بينما يبدأ لبنان وإسرائيل جولة جديدة من المحادثات، تتزايد الشكوك في أن تكون المفاوضات مدخلًا إلى تسوية، لا وسيلة لتكريس واقع أمني يمنح إسرائيل حرية التحرك في الجنوب ويجعل انسحابها رهينة شروط يصعب تحقيقها.
مايكل يونغ*
يجتمع ممثلون عسكريون عن لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية، لبحث سُبُل تنفيذ ما يُعرف بخطة “المناطق التجريبية” (Pilot Zones)، التي يُفتَرَض أن تتيح للجيش اللبناني المضي في عملية نزع سلاح “حزب الله”. غير أنَّ فرص تحقيق اختراق فعلي في هذه الاجتماعات تبدو ضئيلة، ليس فقط بسبب التعقيدات السياسية والأمنية المحيطة بالخطة، بل أيضًا لأنَّ سلوك إسرائيل منذ بدء المفاوضات لا يوحي بأنها تسعى إلى تسوية تفضي إلى تنفيذها. بل إنَّ ثمّة مؤشرات إلى أنَّ إبقاء العملية التفاوضية قائمة، من دون الوصول إلى نتائج حاسمة، قد يكون أقرب إلى المصالح الإسرائيلية من إنجازِ اتفاقٍ قابلٍ للتنفيذ.
وبحسب التقارير المتداولة، ستتناول المحادثات الجوانب الفنية لخطة “المناطق التجريبية”، وفي مقدمها وضع آلية للتحقق من نزع السلاح والتثبّت من تنفيذ الجيش اللبناني الالتزامات المطلوبة منه. وقد تشمل المناقشات أيضًا الخلاف بشأن تفتيش المنازل الخاصة، التي تقول تقديرات إسرائيلية إنَّ “حزب الله” يحتفظ داخل بعضها بأسلحة ومعدات عسكرية. ويتمسك الجانب اللبناني، في المقابل، بوجود قيود قانونية ودستورية على عمليات التفتيش، ولا سيما أن المادة الرابعة عشرة من الدستور تنصُّ على حرمة المساكن، ولا تجيز دخولها إلّا وفق الأصول والحالات التي يحددها القانون. وهكذا، فإنَّ ما يبدو خلافًا إجرائيًا بشأن وسائل التحقق من نزع السلاح يثير، في جوهره، مسألة أوسع تتعلق بحدود صلاحيات المؤسسات العسكرية والأمنية، ومدى إمكان التوفيق بين الالتزامات السياسية والضمانات الدستورية.
لكن اختزال تعثّر الخطة في هذه المسائل الفنية يحجب العقبة الأساسية التي حالت دون إحراز تقدم منذ توقيع “اتفاق الإطار الثلاثي” بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران (يونيو). فالمشكلة، وفق هذه القراءة، لا تكمن في صعوبة الاتفاق على إجراءات التفتيش والتحقّق بقدر ما تتمثل في امتناع إسرائيل عن الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها، بما يتيح للجيش اللبناني الانتشار والمضي في تنفيذ الخطة. ولا يبدو هذا الموقف مجرّد خلافٍ على ترتيب الخطوات أو توقيتها، بل يعكس توجُّهًا إسرائيليًا أوسع نحو تكريس عقيدة أمنية تمنح إسرائيل حرية التحرك العسكري داخل لبنان، من دون أن تكون مقيدة بالتزامات واضحة تفرضها عليها أي تسوية أو اتفاق.
اتفاقٌ بشروطٍ إسرائيلية… وانسحابٌ بلا ضمانات
من هذا المنطلق، يمكن فهم الموافقة الإسرائيلية على الدخول في المفاوضات مع لبنان في ضوء هدفين متكاملين. أولهما الاستجابة لضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دفعت باتجاه إطلاق المسار التفاوضي، بما يسمح لإسرائيل بإظهار استعدادها للتجاوب مع المبادرة الأميركية. أما الهدف الثاني، والأكثر أهمية على المدى البعيد، فيتمثل في الحصول على وثيقة مكتوبة يمكن الاستناد إليها لتبرير استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، ما دامت الحكومة اللبنانية لم تنفذ الشرط الأساسي المتعلق بنزع سلاح “حزب الله”. وبهذا المعنى، لم تكن المفاوضات، في الحسابات الإسرائيلية، مجرّد وسيلة للوصول إلى تسوية أمنية، بل فرصة لإعادة صياغة الشروط السياسية والقانونية التي تحكم استمرار السيطرة على أجزاء من الجنوب اللبناني.
وتشير حصيلة الأشهر التي أعقبت توقيع الاتفاق إلى أنَّ إسرائيل نجحت، إلى حدٍّ بعيد، في تحقيق هذين الهدفين. فالإدارة الأميركية تواصل دعم الموقف الإسرائيلي، من دون أن تمارس ضغوطًا ملموسة لإلزام إسرائيل بسحب قواتها من الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، أرسى اتفاق حزيران (يونيو) إطارًا يضع معظم الالتزامات العملية على عاتق لبنان، وفي مقدمها نزع سلاح “حزب الله”، من دون أن يقابلها تعهُّد إسرائيلي واضح ومحدَّد بالانسحاب. والأكثر دلالة أن مصطلح “الانسحاب” لا يرد في نصِّ الوثيقة، التي تستخدم بدلًا منه تعبير “إعادة الانتشار” التدريجي خارج الأراضي اللبنانية، من غير أن تحدد جدولًا زمنيًا ملزمًا لإنجاز هذه العملية.
ولا تقتصر أهمية هذا الاختلال على المصطلحات المستخدمة في الاتفاق، بل تتصل بطبيعة الالتزامات التي يُرتّبها على كلِّ طرف. فالإجراءات الإسرائيلية الواردة فيه تبدو مشروطة بخطوات مسبقة يتعيَّن على لبنان تنفيذها، فيما تبقى التعهّدات المقابلة عامة وغير محددة من حيث المضمون والتوقيت. ويعني ذلك، عمليًا، أنَّ استعادة لبنان سيادته الفعلية على الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل تظلُّ مُرتبطة بتحقيق شروط أمنية وسياسية قد لا تملك الحكومة اللبنانية القدرة على استيفائها في الظروف الراهنة. وهكذا، بدل أن يشكل الاتفاق إطارًا لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي، فإنه يترك الباب مفتوحًا أمام استمراره، ويجعل ممارسة لبنان سيادته على أجزاء من أراضيه خاضعة لشروطٍ تفرضها إسرائيل.
تكمن المفارقة الأبرز في أنَّ إسرائيل تدرك، على الأرجح، أنَّ الحكومة اللبنانية لا تملك القدرة السياسية والعسكرية على نزع سلاح “حزب الله” بالقوة من دون تعريض البلاد لمخاطر مواجهة داخلية واسعة. وإذا كان تنفيذ هذا الشرط مستبعدًا في الظروف الحالية، فإنَّ ربط أيّ انسحاب إسرائيلي بتحققه يمنح إسرائيل مبررًا جاهزًا لإطالة أمد وجودها العسكري في الجنوب. وبذلك، قد تتحول العملية التفاوضية، التي يُفترض أن تُمهّد لاستعادة الدولة اللبنانية سلطتها وسيادتها، إلى آلية لإدارة الوضع القائم وإضفاء غطاء تفاوضي عليه، بدل أن تكون وسيلة فعلية لتغييره.
العقيدة الأمنية الجديدة… الحرب بدلًا من السلام
نحن، إذًا، أمامَ اتفاقٍ يُعاني خللًا هيكليًا واضحًا، ومن شأن تعثّر تنفيذه على الأرض أن يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للمضي في تنفيذ أجندتها الأمنية الخاصة في جنوب لبنان. فقد عمدت القوات الإسرائيلية إلى تدمير عشرات القرى ذات الغالبية الشيعية، وإحراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون، فضلًا عن استخدام الفوسفور الأبيض في قصف بعض المناطق، بما ألحق أضرارًا جسيمة بالأراضي الزراعية وجعل استغلالها لزراعة الفاكهة والخضروات بالغ الصعوبة.
ويبدو أنَّ الهدف من هذه الممارسات لا يختلف كثيرًا عن النهج الإسرائيلي في قطاع غزة، والمتمثل في جعل المناطق الحدودية الجنوبية غير صالحة للسكن، بما قد يُمهّد لتحويل الوجود العسكري الإسرائيلي فيها إلى احتلالٍ مفتوح الأمد. ويكتسب هذا التوجُّه دلالة إضافية في ظلّ التحوُّل الجذري الذي طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وجعلها تختلف بصورة جوهرية عن المقاربات التي حكمت السياسة الأمنية لإسرائيل في مراحل سابقة.
وفي مقالٍ أثار نقاشًا واسعًا، نشره “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي، عرض تامير هايمان، المدير التنفيذي للمعهد والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (“أمان”)، ملامح ما اعتبره نهجًا إسرائيليًا جديدًا في التعامل مع التحديات الأمنية، ستكون له انعكاسات مباشرة على السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان.
ويمكن استخلاص خمس خلاصات أساسية من الطرح الذي قدمه هايمان. أولها أنَّ إسرائيل باتت تنظر إلى السلام بوصفه وسيلة لا غاية بحد ذاته، وأنَّ “أيَّ ترتيبٍ مع أطرافٍ عربية هو ترتيب مؤقت ومخادع”. وثانيها أنَّ الدول العربية، وفق هذا التصوُّر، ليست دولًا وطنية متماسكة، بل “مجموعات من مكوّنات عرقية تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية”، الأمر الذي يجعل “تقويض استقرارها يُنظر إليه كعملية طبيعية”.
أما الخلاصة الثالثة، فتتمثل في اعتبار “الحرب عنصرًا جوهريًا للأمن القومي، لا يمكن استبداله بحالة من السلام”. وتتمحور الرابعة حول ضرورة تقليص اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، التي يصفها هايمان بأنها “قوة في حالة تراجع”، ويرى أنَّ التحوّلات التي تشهدها قد تدفعها في نهاية المطاف إلى التخلي عن إسرائيل. وتبرز الخلاصة الخامسة في الدعوة إلى اعتماد استراتيجية “الدفاع المُتقدِّم”، من خلال إنشاء “مناطق دفاعية” تسمح لإسرائيل “بنقل المعركة إلى أراضي العدو في أسرع وقت ممكن”.
ويستند هذا التصوُّر القاتم، الذي عرضه هايمان، إلى خبرته الطويلة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ومعرفته بالفكر الاستراتيجي السائد فيها، وإن لم يكن الوحيد الذي توصّل إلى استنتاجاتٍ مماثلة. وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو من السذاجة افتراض أنَّ تحقيق السلام مع لبنان يشكّل أولوية إسرائيلية. فالأرجح، وفق هذه القراءة، أنَّ إسرائيل تسعى إلى إضعاف جيرانها، ولا سيما لبنان وسوريا، وزعزعة استقرارهم، والإبقاء على مناطق عازلة داخل أراضيهم، مع استمرار حالة الصراع. كما أنها قد لا تتردد في مخالفة التوجّهات الأميركية متى تعارضت مع أولوياتها الأمنية والاستراتيجية.
لهذه الأسباب، لا تبدو التوقعات بتحقيق تقدُّمٍ ملموس في المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية واقعية. ومن هذا المنطلق أيضًا، يبدو موقف لبنان في تجنُّب الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع “حزب الله”، لمجرد الاستجابة للمطالب الإسرائيلية، موقفًا مبررًا. فمع أنَّ سلاح “حزب الله” يمثل بلا شك مشكلة كبرى للبنان، فإنَّ معالجة هذه المشكلة لا يمكن أن تكون على حساب السلم الأهلي، أو من خلال المجازفة بإشعال صراع داخلي لإرضاء إسرائيل، في وقتٍ تُشيرُ سياساتها إلى أنها ماضية في زعزعة استقرار لبنان وتكريس وجودها العسكري على أراضيه.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
