السعودية في مواجهة استراتيجية الاستنزاف: هل تنجح إيران في تطويق المملكة واختبار تحالفاتها؟

من باب المندب إلى المنطقة الشرقية، تواجه الرياض اختبارًا يتجاوز التهديد الحوثي إلى مستقبل الردع الإقليمي، فيما تضع الهجمات على منشآتها الحيوية تحالفاتها العسكرية وطموحاتها الاقتصادية أمام معادلة شديدة التعقيد.

الأمير محمد بن سلمان أمام تحدّي حماية أمن المملكة وطموحاتها الاقتصادية من تداعيات التصعيد الإقليمي.

راغب الشيباني*

لم تعد المواجهة بين المملكة العربية السعودية والحوثيين مجرّد فصلٍ جديد من الحرب اليمنية، بل باتت تعكس تحوُّلًا أعمق في موازين القوى الإقليمية وطبيعة الصراع مع إيران. فالهجمات المتكررة على العمق السعودي، والتهديدات التي تطاول الملاحة في البحر الأحمر، والتوتّر المستمر حول مضيق هرمز، تطرح سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز قدرة الرياض على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة: هل تسعى طهران وحلفاؤها إلى فرض معادلة استنزاف تجعل حماية الاقتصاد السعودي أكثر كلفة من تهديده، وتضع التحالفات العسكرية الجديدة للمملكة أمام اختبار قد يكشف حدود فاعليتها؟

تكمن خطورة هذه المعادلة في أنها تنقل الصراع من ميدان التفوُّق العسكري التقليدي إلى ميدان القدرة على تعطيل المصالح الاقتصادية. فالسعودية، رغم امتلاكها قدرات مالية وعسكرية كبيرة، تواجه خصومًا يستطيعون باستخدام وسائل هجومية محدودة الكلفة تهديد منشآت استراتيجية تتطلب حمايتها استثمارات دفاعية ضخمة. ولا يحتاج هؤلاء إلى تحقيق انتصار عسكري حاسم لكي يفرضوا ضغوطًا سياسية واقتصادية، بل يكفي أن يحافظوا على قدرة مستمرة على تهديد المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والممرات التجارية.

لقد كشفت الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2026 عن طبيعة هذا التحوُّل. فالضربات التي أوقعت قتلى ومئات الجرحى، وأدت إلى اضطرابات واسعة في حركة الطيران، لم تكن مجرد عمليات عسكرية ضد منشأة حيوية، بل استهدافًا لأحد رموز التحوُّل الاقتصادي السعودي. فالعاصمة التي تسعى إلى ترسيخ موقعها مركزًا إقليميًا للمال والأعمال والاستثمار أصبحت تواجه تحديًا يتعلق بقدرتها على ضمان أمن البنية التحتية التي يقوم عليها هذا الطموح.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية في المشروع السعودي. فكلما توسعت المملكة في تنويع اقتصادها، ازدادت حاجتها إلى حماية شبكة أكثر اتساعًا من الأصول الاستراتيجية. ولم يعد الأمن الوطني مرتبطًا بحماية الحقول النفطية والحدود والموانئ فحسب، بل أصبح يشمل المطارات والمراكز المالية والمشاريع السياحية والمدن الجديدة وشبكات النقل والخدمات اللوجستية. وهذه كلها قطاعات تعتمد على ثقة المستثمرين واستقرار البيئة التشغيلية بقدر اعتمادها على حجم الإنفاق الرأسمالي.

وبالنسبة إلى اقتصادٍ يسعى إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة تصل إلى مئة مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030، فإنَّ استمرار التهديدات الأمنية يحمل كلفة تتجاوز الأضرار المادية المباشرة. فالتدفقات الاستثمارية الأجنبية بلغت نحو 33 مليار دولار في عام 2025، ما يعني أنَّ المملكة لا تزال بحاجة إلى تسريع جذب رؤوس الأموال لتحقيق أهدافها. وأيُ ارتفاعٍ مستمر في المخاطر الجيوسياسية قد ينعكس على تكاليف التأمين والتمويل، وعلى قرارات الشركات الدولية بشأن إنشاء مقارها الإقليمية وتوسيع عملياتها داخل السعودية.

لكن الضغوط على العمق السعودي ليست سوى جانب من معادلة أكثر تعقيدًا. فالتهديدات الحوثية في البحر الأحمر تكتسب أهمية استراتيجية مضاعفة في ظلِّ المواجهة الإقليمية مع إيران، لأنَّ المملكة تعتمد على ممرّات بحرية حيوية لتصدير النفط وربط اقتصادها بالأسواق العالمية.

وقد استثمرت الرياض لعقود في تطوير خط أنابيب “شرق – الغرب”، الذي ينقل النفط الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بهدف توفير منفذٍ بديل من مضيق هرمز في حالات الأزمات. غير أنَّ تصاعد التهديدات عند باب المندب يجعل هذا البديل أقل حصانة مما كان يُفتَرَض، خصوصًا بالنسبة إلى الشحنات المتَّجهة جنوبًا عبر البحر الأحمر.

لا يتطلّب تعطيل الملاحة سيطرة عسكرية كاملة على المضيق. فالقدرة على إطلاق الصواريخ المضادة للسفن أو الطائرات المسيّرة، أو حتى التهديد باستخدامها، قد تكون كافية لدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وشركات التأمين إلى رفع أقساطها أو تقييد التغطية. وهكذا يصبح التهديد بحد ذاته أداة اقتصادية، بصرف النظر عن عدد السفن التي تتعرّض لهجماتٍ فعلية.

ومن هذه الزاوية، فإنَّ الصراع على الساحل الغربي لليمن، ولا سيما حول ميناء المخا والمواقع القريبة من باب المندب، لا يمكن فصله عن المواجهة الأوسع على أمن الطاقة. فكلما ازدادت قدرة الحوثيين على تهديد الممر البحري، تقلّصَ هامش المناورة السعودي في مواجهة أيِّ اضطرابٍ محتمل في مضيق هرمز.

وهنا تتضح إحدى أهم أوراق الضغط التي تملكها إيران. فطهران تستطيع الاستفادة من جبهات متباعدة جغرافيًا لكنها مترابطة استراتيجيًا، بحيث يؤدي التصعيد في إحداها إلى زيادة الضغوط على الأخرى. وإذا كان مضيق هرمز يمثل أداة ضغط مباشرة في الخليج، فإنَّ باب المندب يمنح حلفاء إيران في اليمن قدرة على توسيع نطاق المواجهة إلى البحر الأحمر، ورفع تكلفتها على السعودية والاقتصاد العالمي.

لا يعني ذلك أنَّ الحوثيين يتحركون دائمًا وفق تعليمات إيرانية مباشرة. فالجماعة تمتلك مشروعًا سياسيًا وعسكريًا خاصًا بها داخل اليمن، وتسعى إلى تثبيت سيطرتها وتعزيز موقعها التفاوضي. لكنها تستفيد من الدعم الإيراني، فيما تستفيد طهران من قدرتها على تهديد المصالح السعودية من دون الاضطرار إلى تحمّل جميع تكاليف المواجهة بصورة مباشرة.

غير أنَّ هذه العلاقة تحمل تناقضًا قد يتحوّل إلى مصدر خطر على الطرفين. فإيران تستطيع استخدام التصعيد الحوثي لتعزيز أوراقها الإقليمية، لكن الحوثيين قد يدفعون ثمنًا باهظًا إذا أدّى تصعيدهم إلى حربٍ برية واسعة تستهدف تقويض قدراتهم العسكرية. وبذلك، فإنَّ ما يبدو أداة ضغط فعالة على السعودية قد يتحول إلى مغامرة استراتيجية إذا تجاوز حدود الردع المتبادل.

أما الرياض، فتواجه مُعضِلة لا تقلُّ تعقيدًا. فاستمرار سياسة الاحتواء قد يشجع الحوثيين على توسيع مطالبهم وعملياتهم، بينما قد تؤدي العودة إلى حرب شاملة في اليمن إلى استنزاف عسكري واقتصادي جديد، بعدما أظهرت تجربة السنوات الماضية صعوبة تحويل التفوق الجوي والتكنولوجي إلى حسمٍ سياسي مستدام.

والأخطر أنَّ هذه المُعضِلة قد لا تبقى محصورة في اليمن والبحر الأحمر، إذ يبرز احتمال انتقال بعض أدوات الضغط إلى المنطقة الشرقية السعودية، التي تمثل القلب النفطي والصناعي للمملكة.

المنطقة الشرقية: السيناريو الأكثر حساسية

إذا كانت الهجمات على المطارات والموانئ تهدد النشاط الاقتصادي، فإنَّ أيَّ اضطرابٍ واسع في المنطقة الشرقية قد يطاول الأساس الذي تقوم عليه القوة المالية السعودية. فالمنطقة تضم منشآت رئيسية لإنتاج النفط والغاز ومعالجته وتصديره، وترتبط بها شبكة معقدة من خطوط الأنابيب والمرافق الصناعية والخدمات التقنية.

وقد أظهرت هجمات أيلول (سبتمبر) 2019 على منشأتي بقيق وخريص مدى حساسية هذه البنية التحتية، عندما أدت إلى توقف مؤقت لنحو 5.7 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج النفطي السعودي، وأحدثت اضطرابًا في الأسواق العالمية. وكانت الرسالة الاستراتيجية واضحة: لا يتطلّب إلحاق ضرر كبير بإمدادات الطاقة تدمير قطاع نفطي بأكمله، بل قد يكفي استهداف عدد محدود من المنشآت شديدة الأهمية.

لكن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في احتمال الجمع بين الهجمات الخارجية ومحاولات استغلال توترات اجتماعية وسياسية داخل المنطقة الشرقية. فالعلاقة بين الدولة وبعض الأوساط الشيعية في المملكة مرت بمراحل من الاحتقان، خصوصًا خلال احتجاجات عام 2011 وما تلاها، كما ترك إعدام رجل الدين نمر النمر في عام 2016 تداعيات سياسية ومذهبية ساهمت في تأزيم العلاقات السعودية – الإيرانية.

وقد تحاول طهران، في ظروف تصعيد إقليمي واسع، استغلال بعض هذه التوترات أو توظيف شبكات مرتبطة بها لتنفيذ عمليات تخريب تستهدف منشآت الطاقة أو خطوط الإمداد أو العاملين في القطاع النفطي.

لكن من الضروري التمييز بين وجود مخاطر أمنية محتملة وبين افتراض وجود قاعدة اجتماعية جاهزة للتحرك لمصلحة إيران. فالمجتمع الشيعي السعودي ليس كتلة سياسية موحَّدة، ولا يمكن اختزال مواقفه في الانتماء المذهبي أو التعامل معه باعتباره امتدادًا للنفوذ الإيراني. كما أنَّ التحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة تجعل استنساخ ظروف الاحتجاجات السابقة أمرًا غير مضمون.

ولا تتوافر أدلة علنية كافية تشير إلى أنَّ إيران بدأت تنفيذ خطة منظمة لإشعال اضطرابات في المنطقة الشرقية. غير أنَّ هذا الاحتمال يظل من السيناريوهات التي تستحق اهتمام المخططين الأمنيين، نظرًا إلى الكلفة الاقتصادية الكبيرة لأيِّ اختراقٍ أمني يستهدف المنشآت النفطية.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه قد ينقل المواجهة من استهداف الممرات التجارية إلى تهديد القدرة الإنتاجية نفسها. ففي حين تستطيع السعودية، ضمن حدود معينة، التكيف مع اضطرابات الملاحة أو إعادة توجيه بعض صادراتها، فإنَّ تعطُّل منشآت رئيسية لمعالجة النفط أو تصديره قد تكون له انعكاسات أكثر مباشرة على الإيرادات والأسواق العالمية.

وهنا تصبح متانة الجبهة الداخلية جُزءًا لا يتجزأ من الردع الاستراتيجي. فحماية المنشآت النفطية لا تعتمد فقط على أنظمة الدفاع والمراقبة، بل أيضًا على الاستقرار الاجتماعي، وفعالية المؤسسات، وقدرة الدولة على منع الأطراف الخارجية من استغلال أيِّ توترات محلية.

التحالفات الجديدة أمام اختبار المصالح

في مواجهة هذه التحديات، تحاول السعودية إعادة صياغة شبكة علاقاتها الدفاعية، من خلال تعزيز التعاون مع باكستان وتركيا، إلى جانب استمرار شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة.

وقد شكّل اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك مع باكستان في أيلول (سبتمبر) 2025، ثم اتفاق مكة الثلاثي الذي ضم تركيا في آب (أغسطس) 2026، محاولة لإرساء ترتيبات أمنية تتجاوز الاعتماد التقليدي على المظلة الأميركية.

تعكس هذه الخطوات إدراكًا متزايدًا لدى الرياض بأنَّ البيئة الأمنية الإقليمية تغيرت، وأنَّ الضمانات الأميركية، رغم أهميتها، لا توفر بالضرورة استجابة تلقائية لكلِّ تهديد تتعرّض له دول الخليج. كما أنَّ انشغال واشنطن بأولويات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين، يدفع شركاءها الإقليميين إلى البحث عن ترتيبات دفاعية إضافية.

غير أنَّ الاتفاقيات الجديدة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تمثل تحالفًا عسكريًا قادرًا على خوض مواجهة مشتركة، أم أنها إطارٌ سياسي لتعزيز الردع والتنسيق الدفاعي؟

فالنصوص التي تعتبر الاعتداء على إحدى الدول الموقعة اعتداءً على الجميع لا تعني بالضرورة أنَّ الردَّ سيكون عسكريًا مباشرًا، أو أنَّ جميع الأطراف ستشارك في العمليات نفسها. وقد يتخذ الدعم أشكالًا متعددة، تشمل الدفاع الجوي والمعلومات الاستخبارية والتسليح والانتشار العسكري، من دون الوصول إلى المشاركة في حرب هجومية.

وتبرز هذه الحدود بوضوح في الحالة الباكستانية. فإسلام آباد ترتبط بالسعودية بعلاقات عسكرية وثيقة منذ عقود، وقد عززت وجودها الدفاعي في المملكة، بما في ذلك إرسال قوات ومعدات لدعم قدراتها الأمنية. لكن ذلك لا يعني أنَّ القوات الباكستانية المنتشرة على الأراضي السعودية تملك تفويضًا مفتوحًا للمشاركة في عمليات داخل اليمن.

فأيُّ انتقالٍ من حماية الأراضي والمنشآت السعودية إلى تنفيذ عمليات قتالية عبر الحدود يحتاج إلى قرارات سياسية وأوامر عسكرية وقواعد اشتباك واضحة، فضلًا عن ترتيبات قانونية تُحدّد المسؤوليات والصلاحيات.

وهذه القيود ليست مجرد تفاصيل إجرائية، بل تعكس حسابات استراتيجية أوسع. فباكستان تحرص على الحفاظ على علاقاتها مع إيران، التي تشترك معها في حدود طويلة، وتدرك أنَّ الانخراط المباشر في مواجهة مع الحوثيين قد يعرّض مصالحها الأمنية والسياسية لمخاطر إضافية.

كما أنَّ إسلام آباد تؤدي دورًا ديبلوماسيًا في التواصل بين أطراف إقليمية متخاصمة، وهو دور قد يتضرّر إذا تحوّلت إلى طرف قتالي مباشر في الحرب اليمنية.

وقد سبق أن اختبرت العلاقات السعودية – الباكستانية هذه المعضلة عام 2015، عندما اختار البرلمان الباكستاني عدم المشاركة في العمليات العسكرية التي قادتها الرياض في اليمن، رغم متانة الشراكة الثنائية.

أما تركيا، فرغم امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة وصناعة دفاعية متنامية، فإنَّ مشاركتها في أيِّ مواجهة إقليمية ستبقى محكومة بمصالحها الخاصة وعلاقاتها مع إيران والولايات المتحدة، فضلًا عن أولوياتها الأمنية في سوريا والعراق ومناطق أخرى.

وبالتالي، فإنَّ التحالف الثلاثي يمنح السعودية دعمًا سياسيًا وعسكريًا إضافيًا، لكنه لا يشكل بالضرورة نسخة شرق أوسطية من حلف شمال الأطلسي، ولا يوفر ضمانة بأنَّ الدول الثلاث ستخوض حربًا مشتركة في كل أزمة.

وهنا قد تكمن إحدى النتائج الاستراتيجية غير المقصودة للتصعيد الحوثي. فالهجمات على السعودية لا تختبر دفاعاتها الجوية فحسب، بل تختبر أيضًا مدى استعداد باكستان وتركيا لتحويل التزاماتهما السياسية إلى إجراءات عسكرية ملموسة. وإذا بقي الدعم محصورًا في الدفاع الجوي والتدريب والمساندة اللوجستية، فقد يكشف ذلك حدود التحالف العملياتية، من دون أن يعني بالضرورة فشله في أداء وظائف الردع والتنسيق.

في المقابل، فإنَّ توسع المشاركة العسكرية الخارجية قد يرفع مخاطر انتقال المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع، خصوصًا إذا أصبحت القوات الباكستانية أو التركية طرفًا مباشرًا في عمليات تستهدف جماعات مرتبطة بإيران.

وتكتسب الشراكة مع باكستان بُعدًا إضافيًا بسبب امتلاكها ترسانة نووية، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن إمكان استفادة السعودية من مظلة ردع نووية باكستانية. لكن الاتفاقات المعلنة لا تكفي لإثبات وجود التزام نووي صريح، كما أنَّ الردع النووي لا يوفر بالضرورة حماية من هجمات محدودة تنفذها جماعات مسلحة باستخدام المسيّرات أو الصواريخ التقليدية.

الواقع أنَّ هذه التحديات تكشف حدود التحالفات العسكرية في مواجهة الحروب غير المتكافئة. فالدول تستطيع توفير قوات وطائرات وأنظمة دفاع متطورة، لكنها لا تستطيع دائمًا منع خصم أقل قوة من فرض تكاليف اقتصادية مرتفعة عبر هجمات متفرقة أو تهديدات مستمرة.

وهذا هو جوهر المعضلة التي تواجهها السعودية اليوم. فالمملكة تمتلك الموارد اللازمة لتعزيز دفاعاتها وتوسيع تحالفاتها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى منع تحول الأمن إلى عبء مالي واستراتيجي متصاعد يستهلك جزءًا متزايدًا من الموارد المخصصة للتحوُّل الاقتصادي.

تتضح هذه المعضلة في العلاقة بين أسعار النفط والاستقرار الاقتصادي. فقد يؤدي التصعيد الإقليمي إلى ارتفاع أسعار الخام، بما يوفر إيرادات إضافية للسعودية في المدى القصير. لكن هذه المكاسب قد تتراجع إذا تعرّضت الصادرات للاضطراب، أو ارتفعت تكاليف النقل والتأمين، أو تراجعت ثقة المستثمرين في استقرار البيئة الاقتصادية. فالمملكة لا تسعى فقط إلى تعظيم إيرادات النفط، بل إلى استخدام هذه الإيرادات لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل تعرّضًا لتقلبات أسواق الطاقة. وأيُّ حربِ استنزاف طويلة قد تفرض عليها إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتأجيل بعض المشاريع، أو زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي.

كما أنَّ استمرارَ التهديدات الأمنية قد يؤثر في قدرة الرياض على جذب الشركات العالمية والخبرات الأجنبية، وهي عناصر أساسية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعة والسياحة.

ومن هذه الزاوية، فإنَّ استراتيجية الضغط التي يمكن أن تستفيد منها إيران لا تستهدف بالضرورة إضعاف السعودية عسكريًا بصورة مباشرة، بل رفع كلفة الحفاظ على استقرارها الاقتصادي، وإجبارها على تخصيص موارد متزايدة للدفاع والحماية بدل توجيهها إلى التنمية والاستثمار.

لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر بالنسبة إلى طهران. فالتصعيد المفرط قد يدفع الرياض إلى تعزيز تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين، أو إلى تبنّي عمليات أوسع ضد الحوثيين، كما قد يؤدي تهديد إمدادات الطاقة والملاحة الدولية إلى استدعاء تدخلات خارجية يصعب على إيران التحكم في نتائجها.

لذلك فإنَّ المشهد الإقليمي لا يعكس قدرة طرف واحد على فرض إرادته، بل توازنًا هشًا بين قوى تحاول تحسين مواقعها من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز قدرتها على السيطرة.

أما السعودية، فتجد نفسها أمام ثلاثة تحديات متزامنة: استعادة الردع في مواجهة الحوثيين، وحماية بنيتها النفطية والاقتصادية من التهديدات الخارجية والداخلية، وتحويل التحالفات الجديدة إلى ترتيبات دفاعية عملية من دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.

ولن يكون التعامل مع هذه التحديات ممكنًا من خلال القوة العسكرية وحدها. فاستقرار اليمن يبقى عنصرًا أساسيًا في أمن الحدود الجنوبية والملاحة في البحر الأحمر، كما أنَّ الحفاظ على قنوات التواصل مع إيران قد يساعد على الحد من مخاطر التصعيد المباشر، حتى في ظل استمرار التنافس الاستراتيجي بين البلدين.

في الوقت نفسه، تحتاج الرياض إلى تطوير قدراتها الذاتية في الدفاع الجوي والأمن البحري وحماية المنشآت الحيوية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، لأنَّ طبيعة التهديدات الجديدة تجعل الفصل بين هذه المجالات أقل واقعية.

في المحصلة، فإنَّ ما تواجهه السعودية اليوم ليس مجرد اختبار عسكري جديد، بل تحدٍ يتعلق بقدرتها على المحافظة على التوازن بين طموحاتها الاقتصادية ومتطلبات أمنها الإقليمي. فالمملكة التي تسعى إلى التحوّل إلى مركز عالمي للاستثمار والتجارة والطاقة لا تستطيع فصل نجاح مشروعها التنموي عن استقرار محيطها الجيوسياسي.

وقد يكون الخطر الأكبر هو تزامن الضغوط على مضيق هرمز وباب المندب مع هجمات متكررة على البنية التحتية، أو محاولات لزعزعة أمن المنطقة الشرقية. عندها ستواجه الرياض اختبارًا لا يتعلق بقدرتها على الرد العسكري فحسب، بل بمرونة اقتصادها ومتانة جبهتها الداخلية وصدقية تحالفاتها.

فالمعركة الاستراتيجية الحقيقية لا تدور حول قدرة الحوثيين على إطلاق مزيد من الصواريخ، بل حول قدرة السعودية على منع خصومها من تحويل تفوقها الاقتصادي إلى نقطة ضعف أمنية. وإذا كانت إيران تسعى إلى توسيع نطاق الضغط من دون الانخراط في مواجهة مباشرة شاملة، فإنَّ التحدي السعودي يتمثل في كسر معادلة الاستنزاف من دون الوقوع في حرب تحقق للخصوم ما عجزوا عن تحقيقه بالقوة العسكرية.

وبين باب المندب والمنطقة الشرقية، وبين الضمانات الأميركية والتحالفات الجديدة مع باكستان وتركيا، تتحدد ملامح مرحلة مختلفة في الأمن الخليجي. ولن يكون معيار النجاح فيها عدد الحلفاء أو حجم الترسانات، بل القدرة على بناء ردع مستدام يحمي شرايين الاقتصاد ويمنع تحول الصراع الإقليمي إلى تهديد دائم لمستقبل المملكة.

فالسؤال الذي سيحدد موقع السعودية في التوازنات المقبلة ليس ما إذا كانت قادرة على خوض حرب جديدة، بل ما إذا كانت تستطيع حماية مشروعها الاقتصادي من حرب لا يريد خصومها بالضرورة الانتصار فيها عسكريًا، بقدر ما يريدون إبقاءها مفتوحة واستنزاف قدرتها على النمو والاستقرار.

↑
Exit mobile version