تقارب دمشق وإسلام آباد يتزامن مع قيام تحالف دفاعي سعودي–تركي–باكستاني، ويفتح أسئلة تتجاوز صفقات السلاح إلى مستقبل التوازنات الإقليمية وموقع سوريا فيها.
محمد الحلبي*
لماذا تتجه سوريا اليوم إلى باكستان بحثًا عن تعاونٍ عسكري، بعدما ظلّت العلاقات بين البلدين لعقود بعيدة من دائرة الاهتمام الاستراتيجي في الشرق الأوسط؟ ولماذا يكتسب هذا التقارب أهمية خاصة في وقتٍ تسعى فيه دمشق إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، بينما تعمل السعودية وتركيا وباكستان على تطوير منظومة دفاعية مشتركة قد تترك انعكاسات تتجاوز حدود الدول الثلاث؟
تفرض هذه الأسئلة نفسها في ضوء سلسلة تطورات متلاحقة شهدتها المنطقة خلال الشهرين الماضيين. ففي آب (أغسطس) 2026، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إسلام آباد، حيث بحث مع المسؤولين الباكستانيين توسيع التعاون السياسي والدفاعي والاقتصادي. وفي أيلول (سبتمبر)، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ثم جاء اجتماع الرياض في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر)، الذي أعلنت خلاله السعودية وتركيا وباكستان الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزاماتها بموجب اتفاق مكة للدفاع المشترك. وبعد أيام، ظهرت تقارير صحافية تتحدث عن مساعٍ سورية للحصول على أسلحة باكستانية بمساعدة سعودية.
هذه التطوّرات لا تثبت قيام تحالف عسكري بين دمشق وإسلام آباد، لكنها تكشف عن اتجاهٍ يستحقُّ الاهتمام، لأنَّ المسألة لا تتعلق فقط باحتمال حصول سوريا على أسلحة جديدة، بل بإمكان انتقالها من الاعتماد على حليفٍ عسكري مهيمن إلى بناء شبكة من الشراكات الأمنية تمنحها هامشًا أوسع من حرية القرار.
دمشق تبحث عن بدائل
لم تبدأ العلاقات العسكرية السورية–الباكستانية مع التغيير السياسي الذي شهدته دمشق. فقد عرف البلدان تعاونًا في التدريب وتبادل الخبرات خلال عقود سابقة، لكن الظروف الراهنة تمنح هذا التعاون معنى مختلفًا. فسوريا تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في إعادة بناء مؤسسة عسكرية أنهكتها سنوات الحرب، وإعادة تحديد موقعها ضمن توازنات إقليمية تغيّرت بصورةٍ عميقة.
ولعقود، اعتمد الجيش السوري أساسًا على التسليح السوفياتي ثم الروسي، فيما تعاظم الدور العسكري والأمني الإيراني خلال سنوات الصراع. وقد وفر هذا الاعتماد دعمًا مهمًا للنظام السابق، لكنه جعل أجزاء أساسية من المنظومة الدفاعية مرتبطة بحسابات قوى خارجية.
أما القيادة السورية الجديدة، فتواجه معادلة مختلفة: فهي تحتاج إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تجنُّب العودة إلى الاعتماد الحصري على شريكٍ واحد. من هنا تبرز باكستان بوصفها شريكًا محتملًا يجمع بين الخبرة العسكرية والصناعات الدفاعية والعلاقات الوثيقة مع قوى إقليمية مؤثرة.
فإسلام آباد تمتلك مؤسسة عسكرية كبيرة، وخبرة طويلة في التدريب والتخطيط، وصناعات دفاعية تشمل الطائرات القتالية والمعدات العسكرية والإلكترونيات. وقد طورت بالتعاون مع الصين المقاتلة “جي أف 17” (JF-17)، التي أصبحت إحدى أبرز منتجات صناعتها الجوية العسكرية.
لكن أهمية التعاون المحتمل بالنسبة إلى دمشق لا تقتصر على شراء المعدات. فإعادة بناء الجيش السوري تتطلب توحيد القيادة، وإعادة تنظيم التشكيلات المسلحة، وتطوير منظومات التدريب والاتصالات والصيانة، وترسيخ سلطة الدولة على القرار العسكري. وهذه تحديات لا تستطيع صفقات التسليح وحدها معالجتها.
وفي هذا السياق، أوردت تقارير صحافية أخيرًا معلومات تفيد بأنَّ الرئيس أحمد الشرع طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المساعدة على تسريع وصول أسلحة باكستانية إلى سوريا، وتسهيل حصول دمشق عليها مباشرة من إسلام آباد. غير أنَّ هذه المعلومات لم تترافق مع إعلان رسمي عن صفقة محددة، لذلك ينبغي التعامل معها بوصفها مؤشرًا إلى اتجاهٍ مُحتمل، لا دليلًا على اتفاقٍ عسكري مكتمل.
بالنسبة إلى باكستان، ينسجم الانفتاح على دمشق مع رغبتها في توسيع حضورها الاستراتيجي خارج جنوب آسيا، وتعزيز أسواق صناعاتها الدفاعية، والاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع السعودية وتركيا. لكن إسلام آباد تواجه بدورها تحديات اقتصادية وأمنية، وتبقى حساباتها تجاه الهند والصين والولايات المتحدة مؤثرة في خياراتها الخارجية.
لهذا، فإنَّ توسيع التعاون مع سوريا قد يمثل فرصة سياسية وتجارية، من دون أن يعني استعداد باكستان لتحمُّل التزامات عسكرية مفتوحة في المشرق العربي. والأرجح أن تفضّل، في المرحلة الأولى، التعاون في التدريب والمساعدة الفنية وتوريد بعض المعدات، بدل الانخراط المباشر في صراعات المنطقة.
اتفاق مكة: هل تدخل سوريا معادلة أمنية إقليمية جديدة؟
غير أنَّ البُعد الأكثر أهمية في التقارب السوري–الباكستاني يظهر عند وضعه في سياق التحوّلات التي تشهدها العلاقات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان.
ففي السابع من آب (أغسطس) 2026، وقَّعت الدول الثلاث اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينصُّ على اعتبار أيِّ هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة هجومًا على الدول الثلاث. وفي نهاية الشهر نفسه، اجتمع وزراء الخارجية والدفاع وقادة الجيوش في إسطنبول لبحث آليات تحويل الاتفاق إلى تعاون مؤسسي. ثم شهد الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) اجتماعًا في الرياض تقرر خلاله الانتقال إلى إجراءات عملية لتنفيذ الالتزامات الدفاعية، وتعيين الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للمنظومة الجديدة.
تكمن أهمية هذه الخطوات في أنها تشير إلى محاولة بناء إطار دفاعي أكثر انتظامًا بين ثلاث دول تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية مؤثرة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كانت سوريا تستطيع الاستفادة من هذه المنظومة، وربما تطوير شكل من أشكال التعاون معها.
لا توجد حتى الآن أدلة كافية على أنَّ دمشق انضمت إلى اتفاق مكة أو حصلت على ضمانات دفاعية من أطرافه. كما أنَّ انضمامها إلى تحالف للدفاع المشترك سيكون قرارًا بالغ التعقيد، نظرًا إلى وضعها الداخلي وحساسية علاقاتها مع إسرائيل وإيران وروسيا والولايات المتحدة.
لهذا، يبدو التعاون العسكري غير المباشر، أو التنسيق في التدريب والتسليح والدعم الفني، أكثر واقعية في المدى المنظور من الانضمام الكامل إلى تحالفٍ دفاعي.
مع ذلك، فإنَّ مجرد احتمال توسع العلاقات الأمنية بين دمشق وهذه الدول يعكس تغيُّرًا في البيئة الإقليمية. فسوريا التي كانت لسنوات ساحة لتنافس القوى الخارجية تحاول إعادة تعريف موقعها، فيما تسعى قوى إقليمية أخرى إلى تطوير ترتيبات أمنية تمنحها خيارات أوسع من الاعتماد التقليدي على القوى الكبرى.
لكن مصالح السعودية وتركيا وباكستان ليست متطابقة بالضرورة. فالرياض تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره عنصرًا مهمًا في أمن المشرق العربي، فيما تتعامل أنقرة مع الملف السوري بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. أما إسلام آباد، فقد ترى في التعاون مع دمشق فرصة لتعزيز حضورها العسكري والديبلوماسي.
لا يعني هنا تقاطع هذه المصالح وجود رؤية موحدة لمستقبل سوريا أو الشرق الأوسط. لذلك، فإنَّ الحديث عن محور عسكري متماسك يمتد من إسلام آباد إلى دمشق عبر الرياض وأنقرة سيكون سابقًا لأوانه. والأدق أنَّ المنطقة تشهد نشوء شبكة من الشراكات الدفاعية المتداخلة، قد يتطوّر بعضُ عناصرها من دون أن تتحول بالضرورة إلى تحالف شامل.
ومن الطبيعي أن تثير هذه التحوّلات اهتمام إسرائيل، التي تراقب أي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، خصوصًا إذا شملت منظومات دفاع جوي أو تقنيات قد تؤثر في حرية حركة سلاحها الجوي. وقد أظهرت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية سورية، ومنها قاعدة أبو الظهور في آب (أغسطس)، مدى حساسية التوازن الأمني في سوريا، ولا سيما عندما يرتبط بالدور التركي.
لكن حصول دمشق على معدات باكستانية، إذا تحقق، لا يعني تلقائيًا تغيُّر ميزان القوة مع إسرائيل. فالأثر العسكري لأيِّ منظومة جديدة يتوقف على نوعيتها وأعدادها، وقدرة الجيش السوري على تشغيلها ودمجها ضمن بنية دفاعية متماسكة.
أما الولايات المتحدة، فقد تجد نفسها أمام مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، لكنه ليس بالضرورة معاديًا لها. فالسعودية وتركيا تحتفظان بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، بينما تسعى باكستان إلى إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين في آنٍ واحد.
ومن ثمَّ، فإنَّ أيَّ تقارب أمني بين هذه الدول وسوريا لا ينبغي تفسيره تلقائيًا باعتباره محاولة لتشكيل جبهة مضادة للنفوذ الأميركي. الأقرب إلى الواقع أنه يعكس رغبة متزايدة لدى القوى الإقليمية في تنويع شراكاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها الحصري على طرفٍ خارجي واحد.
وهذا الاتجاه لا يعني نهاية الدور الأميركي في الشرق الأوسط، بل يشير إلى تغيُّر في الطريقة التي تتعامل بها دول المنطقة مع القوى الكبرى، حيث تسعى إلى توسيع خياراتها من دون التخلي بالضرورة عن تحالفاتها القائمة.
أما إيران، فإنَّ توسُّع العلاقات الأمنية السورية مع السعودية وتركيا وباكستان قد يشكل مؤشرًا إضافيًا إلى تراجع نفوذها السابق في دمشق. لكنه لا يعني بالضرورة تحول سوريا إلى طرف في مواجهة إقليمية مع طهران، لأنَّ مثل هذا الخيار قد يضعها أمام مخاطر أمنية وسياسية تتعارض مع حاجتها الراهنة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار.
وفي الخلفية، تبرز الصين والهند بوصفهما قوتين آسيويتين تتابعان هذه التحوّلات من زوايا مختلفة. فباكستان ترتبط بشراكة دفاعية وثيقة مع الصين، وقد يتيح أي تعاون تسليحي واسع مع دمشق وصول معدات ذات تكنولوجيا صينية إلى سوريا. لكن ذلك لا يثبت أن بكين تقف وراء التقارب السوري–الباكستاني أو تسعى إلى استخدامه لبناء نفوذ عسكري مباشر في المشرق.
وبالمثل، فإنَّ العلاقات الدفاعية المتقدمة بين الهند وإسرائيل قد تدفع نيودلهي إلى متابعة الحضور الباكستاني المتزايد في المنطقة، من دون أن يعني ذلك انتقال التنافس الهندي–الباكستاني إلى الساحة السورية.
إنَّ أهمية هذه الأبعاد تكمن في أنها تكشف عن اتساع الترابط بين مناطق كانت تُدرس سابقًا بصورة منفصلة. فلم تعد التطورات الأمنية في الخليج والمشرق العربي وجنوب آسيا مستقلة بعضها عن بعض، بل أصبحت تتأثر بشبكات متداخلة من المصالح العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
بين تعدد الحلفاء واستقلال القرار
لكن وسط هذه الحسابات الخارجية، يبقى السؤال السوري الداخلي هو الأكثر أهمية.
فإعادة بناء المؤسسة العسكرية لا يمكن فصلها عن إعادة بناء الدولة نفسها. والجيش الذي يحتاج إلى التدريب والتسليح يحتاج أيضًا إلى قيادة موحدة، ومؤسسات مستقرة، وموارد اقتصادية مستدامة، وإطار سياسي واضح يحدد مهماته وحدود دوره.
كما أنَّ نجاح أي شراكة عسكرية خارجية يتوقف على قدرة الدولة السورية على استيعاب المساعدة ضمن مشروع وطني متكامل، بدل أن تتحوّل المساعدات المختلفة إلى مصادر نفوذ متنافسة داخل المؤسسة العسكرية.
وهنا تكمن المفارقة التي تواجه دمشق: فهي تحتاج إلى شركاء خارجيين لإعادة بناء قدراتها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تجنُّب أن يتحوّل هذا الدعم إلى مصدر جديد لتقييد خياراتها.
فالدولة قد تنجح في تنويع مصادر السلاح، لكنها تبقى عُرضةً للضغوط إذا كانت تعتمد على الخارج في التدريب والصيانة والذخائر والتكنولوجيا. لذلك، فإنَّ الاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد امتلاك معدات حديثة، بل ببناء مؤسسات قادرة على استخدامها وإدامتها، واتخاذ القرارات المتعلقة بها وفقًا للأولويات الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإنَّ القيمة الحقيقية للتقارب السوري–الباكستاني لن تُقاس بعدد صفقات التسليح المحتملة، بل بمدى مساهمته في تطوير القدرات السورية الذاتية، وتوسيع هامش القرار الوطني.
إنَّ تنويع الشراكات قد يكون خطوة مفيدة، لكنه ليس استراتيجية أمنية مكتملة. فالاستراتيجية تبدأ بتحديد طبيعة التهديدات وترتيب الأولويات وبناء المؤسسات، ثم اختيار الشركاء الذين يمكن أن يساعدوا على تحقيق هذه الأهداف.
في المحصّلة، لا توجد حتى الآن أدلة كافية على قيام تحالف عسكري جديد بين دمشق وإسلام آباد، ولا على انضمام سوريا إلى اتفاق مكة الدفاعي. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أنَّ القيادة السورية تبحث عن خيارات جديدة، وأنَّ باكستان تسعى إلى توسيع حضورها الإقليمي، وأنَّ السعودية وتركيا تعملان على تطوير ترتيبات أمنية قد تكون لها انعكاسات تتجاوز حدود الدول المشاركة فيها.
قد يبقى التعاون السوري–الباكستاني محدودًا بالتدريب والمساعدة الفنية وبعض صفقات التسليح، أو يتطور تدريجيًا إلى شراكة أوسع إذا توافرت الظروف الملائمة. غير أنَّ الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى دمشق لن يكون في قدرتها على استبدال السلاح الروسي أو الإيراني بسلاح باكستاني، ولا في عدد الشركاء الذين تستطيع استقطابهم، بل في قدرتها على تحويل هذه العلاقات إلى عناصر قوة تخدم استقرار الدولة وسيادتها.
فبعد عقود من الاعتماد على حلفاء محددين، تبدو سوريا أمام فرصة لتوسيع خياراتها الاستراتيجية. لكن نجاحها في استثمار هذه الفرصة سيتوقف على قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية من دون الانتقال من دائرة نفوذ إلى أخرى.
إنَّ القضية في نهاية المطاف ليست مَن سيُسلّح سوريا، بل مَن سيملك قرارها الاستراتيجي.
- محمد الحلبي هو مراسل “أسواق العرب” في دمشق.
