالية، وتطوُّر المؤسسات النقدية، وقدرتها على إدارة المخاطر والصدمات.

لذلك، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام دول الخليج ليس استبدال الدولار بعملة أخرى، بل بناء نظام نقدي ومالي يتيح لها الاحتفاظ بمزايا الاستقرار التي يوفّرها، مع تقليص كلفة الاعتماد الحصري عليه وتوسيع خياراتها الاقتصادية. فمستقبل الدولار في المنطقة لن يتحدّد فقط بقوة العملة الأميركية أو بصعود الصين، بل أيضًا بمدى قدرة الاقتصادات الخليجية على تطوير الأدوات والمؤسسات التي تمنحها مرونة أكبر في عالمٍ تتعدّد فيه مراكز التجارة والتمويل والقوة الاقتصادية.

↑
Exit mobile version