من الجافورة السعودية إلى حقل الشمال القطري والرويس الإماراتي، تواصل دول الخليج الاستثمار في الغاز رغم الضغوط المالية والأمنية التي تفرضها الحرب مع إيران. لكن وراء هذه المشروعات تحوّلًا أعمق: لم يعد الغاز مجرّد مصدرٍ للإيرادات، بل أصبح ركيزةً للأمن الاقتصادي واستقرار الكهرباء والتنافس الصناعي والتكنولوجي، في منطقةٍ تُعيدُ حساباتها بين كلفة الاستثمار ومخاطر انقطاع الإمدادات.
راغب الشيباني، عمّار الحلاق، وسمير خيرالله*
في الوقت الذي تَفرُضُ الحرب مع إيران أعباءً متزايدة على اقتصادات الخليج، وتدفع حكومات المنطقة إلى تخصيص موارد إضافية للدفاع وحماية المنشآت الحيوية وإصلاح البنية التحتية المُتضرّرة، تواصل شركات الطاقة الوطنية الاستثمار في مشروعات الغاز الطبيعي بمليارات الدولارات. وللوهلة الأولى، يبدو هذا التوجُّه مُفارقة اقتصادية: لماذا يستمرُّ الإنفاق على مشروعاتٍ ضخمة وطويلة الأجل، بينما تتعرّض الموازنات العامة لضغوطٍ استثنائية وتزداد المخاطر المحيطة بقطاع الطاقة نفسه؟
لكن هذه المفارقة تكشف تحوُّلًا أعمق في التفكير الاقتصادي والاستراتيجي الخليجي. فالغاز لم يعد مجرّد سلعة تُنتَجُ وتُباع، أو وقود يُستخدم لتوليد الكهرباء، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في حماية النشاط الاقتصادي من الاضطرابات الخارجية، وتقليص الاعتماد على الواردات، وتوفير الطاقة للصناعات الجديدة، فضلًا عن تعزيز قدرة الدول المصدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وتعكس الأرقام هذا التحوُّل بوضوح. فبحسب بيانات مجموعة “كامكو إنفِست” (Kamco Invest)، المستندة إلى قاعدة بيانات “ميد للمشروعات”، ارتفعت قيمة عقود الغاز الممنوحة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال الربع الثالث من عام 2026 بنسبة 59.9%، لتبلغ 13.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 8.4 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.
والأكثر دلالة أنَّ هذه الزيادة جاءت بينما انخفضت القيمة الإجمالية للعقود الممنوحة في مختلف القطاعات الخليجية بنسبة 37.2%، إلى 47.4 مليار دولار. أما خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، فبلغت قيمة العقود الخليجية 204.1 مليارات دولار، بزيادة محدودة نسبتها 2.5% على أساسٍ سنوي.
هذا التبايُن لا يشير إلى أنَّ الاستثمارات الخليجية أصبحت بمنأى عن تداعيات الحرب، بل إلى أن قطاع الغاز يحتل موقعًا متقدمًا في سلَّم الأولويات. فحين تتراجع وتيرة منح العقود في قطاعاتٍ أخرى، يستمرُّ الإنفاق على مشروعات يُنظر إليها باعتبارها ضرورية لاستقرار الاقتصاد وأمن الإمدادات.
غير أنَّ دول الخليج لا تتحرك انطلاقًا من دوافع متطابقة. فالسعودية تريد تقليص استهلاك النفط في توليد الكهرباء وتوفير الوقود لاقتصادٍ أكثر تنوُّعًا، والكويت تسعى إلى الحد من اعتمادها على واردات الغاز، والإمارات تجمع بين الاكتفاء الذاتي والتوسُّع التصديري، بينما تواجه قطر تحديًا مختلفًا يتمثل في حماية مكانتها العالمية في سوق الغاز الطبيعي المسال.
من هنا، فإنَّ السؤال الأساسي لا يتعلق بحجم الأموال التي تُنفق وحده، بل بما إذا كانت هذه الاستثمارات تُعيدُ تعريف العلاقة بين أمن الطاقة والجدوى الاقتصادية في الخليج.
السعودية ودول الخليج: استراتيجيات مختلفة لهدف مشترك
تمثل السعودية أحد أبرز الأمثلة على تغيُّر الدور الاقتصادي للغاز. فالمملكة، التي تستند مكانتها الدولية إلى إنتاج النفط وتصديره، تعمل على زيادة استخدام الغاز في توليد الكهرباء والصناعة، بما يتيح تقليص حرق النفط الخام والمنتجات النفطية محليًا.
ولهذا التحوُّل مردودٌ اقتصادي يتجاوز قطاع الغاز نفسه. فكلُّ كمية من النفط يمكن الاستغناء عن استخدامها في محطات الكهرباء تتيح، من حيث المبدأ، توجيه كميات إضافية إلى التصدير أو إلى صناعات تُحقّق قيمة مضافة أعلى. وبذلك، يصبح الاستثمار في الغاز وسيلة لتعزيز العائد من الثروة النفطية، وليس منافسًا لها.
يحتل مشروع الجافورة موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية. فقد أعلنت “أرامكو السعودية” في شباط (فبراير) 2026 تقدم خططها لتوسيع إنتاج الغاز، بعد بدء الإنتاج في الجافورة وتشغيل معمل الغاز في تناجيب.
وتستهدف الشركة زيادة طاقة إنتاج الغاز المُخصَّص للبيع بنحو 80% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2021. وتقدّر موارد الجافورة بنحو 229 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز الخام، مع استهداف إنتاج ملياري قدم مكعبة يوميًا من الغاز المخصص للبيع بحلول نهاية العقد، إلى جانب الإيثان والسوائل المصاحبة ذات القيمة التجارية المرتفعة.
وتتوقع “أرامكو” أن تسهم استراتيجية التوسُّع في الغاز في توليد تدفقات نقدية تشغيلية إضافية تتراوح بين 12 و15 مليار دولار عام 2030، مع بقاء هذه التقديرات مرتبطة بالطلب المستقبلي وأسعار المنتجات المصاحبة.
لكن الأهمية الاستراتيجية للجافورة تتجاوز هذه الأرقام. فالمملكة تسعى إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جديدة، تشمل الصناعات التحويلية والبتروكيماويات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وهذه القطاعات تحتاج إلى إمدادات كهربائية كبيرة ومستقرة، ما يجعل توافر الغاز المحلي عاملًا مهمًا في قدرتها على النمو والمنافسة.
كما أنَّ التوسُّع في الطاقة الشمسية لا يلغي الحاجة إلى مصادر توليد مرنة يمكن زيادة إنتاجها أو خفضه وفق الطلب. فالغاز يؤدي دورًا مساندًا في استقرار الشبكات الكهربائية، وإن كانت تقنيات التخزين وتطوير شبكات النقل ستظل ضرورية لتقليص الاعتماد عليه تدريجيًا.
مع ذلك، فإنَّ نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على معادلة دقيقة: توفير الغاز بأسعارٍ تشجع الصناعة، من دون أن تتحوّل الأسعار المحلية المنخفضة أو تكاليف التطوير المرتفعة إلى عبء مالي طويل الأجل. كما أنَّ نمو الإنتاج يتطلب تطوير الطلب المحلي والصناعات المرتبطة بالغاز، وتقييم الخيارات التجارية المتاحة لأيِّ فائضٍ مُحتمل.
في هذا الإطار، يشكل مشروع حقل الدرة، الذي تعمل السعودية والكويت على تطويره، بُعدًا إضافيًا في استراتيجية تعزيز الإمدادات المحلية. وقد قدّرت “وود ماكنزي” قيمة تطويره بنحو 13 مليار دولار، مع الإشارة إلى أنَّ المخاطر الجيوسياسية والخلافات الإقليمية قد تؤثر في جداول التنفيذ.
أما الكويت، فتواجه تحديًا مختلفًا. فالبلاد تعتمد على واردات الغاز الطبيعي المسال لتلبية جزء من احتياجاتها، خصوصًا خلال فترات ارتفاع الطلب على الكهرباء. وعندما تتعرّض حركة الشحن للاضطراب، يصبح تأمين الوقود لمحطات التوليد تحديًا اقتصاديًا وتشغيليًا مباشرًا.
لهذا السبب، تتضمن استراتيجية مؤسسة البترول الكويتية حتى عام 2040 هدفًا يتمثل في الوصول إلى إنتاجٍ مستدام من الغاز غير المصاحب يبلغ ملياري قدم مكعبة قياسية يوميًا، بما يساعد على تلبية الطلب الداخلي وتعزيز مرونة قطاع الطاقة.
وتكمن أهمية هذا التوجه في تقليص المخاطر المرتبطة بتعطل الواردات. فحين تضطر دولة نفطية إلى استخدام مزيد من الوقود السائل لتوليد الكهرباء بسبب نقص الغاز، فإنها تتحمل كلفة مزدوجة: زيادة استهلاك النفط محليًا، وتقليص الكميات المتاحة للتصدير.
في دولة الإمارات، تتبنى أبوظبي استراتيجية تجمع بين تعزيز أمن الإمدادات المحلية وتوسيع حضورها في تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ويجسّد مشروع الرويس هذا التوجه. فقد أعلنت “أدنوك” أنَّ المشروع سيضمُّ وحدتَي إسالة بطاقة إجمالية تبلغ 9.6 ملايين طن سنويًا، ومن المقرر أن يبدأ تشغيله التجاري في عام 2028.
وفي تموز (يوليو) 2026، كشفت الشركة أنَّ أكثر من 90% من الطاقة الإنتاجية للمشروع أصبحت مرتبطة بترتيبات بيع طويلة الأجل مع مشترين في آسيا وأوروبا. وهذه نقطة مهمة لأنها تقلّص، وإن لم تُلغِ، مخاطر تسويق الإنتاج الجديد في سوقٍ تتسم بتقلب الأسعار والمنافسة المتزايدة.
تعكس هذه السياسة اختلافًا بين منطق الاستثمار في الغاز للاستهلاك المحلي ومنطق الاستثمار للتصدير. فالمشروع المحلي تُقاس جدواه جُزئيًا بما يوفره من أمن للإمدادات واستقرار للنشاط الاقتصادي، بينما يحتاج المشروع التصديري إلى ضمان مشترين وأسعار وعوائد تسمح باسترداد تكاليفه على مدى سنوات طويلة.
في سلطنة عُمان، تتجه الاستراتيجية نحو تعزيز القدرات التصديرية والاستفادة من البنية التحتية القائمة. فقد أعلنت وزارة الطاقة والمعادن في تموز (يوليو) 2024 خطة لإنشاء خط إنتاج إضافي للغاز الطبيعي المسال بطاقة 3.8 ملايين طن سنويًا، بما يرفع الطاقة الإجمالية إلى 15.2 مليون طن، مع استهداف تشغيل التوسعة بحلول عام 2029.
ويكتسب هذا المشروع أهمية إضافية لأنه يستفيد من المنشآت القائمة في قلهات، ما قد يساعد على تحسين كفاءة الاستثمار وتقليص بعض تكاليف التطوير مقارنة بإنشاء مجمع جديد بالكامل.
تكشف هذه الحالات أنَّ الحديث عن استراتيجية خليجية موحدة للغاز يخفي تباينات جوهرية. فلكل دولة احتياجاتها وموقعها الجغرافي وأولوياتها الاقتصادية، لكن القاسم المشترك بينها يتمثل في ارتفاع القيمة الاستراتيجية للإمدادات الموثوقة.
فقد يكون إنتاج الغاز محليًا أكثر كلفة من استيراده في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح أكثر جاذبية عندما تُحتسب الخسائر المحتملة الناتجة من انقطاع الكهرباء أو توقف المصانع. مع ذلك، لا يعني هذا أنَّ الاكتفاء الذاتي الكامل هو الخيار الأفضل دائمًا؛ إذ يمكن لتنويع المورّدين وتطوير التخزين والربط الكهربائي وتحسين كفاءة الاستهلاك أن يحقق قدرًا مرتفعًا من أمن الطاقة بتكلفة أقل.
قطر: وفرة الغاز لا تحمي من مخاطر الجغرافيا
تختلف المعادلة القطرية عن بقية دول الخليج، لأنَّ الغاز الطبيعي المسال يمثل ركيزة أساسية في اقتصاد البلاد ومكانتها في أسواق الطاقة العالمية.
فقطر تنفذ برنامجًا ضخمًا لتوسعة حقل الشمال، يستهدف رفع الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنويًا إلى 142 مليون طن بحلول نهاية عام 2030، عبر ثلاث مراحل متعاقبة.
وقد أكدت “قطر للطاقة” هذه الأهداف في بياناتها الرسمية، فيما أعلنت وكالة الأنباء القطرية في شباط (فبراير) 2026 منح عقد إنشاء مرافق المرحلة الغربية من حقل الشمال، التي ستضيف وحدها 16 مليون طن سنويًا.
لكن الحرب مع إيران كشفت نقطة ضعف أساسية في نموذج التصدير القطري: فامتلاك احتياطيات ضخمة وقدرات إنتاجية متقدمة لا يضمن استمرار الصادرات إذا تعرضت المنشآت الحيوية أو الممرات البحرية للاضطراب.
وقد انعكست الأزمة بصورة مباشرة على سوق الغاز العالمية. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، كانت الشحنات العابرة لمضيق هرمز تمثل قرابة 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية قبل الحرب، ما جعل اضطراب الملاحة في المضيق صدمة كبيرة للأسواق.
وبين آذار (مارس) وحزيران(يونيو) 2026، انخفضت شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بنحو 35 مليار متر مكعب مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ورغم زيادة إنتاج مناطق أخرى، ولا سيما أميركا الشمالية وأفريقيا، فإنَّ هذه الزيادات عوَّضت نحو ثلاثة أرباع النقص الخليجي فقط، ولم تمنع تراجع المعروض العالمي خلال تلك الأشهر.
والأخطر أنَّ آثار الحرب لا تقتصر على توقف الشحنات مؤقتًا. فقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أنَّ الأضرار التي لحقت بمنشآت الإسالة القطرية قد تؤخر موجة التوسع المتوقعة في المعروض العالمي بما لا يقل عن عامين، مع خسارة تراكمية محتملة تبلغ نحو 120 مليار متر مكعب من الإمدادات خلال الفترة بين 2026 و2030 مقارنة بالتوقعات السابقة للحرب.
في أيلول (سبتمبر)، قدّرت “وود ماكنزي” أنَّ الحرب عطلت نحو 4.5 مليارات قدم مكعبة يوميًا من طاقة معالجة الغاز القطرية، وأنَّ كلفة إصلاح الأضرار قد تصل إلى 5.8 مليارات دولار، مع اختلاف فترات التعافي بين المنشآت.
هذه الأرقام تطرح سؤالًا يتجاوز الحالة القطرية: هل يكفي الاستثمار في زيادة الطاقة الإنتاجية، أم أنَّ حماية المنشآت وضمان استمرار التصدير أصبحتا جزءًا لا يتجزأ من حسابات الاستثمار؟
ففي تجارة الغاز الطبيعي المسال، ترتبط الجدوى الاقتصادية بسلسلة طويلة تبدأ بالاستخراج والمعالجة والإسالة، وتمر بالموانئ والناقلات والتأمين والممرات البحرية، وتنتهي بمحطات الاستقبال لدى المستهلكين. وأيُّ تعطُّل كبير في إحدى هذه الحلقات قد يبدد جانبًا من العوائد المتوقعة، حتى عندما تكون الأسعار العالمية مرتفعة. فارتفاع الأسعار لا يعوّض بالضرورة خسائر المنتج الذي تتوقف منشآته أو تتعطل قدرته على الوفاء بالتزاماته التعاقدية.
من هنا، فإنَّ التحدي القطري لا يتعلق بالتوسُّع وحده، بل بقدرة البلاد على استعادة موثوقية صادراتها والحفاظ على ثقة المشترين الذين يعتمدون على عقود طويلة الأجل.
وتكشف هذه التجربة عن بُعدٍ آخر في أمن الطاقة: فبالنسبة إلى الدول المصدرة، لا يكفي تأمين الإنتاج المحلي، بل يجب أيضًا ضمان وصوله إلى الأسواق. وقد تصبح كلفة حماية منشأة أو ممر بحري عنصرًا حاسمًا في تقييم مشروع استثماري جديد، تمامًا كما هي الحال بالنسبة إلى تكاليف الحفر والإسالة والنقل.
بين كلفة الحرب والمنافسة العالمية: الاختبار الحقيقي للاستثمارات
تضع الحرب الاقتصادات الخليجية أمام مفاضلات مالية أكثر تعقيدًا. فالإنفاق على الدفاع وحماية البنية التحتية وإصلاح المنشآت المتضررة يأتي في وقت تحتاج فيه الدول إلى تمويل مشروعات الطاقة والصناعة والنقل والتحوُّل الرقمي.
كما أنَّ ارتفاع المخاطر الجيوسياسية قد يزيد تكاليف التأمين والاقتراض والمعدات، ويؤثر في حسابات المستثمرين والشركات المنفذة. وكلما طالت الاضطرابات، ازدادت أهمية المفاضلة بين المشروعات التي يمكن تأجيلها وتلك التي يرتبط تنفيذها مباشرة باستمرار النشاط الاقتصادي.
وقد أشار صندوق النقد الدولي، في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في نيسان (أبريل) 2026، إلى أنَّ موجات التوسّع الكبيرة في الإنفاق الدفاعي ترتبط عادة بارتفاع العجز والدين العام وتزايد الضغوط على أولويات الإنفاق الأخرى.
لا تعني هذه النتائج أنَّ جميع دول الخليج ستواجه الضغوط نفسها، لكنها توضّح طبيعة المفاضلات التي تفرضها الأزمات الأمنية الممتدة على السياسات المالية.
وتختلف قدرة دول الخليج على تحمل هذه الضغوط بحسب أوضاعها المالية، واحتياطياتها، ومستويات الدين، وحجم الإيرادات النفطية والغازية.
ففي السعودية، توقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 1.7% خلال عام 2026، مقابل 4.6% في 2025، مع استمرار تأثير اضطرابات التجارة وتراجع النشاط غير النفطي. لكنه أشار أيضًا إلى أنَّ ارتفاع أسعار النفط ساعد على تعويض جزء من خسائر الكميات المصدرة، وأنَّ تحويل مسارات الشحن عبر البحر الأحمر خفف بعض آثار الأزمة.
أما الإمارات، فقد رأى الصندوق أنَّ اقتصادها أظهر قدرة ملحوظة على الصمود بفضل الهوامش المالية المتاحة والاستجابة الحكومية وإعادة توجيه بعض التدفقات التجارية، رغم تأثير الحرب في السياحة والنقل والتجارة والأنشطة غير النفطية.
وهذا التفاوت يفسّر لماذا لا يمكن الحديث عن ضغوط مالية خليجية متجانسة، أو افتراض أنَّ جميع الحكومات ستتعامل مع الاستثمارات الغازية بالطريقة نفسها.
لكن ثمة عاملًا مشتركًا: المشروعات التي تسهم مباشرة في حماية الكهرباء والصناعة قد تحظى بأولوية أعلى من مشروعات أخرى يمكن تأجيلها.
مع ذلك، ينبغي التمييز بين إقرار المشروع وتوقيع العقود والإنفاق الفعلي. فكثير من المشروعات الغازية يستغرق سنوات قبل بدء الإنتاج، وقد تكون قرارات الاستثمار الأساسية اتُّخذت قبل اندلاع الحرب. كما أنَّ ارتفاع قيمة العقود الممنوحة لا يضمن تنفيذها ضمن الموازنات والجداول الزمنية المعلنة، خصوصًا إذا استمرت الاضطرابات أو ارتفعت تكاليف التمويل والمعدات.
لذلك، فإنَّ استمرار الاستثمار لا يعني أنَّ حسابات الكلفة فقدت أهميتها، بل إنَّ مفهوم العائد نفسه أصبح أوسع. فإلى جانب الإيرادات المباشرة، باتت الحكومات تنظر إلى قيمة استقرار الكهرباء، واستمرار المصانع، وتقليص الواردات، وتحرير النفط للتصدير، وتوفير الطاقة للاستثمارات المستقبلية.
لكن هذه المنافع لا تعفي المشروعات من الاختبار الاقتصادي. فالمبالغة في الاستثمار، أو الاعتماد على توقعات متفائلة للطلب، قد يؤديان إلى أصول مرتفعة التكلفة يصعب تحقيق عوائد مناسبة منها.
وتزداد أهمية هذه الحسابات في ضوء التحولات التي تشهدها سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية.
فقبل الحرب، كانت التوقعات تشير إلى موجة توسع في المعروض العالمي، تقودها مشروعات جديدة في الولايات المتحدة وكندا وأفريقيا وقطر. وكان يُنتظر أن تؤدي زيادة الإمدادات إلى تخفيف الضغوط على الأسعار وتعزيز المنافسة بين المنتجين.
لكن اضطرابات الشرق الأوسط أعادت رسم هذه التوقعات، بعدما أظهرت قدرة المنتجين خارج الخليج على تعويض جزء مهم من الإمدادات المتعطلة، وإن لم يكن ذلك كافيًا لمنع الصدمة بالكامل.
وهذا التطور يحمل دلالتين بالنسبة إلى دول الخليج. الأولى أنَّ الغاز سيظل موردًا استراتيجيًا مهمًا للاقتصادات المستوردة، خصوصًا عندما تتعرّض الإمدادات العالمية لصدمات مفاجئة. أما الثانية، فهي أنَّ المشترين باتوا أكثر حساسية لمخاطر الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة، حتى لو كانت تمتلك احتياطيات ضخمة وتكاليف إنتاج تنافسية.
من هنا، قد تتجه المنافسة العالمية تدريجيًا نحو معايير تتجاوز السعر، لتشمل مرونة العقود، وتنوع مسارات الشحن، والقدرة على التعويض السريع، وموثوقية التسليم. وتبرز في هذا السياق أهمية الاستثمارات الأميركية والكندية والأفريقية، التي تمنح المستوردين خيارات إضافية وتقلص نسبيًا اعتمادهم على الإمدادات المارة عبر مضيق هرمز.
لكن ذلك لا يعني تراجع الأهمية الاستراتيجية للغاز الخليجي. فحجم الاحتياطيات، والخبرة التشغيلية، والعلاقات التجارية طويلة الأجل، والبنية التحتية القائمة، كلها عناصر تمنح المنطقة مزايا يصعب تعويضها سريعًا.
والتحدي سيكون في الحفاظ على هذه المزايا، مع معالجة المخاطر التي كشفتها الحرب. فقد باتت موثوقية الإمدادات عاملًا تجاريًا أساسيًا، لا مجرد اعتبار أمني منفصل عن السوق.
وتكشف الاستثمارات الغازية الخليجية خلال عام 2026 عن تحول في مفهوم أمن الطاقة نفسه. فقد اعتادت الدول المنتجة قياس قوتها بحجم الاحتياطيات والإنتاج والصادرات، لكن هذه المؤشرات لم تعد كافية وحدها.
فالدولة التي تمتلك موارد ضخمة لكنها تعجز عن حماية منشآتها أو إيصال إنتاجها إلى الأسواق تواجه ضعفًا استراتيجيًا لا تعالجه زيادة الإنتاج وحدها. والدولة التي تحقق نموًا صناعيًا وتكنولوجيًا سريعًا، لكنها تعتمد على واردات وقود معرَّضة للتعطل، قد تجد نفسها أمام مخاطر لا تقل أهمية.
لهذا، لا ينبغي اختزال أمن الطاقة في تطوير الحقول الجديدة. فهو يتطلب أيضًا شبكات نقل مرنة، وقدرات تخزين مناسبة، وتنوُّعًا في مصادر توليد الكهرباء، وتطوير الربط الكهربائي، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية.
كما أنَّ الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك يمكن أن يعزز أمن الإمدادات، لأنه يخفف الضغط على الغاز ويوسع الخيارات المتاحة أمام الحكومات في أوقات الأزمات.
وتتيح هذه المعطيات مجالًا لتعاون خليجي أوسع، ليس فقط في تبادل الخبرات أو تطوير المشروعات المشتركة، بل في تنسيق خطط الطوارئ وتعزيز مرونة شبكات الطاقة.
غير أنَّ التعاون الاقتصادي والتقني لا يستطيع وحده إزالة المخاطر الجيوسياسية. فاستقرار أسواق الطاقة الخليجية سيظل مرتبطًا أيضًا بأمن الممرات البحرية وبالبيئة الإقليمية التي تعمل فيها الشركات والموانئ والمنشآت.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالحرب التي رفعت تكلفة الاستثمار في الطاقة، وجعلت منشآتها أكثر عرضة للخطر، عززت في الوقت نفسه الأسباب التي تدفع دول الخليج إلى الاستثمار في الغاز.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يُقاس بحجم الأموال التي تُنفق أو الطاقات الإنتاجية التي تُضاف، بل بقدرتها على تحقيق أمن طاقوي مستدام، وتعزيز تنافسية الاقتصادات الخليجية، من دون تحميل الموازنات العامة أعباء تفوق العوائد المتوقعة.
ففي زمنٍ تتداخل فيه الحروب مع أسواق الطاقة والتحوّلات التكنولوجية، لم تعد وفرة الغاز وحدها مصدر القوة. القوة الحقيقية أصبحت في القدرة على إنتاجه وحمايته ونقله واستخدامه بكفاءة، حتى عندما تتحول الجغرافيا نفسها إلى مصدرٍ للخطر.
- راغب الشيباني هو مراسل “أسواق العرب” في الرياض؛ عمّار الحلاق هو مراسل “أسواق العرب” في أبوظبي؛ وسمير خيرالله هو مراسل “أسواق العرب” في الدوحة.
