ابراهيم حيدر*
لم تتوقف الأحداث في المنطقة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، حين كسرت عملية “طوفان الأقصى” التي شنّتها “حماس” المعادلات التي كانت قائمة. أعقب ذلك شنّ إسرائيل حربًا شاملة على غزة والفلسطينيين، في ظل غطاء دولي واسع ودعم مباشر لإسرائيل التي اعتبرت وجودها مهددًا.
لكن ما أعلنته “حماس” إنجازًا ونصرًا تاريخيًا انقلب عليها في ما شهدناه لاحقًا من تدميرٍ للقطاع، وتهجيرٍ للفلسطينيين، وسقوط عشرات آلاف الضحايا، واحتلال أجزاء من غزة. وفي موازاة ذلك، أفصحت إسرائيل عن مشروعٍ توسُّعي للسيطرة في المنطقة، مستفيدةً مما قدمته لها قوى “الممانعة” من ذرائع. فشنّت حربًا على لبنان بعدما دخل “حزب الله” جبهة إسناد غزة، وأحدثت فيه دمارًا واسعًا وتغييرات جغرافية وديموغرافية وأرضًا محروقة غير قابلة للحياة، فيما احتلت أجزاء من الأراضي اللبنانية لا تقل مساحتها عن 650 كلم2. كما احتلت أجزاء من جنوب سوريا وتمركزت قواتها في أعالي جبل الشيخ.
قادت أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) في نهاية المطاف إلى وصول الحرب إلى إيران نفسها. فالدولة التي طالما تباهى مسؤولون فيها بنفوذها في أربع عواصم عربية، وبنت جانبًا أساسيًا من قوتها الإقليمية على شبكة من الحلفاء والوكلاء الذين خاضت عبرهم مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وجدت الحرب تنتقل إلى أرضها مباشرة. وفيما تسعى إسرائيل إلى القضاء على حليف طهران الرئيسي، “حزب الله” في لبنان، تريد الولايات المتحدة، بعد سنوات من الحصار والضغوط، دفع إيران إلى طاولة تفاوض بشروط مختلفة. ولا يتعلق الأمر بالمشروع النووي وحده، بل بموقع إيران ونفطها واقتصادها ودورها الإقليمي في صراع دولي أوسع باتت الصين أحد أقطابه الرئيسية.
باتت نتائج “طوفان الأقصى” معروفة في غزة، كما في الضفة الغربية التي تتعرّض بدورها للحصار والاقتطاع والاستيطان. وما أصاب الفلسطينيين من كارثة ونكبة امتدّت تداعياته إلى لبنان، بعدما فتح “حزب الله”، في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أي بعد يوم واحد على “الطوفان”، جبهة “الإسناد” من جنوب لبنان نصرةً لغزة ودعمًا لـ”حماس”. وتدحرجت المواجهة إلى حرب إسرائيلية واسعة على لبنان و”حزب الله”، اغتالت خلالها إسرائيل السيد حسن نصرالله وعددًا كبيرًا من قيادات الحزب وكوادره، ودمّرت قرى جنوبية بكاملها، مخلفة دمارًا واسعًا وخسائر بشرية ونزوحًا كبيرًا.
ومن “طوفان” 7 تشرين الأول (أكتوبر) وصولًا إلى الحرب على إيران، وجد لبنان نفسه مرة أخرى داخل النار الإقليمية، بعدما قرر “حزب الله” هذه المرة إسناد إيران. فجاءت حرب 2026 الإسرائيلية لتفاقم الوضع الكارثي في لبنان، وتكرّس واقع الاحتلال في أجزاء من الجنوب، وتهجّر مئات الآلاف من اللبنانيين وتستنزف بلدًا لم يتعافَ أصلًا من الحرب السابقة. وهكذا انتقل الحزب من “إسناد غزة” إلى “إسناد إيران”، مُتمسّكًا بخيار عسكري يتجاوز قرار الدولة اللبنانية ملتزمًا بقرار مرجعيته في طهران.
في الحقيقة إنَّ مغامرات الممانعة منذ “طوفان الأقصى” أطلقت العنان للعدوانية الإسرائيلية ومشاريعها في غزة والضفة الغربية ولبنان والمنطقة، فجرّت معارك الإسناد، لبنان إلى الحرب، وفي نتائجها كان “حزب الله” الأكثر تأثرًا، نظرًا إلى الضربات التي تعرض لها وخسائره الفادحة، لكن المفارقة أنه اعتبرها نصرًا تحقق في مواجهة إسرائيل، معتبرًا أنها عجزت عن تحقيق أهدافها بالقضاء على المقاومة، ليحتفي بالنتاج العظيم للصمود الأسطوري ل”محور الممانعة” من لبنان إلى إيران، وليُجدّد تأكيد إعادة بناء قوته واستعداده للمواجهة، وكأن شيئًا لم يحدث في بنية الحزب والبلاد خلال الحروب الإسرائيلية المدمِّرة.
ثلاث سنوات على إسناد غزة، وأكثر من سبعة أشهر على إسناد إيران، ولم يقيّم الحزب جدوى حروبه الإسنادية ونتائجها، فإذا بإيران اليوم تحت الحصار وخسرت عواصمها الممانِعة وأُقفلت طريق دمشق بوجهها، فيما غزة مدمرة والشعب الفلسطيني تحت خطر التهجير والقتل، وجنوب لبنان محتل ومدمر ولبنان مهدد.
وأمام هذه النتائج، لا يزال “حزب الله” يتمسك بالسياسات نفسها وبشعار “توازن الردع”، فيما تكشف الوقائع عجز هذا التوازن عن حماية لبنان من الضربات والحروب الإسرائيلية. وتتحول المواجهة في الداخل إلى نزاع حول الدولة وسلاح الحزب ودوره، في وقتٍ لم يعد فيه هذا السلاح يوفر للبنان مظلة حماية من إسرائيل. وهكذا يجد لبنان نفسه أمام خطر حرب إسرائيلية جديدة، في ظل اختلال كبير في موازين القوى، لا يمكن التعامل معه بالشعارات أو بالرهانات الإقليمية، بل بموقف وطني جامع يعيد الاعتبار إلى الدولة وقرارها، ويضع المصلحة اللبنانية فوق حسابات المحاور الإقليمية.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
- يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
