الدكتور ناصيف حتّي*
كان غسان تويني قامةً فكرية وسياسية وإعلامية وديبلوماسية. يُحاور بعقلٍ نقدي، ويُحرّضُ بأسلوبه ومقارباته على التفكير الحر، ويرى في الاختلاف مصدر غنى للتفاعل الفكري والسياسي الخلّاق.
كلّما تحدثتُ عن الأستاذ أو المعلّم، أذكر أنَّ الديبلوماسية عند غسان تويني كانت تقوم على ثُنائية مترابطة: فنُّ التواصل، وعلم صياغة المضمون بصورةٍ عقلانية ومُقنعة. وكانت تستمد قوتها أيضًا من سحر الكلمة ورقي الخطاب، وجرأة الفكر وغنى المضمون، ووضوح الرؤية وشمولية المقاربة وواقعية الأسلوب.
وقد برع غسان تويني في الديبلوماسية الرسمية، كما شهدت على ذلك أروقة الأمم المتحدة بصورة خاصة، وفي الديبلوماسية العامة أيضًا، أي ديبلوماسية مخاطبة صنّاع الرأي في المنتديات والندوات السياسية والفكرية والإعلامية.
ولا بدَّ قبل أن أُكمِل من أن أذكِّر بقصّةٍ شخصية ونحنُ نودّع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي ستنتهي مهامها نهاية هذا العام، في وقتٍ نحن بأمسِّ الحاجة إلى وجودها وإلى تعزيز دورها في مرحلةٍ انتقالية ضبابية ومليئة بالتحديات الإقليمية والداخلية.
ذهبتُ أستشير الأستاذ في اختيار موضوع أطروحة الدكتوراه، وكنتُ مهتمًّا بالكتابة عن موضوع يتعلق بالسياسة الخارجية، فنصحني، ونصيحته كانت دائمًا مُقنعة، بأن أكتب عن دور الأمم المتحدة في حفظ السلام.
وقال لي: عليك الانكباب على دراسة حالة جديدة “new case study” اسمها اليونيفيل، التي شهدت ولادتها عام 1978، وكانت حينذاك في عامها الأول، وهو ما حصل بالطبع.
عنوانان رفعهما غسان تويني بالأمس البعيد محذّرًا مما يمثله الأوّل وداعيًا إلى تحقيق الثاني، وما زالت تداعيات التعامل معهما قائمة:
عنوان لبنان ساحة لحروب الآخرين، ولا نقول ذلك لتبرئة أبناء وطننا من أنهم كانوا، وتحت عناوين مختلفة، مادة وأداة في هذه الحروب، ولكن لنؤكد أنَّ هذا الأمر بحاجة إلى معالجة جذرية، إذ يتغيّر اللاعبون ولا تتغير اللعبة.
ونُذكّر في هذا السياق بأهمية الجغرافيا السياسية لأيِّ بلد، التي يمكن أن تكون مصدر نعمة متعددة الأوجه إذا كانت هناك دولة فعلية، وبالتالي فعّالة، توظّف الموقع خدمةً للمصالح الوطنية المتعددة في كافة المجالات، والأمثلة على ذلك كثيرة، أو مصدر لعنة إذا لم يكن ذلك الأمر موجودًا. فتتحوّل الدولة المأزومة من دور اللاعب إلى دور الملعب وساحة لصراع الآخرين، أيًّا كانت العناوين أو أسماء اللاعبين.
“دعوا شعبي يعيش” كان العنوان الآخر الذي رفعه غسان تويني، وهو بالطبع مرتبط بالأوّل، وتحديدًا بالانتقال من الوضع الذي يمثله ذلك.
نذكّر بهذا لأننا نعيش اليوم انطلاق مسار أصِفهُ بالعودة إلى الدولة لتحل مكان واقع “صندوق البريد” الذي عزّزته فيدرالية الطائفيات السياسية التي تحكّمت برقاب اللبنانيين، ولو تحت عناوين وشعارات مختلفة لا تخفى على أحد.
إنَّ شرط الانتقال من وظيفة “الساحة” أو “صندوق البريد” لتبادل الرسائل بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، أيًّا كانت أسماؤهم في مرحلةٍ أو أُخرى، إلى مسار بناء الدولة، ومعايير ومؤشرات ذلك معروفة، أن تمتلك، لا بل أن تحتكر الدولة، كما هي حال أي دولة طبيعية في العالم، قرار الحرب والسلم وكذلك حصرية السلاح.
فالسيادة ليست مسألة موسمية أو انتقائية أو جُزئية، بل هي شاملة وكُلّية في طبيعتها وممارستها.
بالطبع لا يتم هذا الأمر بين ليلة وضحاها، ولكنه مسارٌ أكثر من ضروري توفير الدعم الكُلّي له والالتفاف حوله، لأنه في نهاية الأمر هو طريق الخلاص لإنقاذ السفينة الوطنية من الغرق.
إنه مسارٌ عنوانه مجددًا “دعوا شعبي يعيش”، كما هي حال كافة الشعوب التي تعيش في حضن الدولة الوطنية.
إنه شرط الانخراط الفعلي في عملية الإنقاذ الوطني، وبالتالي عملية التنمية الإنسانية الشاملة، التي يحتاجها لبنان، وتزداد الحاجة إليها كل يوم.
لبنان الذي يعيش أزمة بنيوية حادة متعددة ومترابطة الأوجه، من السياسي إلى الاقتصادي إلى الاجتماعي، والتي من واجب المسؤولين، أيًّا كانت اتجاهاتهم، التمسُّك بهذه العملية ودفعها إلى الأمام بغية الوصول إلى شطِّ الأمان.
هذا ما طالب به غسان تويني منذ عقود من الزمن، بقراءته ونظرته للواقع وبتأكيده وإصراره على ضرورة ولوج مسار الإنقاذ الوطني، أيًّا كانت العوائق والتحديات.
تحية إخلاص وتقدير يا معلّم، فذكراك يا صاحب الرؤيا والموقف ستبقى في القلب وفي العقل إلى الأبد.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
- الكلمة التي ألقاها الدكتور حتي في حفل تكريم ذكرى غسان تويني في معرض الكتاب العربي والدولي في بيروت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) .
