الجزائر والساحل الأفريقي: نفوذٌ قديم في لعبةٍ جديدة

تواجه الجزائر اختبارًا استراتيجيًا في الساحل الأفريقي، حيث تتبدّل التحالفات وتتزاحم القوى الإقليمية والدولية، فيما لم تعد أدوات النفوذ التقليدية كافية لضمان دورها التاريخي.

الرئيس عبد المجيد تبون أمام تحدّي إعادة تحديد دور بلاده في الساحل الأفريقي.

سلامة عبد الرحمن*

لم تعد الجزائر تواجه في منطقة الساحل الأفريقي مجرد تهديدات أمنية تتسلل عبر حدودها الجنوبية، بل تحدّيًا أعمق يتعلق بمكانتها الإقليمية وقدرتها على التأثير في التحوّلات الجارية على تخومها. فالتطورات المتسارعة في مالي والنيجر، واتساع الحضور الروسي والخليجي، وتصاعد التنافس على ممرات الطاقة والتجارة، تكشف أنَّ المنطقة التي اعتادت الجزائر التعامل معها بوصفها مجالًا حيويًا لأمنها القومي، أصبحت ساحة لإعادة توزيع النفوذ. والأهم أنَّ الأدوات التي استخدمتها لعقود، وفي مقدمها الوساطة الديبلوماسية والعلاقات الأمنية التقليدية، لم تعد تضمن لها الموقع الذي شغلته سابقًا.

جاءت عودة القوات المالية وحلفائها الروس إلى مدينة “كيدال”، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 2026، بعد انسحاب مقاتلي “جبهة تحرير أزواد” منها، لتكشف حجم التحولات التي يشهدها هذا الفضاء الاستراتيجي. فالمدينة الواقعة في شمال مالي، والقريبة من الحدود الجزائرية، ليست مجرد موقع عسكري تتنازع السيطرة عليه القوات الحكومية وحركات الطوارق، بل رمز لصراع طويل حول طبيعة الدولة المالية وعلاقتها بأقاليمها الشمالية. وعلى الرغم من الأهمية الرمزية لهذا التطور بالنسبة إلى السلطات المالية، فإنَّ استعادة المدينة من دون معركة مباشرة داخلها لا تعني بالضرورة تغييرًا حاسمًا في موازين القوى بشمال البلاد، حيث لا تزال مساحات واسعة خارج السيطرة الفعلية للدولة.

تكتسب “كيدال” بالنسبة إلى الجزائر أهمية تتجاوز الجغرافيا. فهي تقع في قلب منطقة ترتبط بمجتمعات الطوارق المنتشرة على جانبي الحدود، وتشكّل أحد مفاتيح التوازنات السياسية والأمنية في شمال مالي. ومنذ عقود، سعت الجزائر إلى إدارة هذه التعقيدات عبر الوساطة بين الحكومات المالية والحركات المسلحة، انطلاقًا من قناعة مفادها أنَّ الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وأنَّ أيَّ تسوية تستبعد المكوّنات المحلية ستبقى عرضة للانهيار.

بلغ هذا الدور ذروته مع اتفاق السلام والمصالحة الذي رعته الجزائر عام 2015. لكن إعلان باماكو إنهاء العمل بالاتفاق في كانون الثاني (يناير) 2024 شكّل ضربة للديبلوماسية الجزائرية، وكشف أنَّ التفاهمات التي صيغت في مرحلة سياسية معينة لم تعد تحظى بالقبول نفسه لدى السلطات العسكرية الجديدة. فالحكومة المالية، التي جعلت استعادة السيادة على كامل الأراضي الوطنية محورًا لخطابها السياسي، باتت تنظر بريبة إلى أيِّ صيغة تمنح حركات الطوارق موقعًا تفاوضيًا مستقلًا، بينما تتمسك الجزائر بفكرة أنَّ الحلَّ السياسي يظل شرطًا أساسيًا لمنع تجدّد التمرد.

من الوساطة إلى إعادة رسم النفوذ

لم يكن الخلاف بشأن اتفاق السلام سوى أحد مظاهر أزمة أوسع. فقد أدّت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى ظهور قيادات أعادت النظر في تحالفاتها الخارجية، وابتعدت عن فرنسا وبعض المؤسسات الإقليمية التقليدية، واتجهت نحو شراكات أمنية جديدة، خصوصًا مع روسيا. ومع تشكيل تحالف دول الساحل، أخذت هذه الحكومات تسعى إلى بناء إطار سياسي وأمني يعكس أولوياتها الخاصة، بعيدًا من الترتيبات التي حكمت علاقاتها الإقليمية في السابق.

هنا وجدت الجزائر نفسها أمام مفارقة صعبة. فهي تدافع عن سيادة الدول وترفض التدخل الخارجي في شؤونها، لكنها تواجه حكومات تستخدم المبدأ نفسه لرفض بعض أشكال الوساطة التي اعتادت ممارستها. كما أنَّ علاقاتها التاريخية مع موسكو لا تمنحها بالضرورة نفوذًا على القرارات التي تتخذها السلطات المالية بالتعاون مع شركائها الروس. فقد أصبحت روسيا لاعبًا أمنيًا مباشرًا في مالي، بما يتيح لها التأثير في العمليات العسكرية وفي حسابات السلطة، بينما تراجعت قدرة الجزائر على توجيه المسار السياسي للنزاع.

غير أنَّ العلاقة مع موسكو أكثر تعقيدًا من مجرد تنافس على النفوذ. فالتقارب الذي شهدته العلاقات الجزائرية–المالية خلال صيف 2026 جاء، وفق تقارير صحافية، بعد جهود روسية لتشجيع المصالحة بين البلدين. وفي العاشر من تموز (يوليو) 2026، بدأت الجزائر ومالي تطبيع علاقاتهما بعد نحو خمسة عشر شهرًا من القطيعة، بإعادة فتح مجاليهما الجويين واستئناف التمثيل الديبلوماسي. وجاء التقارب، وفق تحقيق نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، بعد جهود روسية ووساطة نيجرية هدفت إلى احتواء الخلاف الذي تفاقم عقب إسقاط الجزائر طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود المشتركة في آذار (مارس) 2025. ويعكس هذا التطور إدراكًا متبادلًا بأنَّ استمرار القطيعة يضرُّ بمصالح الطرفين، ويزيد صعوبة إدارة الأوضاع الأمنية في شمال مالي.

وتكتسب استعادة “كيدال” أهمية إضافية في هذا السياق. فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر إقليمية احتمال أن تكون الجزائر قد شجّعت المقاتلين الطوارق على الانسحاب بدل خوض مواجهة واسعة مع القوات المالية. وإذا صحّ هذا التقدير، فإنه يشير إلى محاولة جزائرية لاستعادة موقع الوسيط القادر على التواصل مع باماكو والحركات المسلحة في الوقت نفسه. لكنه يضع الجزائر أيضًا أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على ثقة الأطراف الطوارقية من دون الإضرار بالتقارب المستجد مع الحكومة المالية؟ وكيف تساعد على تخفيف التوتر العسكري من دون أن تبدو منحازة إلى طرف على حساب آخر؟

أما التطوّر الأكثر دلالة على إعادة النظر في أدوات السياسة الجزائرية، فقد وقع في النيجر. ففي الثلاثين من آب (أغسطس) 2026، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إرسال أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30″، ترافقها طائرة للتزوّد بالوقود، إلى نيامي، استجابةً لطلب السلطات النيجرية، عقب اضطرابات عسكرية ومحاولة لزعزعة استقرار الحكم. وأكد الرئيس عبد المجيد تبون لاحقًا أنَّ بلاده أرسلت الطائرات للمساعدة في مواجهة محاولة انقلابية. وكان ذلك تحرُّكًا لافتًا لدولة ارتبطت سياستها الخارجية طويلًا بالتحفظ على التدخل العسكري خارج حدودها.

لا يعني هذا التحرّك أنَّ الجزائر تخلّت عن عقيدتها القائمة على عدم التدخّل. فإرسال الطائرات جاء، وفق الرواية الرسمية، بطلب من حكومة النيجر، ولم يكن إعلانًا عن دخول الجزائر في حرب خارجية. لكنه يشير إلى استعداد أكبر لاستخدام أدوات القوة بصورة مباشرة عندما ترى القيادة الجزائرية أنَّ استقرار دولة مجاورة يرتبط بأمنها الوطني. والأهم أنه يكشف انتقالًا تدريجيًا من الاكتفاء بالدور الديبلوماسي إلى الجمع بين الوساطة والدعم العسكري والاقتصادي، بحسب طبيعة التهديد والفرص المتاحة.

غير أنَّ توسيع أدوات التأثير يحمل مخاطره أيضًا. فالدولة التي تبدأ بتقديم دعم عسكري لحكومة مجاورة قد تجد نفسها مطالبة بتوسيع هذا الدعم إذا تدهورت الأوضاع، أو مضطرة إلى تحمل تبعات صراعات داخلية لا تملك السيطرة على مساراتها. لذلك فإنَّ السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة الجزائر العسكرية، وهي من أبرز القوى العسكرية في أفريقيا، بل بمدى قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي مستدام، من دون الانجرار إلى التزامات مفتوحة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

الساحل في قلب التنافس الإقليمي

تزداد هذه المعضلة تعقيدًا مع اتساع التنافس الإقليمي على الساحل. فقد أصبحت الجزائر تنظر بقلق متزايد إلى تحركات قوى خارجية تسعى إلى بناء علاقات أمنية واقتصادية مع حكومات المنطقة، وفي مقدمها الإمارات العربية المتحدة. ولم يعد الخلاف الجزائري–الإماراتي مجرد تباين في المواقف تجاه بعض الملفات العربية والأفريقية، بل تحوّل إلى أزمة ديبلوماسية مفتوحة بلغت ذروتها في العاشر من أيلول (سبتمبر) 2026، عندما أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الديبلوماسية مع أبوظبي، متهمةً إياها باتخاذ مواقف وتصرفات وصفتها بأنها استفزازية وعدائية. وأعقب القرار إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات المسجلة في الإمارات، مع استثناء مؤقت للرحلات التجارية الإماراتية من مطار هواري بومدين وإليه حتى نهاية العام.

تعكس هذه القطيعة اتساع الخلافات بين البلدين حول قضايا إقليمية متعددة، في وقت يتزايد فيه الحضور الإماراتي في عدد من الملفات الأفريقية. لكنَّ الاتهامات الجزائرية بشأن الدور الإماراتي في زعزعة الاستقرار الإقليمي تبقى مواقف سياسية ينبغي التمييز بينها وبين الوقائع المثبتة. فمن جهتها، أعربت الإمارات عن أملها في أن يكون قرار القطيعة مؤقتًا، وأكدت حرصها على الحفاظ على الروابط بين الشعبين والمصالح المشتركة.

تكمن أهمية هذا التطوّر في ما يكشفه عن اتساع مفهوم التهديد في التفكير الاستراتيجي الجزائري. فالجزائر لم تعد تنظر إلى أمنها الجنوبي من زاوية الجماعات المسلحة والحدود وحدها، بل أصبحت تأخذ في الحسبان شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي التي تنشئها قوى إقليمية داخل دول الساحل وفي محيطها. وبهذا المعنى، باتت المنافسة على العلاقات مع الحكومات الأفريقية جزءًا من حسابات الأمن القومي، لا مجرد نشاط ديبلوماسي تقليدي.

مع ذلك، فإنَّ النظر إلى الساحل بوصفه ساحة مواجهة بين الجزائر والإمارات، أو بين الجزائر والمغرب، يحجب حقيقة أساسية: دول المنطقة ليست مجرد أطراف تتلقى النفوذ الخارجي، بل حكومات تسعى إلى استغلال تنافس القوى المختلفة لتعزيز استقلالية قرارها وتوسيع خياراتها. وقد أظهرت السلطات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو استعدادًا لإعادة ترتيب شراكاتها بسرعة، وفق ما تراه مناسبًا لمصالحها السياسية والأمنية. لكن هذه القدرة على المناورة لا تعني بالضرورة نجاحها في تحقيق الاستقرار أو تحسين الأوضاع الاقتصادية.

ممرات الطاقة والتجارة: الوجه الآخر للصراع

في هذا السياق، يبرز العامل الاقتصادي بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل النفوذ في الساحل. فالدول الثلاث تعاني قيودًا جغرافية وبنيوية كبيرة، في مقدمها غياب المنافذ البحرية المباشرة، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل والتجارة. ومَن يستطيع مساعدتها على تجاوز هذه القيود قد يكتسب نفوذًا أكثر استدامة من ذلك الذي توفره اتفاقات التعاون العسكري وحدها.

تدرك الجزائر هذه الحقيقة، لذلك تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في الجنوب من خلال مشروعات الطاقة والنقل والاستثمار. ويأتي مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر ومنها إلى الأسواق الأوروبية، في مقدمة هذه المبادرات. فالمشروع لا يقتصر على تنويع طرق إمداد الغاز، بل يحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بربط اقتصادات غرب أفريقيا بشمالها، وتعزيز موقع الجزائر بوصفها مركزًا للطاقة وحلقة وصل بين القارة الأفريقية وأوروبا.

واكتسب هذا المشروع زخمًا جديدًا في حزيران (يونيو) 2026، مع إعلان شركة سوناطراك الإطلاق الرسمي لأعمال إنجاز المقطع الجزائري من الأنبوب، في خطوة تعكس سعي الجزائر إلى ترجمة طموحاتها الإقليمية إلى بنية تحتية فعلية، وإن بقي إنجاز المشروع بكامله مرتبطًا بتحديات التمويل والأمن والتنسيق بين الدول الثلاث. كذلك تمثل الاستثمارات الجزائرية في قطاع الطاقة بالنيجر محاولة لتحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية ملموسة، وتعزيز الروابط مع دولة تحتل موقعًا محوريًا في حسابات الأمن والطاقة الإقليمية.

غير أنَّ نجاح هذه المشاريع يظل مرهونًا بعوامل لا تتحكم فيها الجزائر وحدها، من بينها استقرار المناطق التي تمر عبرها خطوط النقل، وتوافر التمويل، وقدرة الحكومات المعنية على توفير بيئة قانونية وأمنية مشجعة للاستثمار. فالمشاريع الكبرى قد تمنح أصحابها نفوذًا سياسيًا قبل تنفيذها، لكنها لا تتحول إلى أدوات تأثير دائمة إلّا عندما تبدأ بإنتاج منافع اقتصادية حقيقية.

في المقابل، يعتمد المغرب مقاربة مختلفة نسبيًا، تقوم على توسيع حضوره في أفريقيا الغربية من خلال الاستثمارات والمصارف والاتصالات والموانئ والممرات التجارية. وتندرج مبادرته الرامية إلى تسهيل وصول دول الساحل إلى المحيط الأطلسي ضمن رؤية تسعى إلى تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى أداة للربط الاقتصادي. كما يشكل مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب جزءًا من هذه الاستراتيجية، بما يحمله من طموح لإنشاء شبكة واسعة للطاقة والتعاون الاقتصادي على امتداد الساحل الأطلسي الأفريقي.

لا يخلو هذا التوجه من أبعاد سياسية، خصوصًا في ضوء الخلاف الجزائري–المغربي بشأن الصحراء الغربية. فالمغرب يسعى إلى تعزيز موقعه الأفريقي ودعم مواقفه الديبلوماسية، بينما تتمسك الجزائر بدعم حق تقرير المصير للشعب الصحراوي. لكن اختزال المشاريع الاقتصادية في هذا التنافس وحده سيكون قراءة ناقصة، لأنَّ دول الساحل نفسها تحتاج إلى تنويع منافذها التجارية، وقد تجد مصلحة في الاستفادة من المبادرات الجزائرية والمغربية معًا، بدل الارتباط الحصري بأحد المسارين.

والأهم أنَّ المنافسة بين المشروعين تكشف تحوّلًا في طبيعة القوة الإقليمية. فالموقع الاستراتيجي لم يعد يُقاس فقط بالسيطرة على الحدود أو بالقدرات العسكرية، بل بالقدرة على تنظيم حركة التجارة والطاقة والاستثمارات عبر مساحات جغرافية واسعة. ومن هذه الزاوية، قد يصبح الطريق الذي يربط دولة حبيسة بميناء بحري أداة نفوذ لا تقل أهمية عن اتفاق دفاعي، وقد تمنح شبكة اقتصادية متكاملة استقرارًا في العلاقات يصعب تحقيقه بالتحالفات السياسية المتقلبة.

غير أنَّ هذه الرؤية تصطدم بواقع أمني شديد التعقيد. فالجماعات الجهادية والحركات الانفصالية وشبكات التهريب تستفيد من ضعف مؤسسات الدولة ومن التوترات الاجتماعية والاقتصادية، فيما لا تزال حكومات الساحل تواجه صعوبة في فرض سلطتها على كامل أراضيها. وقد أثبتت السنوات الماضية أنَّ تغيير الشركاء العسكريين لا يؤدي تلقائيًا إلى تحسين الأوضاع الأمنية، وأنَّ النجاحات الميدانية لا تكفي لبناء استقرار طويل الأمد ما لم تترافق مع تسويات سياسية وإصلاحات مؤسسية وفرص اقتصادية للمجتمعات المحلية.

وتكشف التجربة المالية هذه الحقيقة بوضوح. فعلى الرغم من إعادة تشكيل التحالفات العسكرية وتوسيع التعاون مع روسيا، لا تزال البلاد تواجه تمردًا مسلحًا وتحديات اقتصادية وسياسية عميقة. وقد أظهرت الهجمات الواسعة التي شهدتها مالي خلال عام 2026 أنَّ استعادة السيطرة على بعض المدن لا تعني بالضرورة استعادة السيطرة على المناطق الريفية أو تأمين طرق الإمداد. وبذلك يبقى الحسم العسكري، مهما بلغت أهميته في تثبيت سلطة الدولة، عاجزًا عن توفير استقرار مستدام إذا لم يترافق مع معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية للنزاع.

بالنسبة إلى الجزائر، تعني هذه المعطيات أنَّ استعادة النفوذ في الساحل لن تتحقق بمجرد تحسين العلاقات مع باماكو أو تعزيز التعاون العسكري مع نيامي. فالمشكلة أعمق من العلاقات الثنائية، وتتعلق بتغيُّر البيئة السياسية التي سمحت للجزائر سابقًا بممارسة دور الوسيط الإقليمي. لقد أصبحت الحكومات العسكرية أقل استعدادًا لقبول الوساطات الخارجية، وأكثر ميلًا إلى استخدام العلاقات الدولية لتعزيز موقعها الداخلي، بينما باتت القوى الأجنبية تتنافس على تقديم بدائل أمنية واقتصادية متعددة.

وهنا يظهر التحدي الاستراتيجي الحقيقي: هل تستطيع الجزائر تطوير مقاربة جديدة تجمع بين حماية حدودها واستعادة قدرتها على الوساطة وبناء مصالح اقتصادية مشتركة، أم أنها ستكتفي بمحاولة استرجاع موقعها السابق في منطقة لم تعد تخضع للقواعد القديمة؟

ليس السؤال نظريًا. فالتقارب المتجدد بين الجزائر ومالي، والدعم العسكري المعلن للنيجر، والمشاريع الاقتصادية العابرة للصحراء، والقطيعة مع الإمارات، كلها مؤشرات إلى أنَّ الجزائر بدأت تتعامل مع محيطها الجنوبي باعتباره مجالًا تتطلب إدارته أدوات أكثر تنوعًا وحضورًا. لكن هذه التحركات لا تشكّل بعدُ استراتيجية متكاملة بالضرورة. فقد تؤدي الاستجابة المنفصلة لكل أزمة إلى توسيع الالتزامات الجزائرية من دون ضمان تحقيق أهداف سياسية واضحة.

كما أنَّ نجاح أي سياسة جديدة يتطلب إدراك حدود النفوذ الخارجي، مهما كانت مصادره. فلا الجزائر تستطيع فرض تسوية على الأطراف المالية إذا غابت الإرادة السياسية المحلية، ولا روسيا تستطيع ضمان الاستقرار بمجرد دعم العمليات العسكرية، ولا المغرب يستطيع تحويل مشاريعه الأطلسية إلى واقع اقتصادي من دون تعاون الدول المعنية وتأمين طرق التجارة. وينطبق الأمر نفسه على القوى الخليجية والأوروبية التي تسعى إلى تعزيز حضورها في المنطقة.

لقد أصبحت دول الساحل أكثر قدرة على تنويع علاقاتها الخارجية، لكنها لم تصبح بالضرورة أكثر قدرة على إدارة أزماتها الداخلية. وهذه المفارقة هي التي ستحدد، إلى حد بعيد، مستقبل التوازنات الإقليمية. فالتنافس الخارجي قد يفتح أمامها فرصًا جديدة للاستثمار والتعاون، لكنه قد يزيد أيضًا من هشاشتها إذا تحوّل إلى مصدر إضافي للاستقطاب والصراع.

أما الجزائر، فإنَّ معضلتها لا تكمن في افتقارها إلى عناصر القوة، بل في الحاجة إلى إعادة ترتيبها وفق واقع مختلف. فهي تمتلك الموقع الجغرافي والخبرة الأمنية والقدرات العسكرية والموارد الاقتصادية التي تؤهلها للعب دور مهم في الساحل، لكنها تواجه بيئة لم تعد تمنح الأفضلية تلقائيًا لمن يمتلك هذه العناصر. فالحضور الإقليمي بات يتطلب قدرة على بناء التحالفات المرنة، وتقديم المنافع الاقتصادية، وإدارة الخلافات مع القوى المنافسة، والحفاظ في الوقت نفسه على قنوات الحوار مع الأطراف المحلية المتنازعة.

من هنا، قد يكون الدرس الأهم في التحوّلات الأخيرة أنَّ الجزائر لا تستطيع العودة ببساطة إلى موقعها السابق في الساحل، لأنَّ الساحل نفسه لم يعد كما كان. فالأنظمة تغيرت، والتحالفات تبدلت، والقوى الخارجية تكاثرت، وأصبحت المصالح الاقتصادية جزءًا لا يتجزأ من حسابات الأمن والنفوذ.

إنَّ الجزائر لا تواجه خطر فقدان نفوذها في الساحل بقدر ما تواجه خطر الاستمرار في قياس هذا النفوذ بمعايير مرحلة انتهت. فالوساطة التي منحتها موقعًا محوريًا لعقود لم تعد كافية وحدها، والقوة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تحل محل التسويات السياسية أو المصالح الاقتصادية المستدامة. والتحدي ليس في استعادة دور قديم، بل في ابتكار دور جديد يوازن بين حماية الأمن الوطني واحترام استقلالية دول المنطقة، وبين استخدام أدوات القوة وبناء شبكات التعاون. ففي ساحل تتبدل فيه التحالفات بسرعة، لن يكون النفوذ الأكثر استدامة بالضرورة لمَن يمتلك القدرة على التدخّل، بل لمَن يستطيع أن يجعل وجوده جُزءًا من الحل، لا عبئًا إضافيًا على أزمات المنطقة.

↑
Exit mobile version