“أسواق العرب”: أربعة عشر عامًا من الرهان على الكلمة

كابي طبراني*

في مثل هذه الأيام، قبل أربعة عشر عامًا، خرج العدد الأول من “أسواق العرب” إلى القرّاء.

كان ذلك في تشرين الأول (أكتوبر) 2012. أربعة عشر عامًا تبدو، في حساب الزمن، فترة غير بعيدة. لكنها، في حساب منطقتنا وفي حساب الصحافة تحديدًا، تكاد تكون زمنًا كاملًا.

منذ ذلك العدد الأول تغيّر الكثير. تغيّرت دولٌ وحكومات، اندلعت حروبٌ وانطفأت أخرى لتترك وراءها حروبًا من نوعٍ جديد، انهارت أوهام، وصعدت قوى وتراجعت أخرى، وتبدّلت تحالفات، واهتزّت خرائط سياسية واقتصادية كان يُظَنُّ أنها أكثر ثباتًا.

وفي الوقت نفسه، تغيّرت الصحافة نفسها. تراجع الورق، وتمدّدت الشاشة، وتسارعت الأخبار حتى بات الخبر قديمًا بعد دقائق من ولادته، ودخلت وسائل التواصل الاجتماعي ثم الذكاء الاصطناعي إلى قلب المهنة. صار الوصول إلى المعلومة أسهل من أيِّ وقتٍ مضى، فيما أصبح التحقّق منها وفهم معناها أصعب من أيِّ وقتٍ مضى.

وسط كل ذلك، بقي اسم “أسواق العرب”.

لا نقول ذلك احتفالًا بالبقاء في ذاته، فالعمر وحده ليس إنجازًا، والاستمرار لا قيمة له إذا تحوّل إلى تكرار. ما يستحق التوقّف عنده، بعد أربعة عشر عامًا، هو أنَّ الفكرة التي انطلقت منها المجلة ما زالت، في اعتقادنا، صالحة، وربما أكثر إلحاحًا اليوم: أنَّ العالم العربي يحتاج إلى صحافة تنظرُ إليه من داخله، ولكن من دون أن تنغلق فيه؛ وأن تفهم الاقتصاد من خلال السياسة، والسياسة من خلال التاريخ والجغرافيا والمصالح؛ وأن تتركَ للثقافة والفكر والمجتمع مكانها في قراءةِ حاضرٍ لا يُمكن اختزاله في خبرٍ عاجل أو تصريحٍ مسؤول.

حين أطلقنا “أسواق العرب” من لندن في العام 2012، لم نرد لها أن تكون مجلة اقتصادية بالمعنى الضيِّق الذي قد يوحي به الاسم. أردناها مجلة عربية جامعة؛ سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تنطلق من المنطقة لتقرأ العالم، وتنظر من العالم إلى المنطقة. لم يكن هدفها أن تُخبِرَ القارئ فقط بما حدث، بل أن تُحاول، بقدر ما تستطيع، الإجابة عن السؤال الأصعب: لماذا حدث؟ وإلى أين يُمكن أن يقود؟

ذلك السؤال هو الذي رافقنا طوال هذه السنوات.

لم تكن السنوات الأربع عشرة سهلة، لا على منطقتنا ولا على الصحافة. فمنذ 2012، عبر العالم العربي واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا: تداعيات الانتفاضات العربية، والحروب الأهلية، وصعود التنظيمات المتطرّفة وسقوطها، والصراع الإيراني-العربي، والتحوُّلات الخليجية الكبرى، وانهيار لبنان، والمأساة السورية، والحرب في اليمن والسودان، والقضية الفلسطينية وحروب غزة، ثم إعادة تشكيل موازين القوّة في الشرق الأوسط.

في الخلفية، كان العالم نفسه ينتقل من نظامٍ دولي بدا، لبعض الوقت، مستقرًّا تحت قيادة أميركية شبه منفردة، إلى نظامٍ أشد تنافسًا واضطرابًا، مع صعود الصين، وعودة روسيا، وتحوُّل الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية إلى أدواتٍ للقوة والنفوذ.

ولذلك تغيّرت “أسواق العرب” أيضًا.

إنَّ الصحيفة أو المجلة التي لا تتغيّر مع قارئها ومع الزمن تتحوّل، مهما كان تاريخها عريقًا، إلى شاهدٍ على الماضي بدل أن تكون عَينًا على المستقبل. انتقلت “أسواق العرب” من إيقاع المجلة الشهرية المطبوعة إلى فضاءٍ رقمي لا ينتظر موعد صدور العدد. صار الموقع منبرها اليومي، واتسعت دائرة الكتّاب والموضوعات، لكن المبدأ بقي واحدًا: ألّا نجعل السرعة بديلًا من الدقة، ولا الإثارة بديلًا من المعرفة، ولا الموقف السياسي بديلًا من التحليل.

وهنا ربما يكمن التحدّي الأكبر الذي تُواجهه الصحافة اليوم.

إنَّ العالم لم يَعُد يُعاني نقصًا في المعلومات، بل فائضًا فيها. القارئ يحمل في هاتفه من الأخبار والصور والتعليقات أكثر مما كانت تستطيع كُبريات غرف الأخبار جمعه قبل عقود. لكنه، وسط هذا السيل، يحتاج أكثر من أيِّ وقتٍ مضى إلى مَن يفرز ويربط، ويضع الوقائع في سياقها، ويُميّز بين المعلومة والدعاية، وبين التحليل والأمنية، وبين ما هو مهم فعلًا وما صُمِّم فقط لجذب الانتباه.

لهذا لم تَعُد مهمة الصحافة أن تكون الأسرع فحسب. ربما صار الأهم أن تكون الأهدأ حين يصرخ الجميع، والأدق حين تتضارب الروايات، والأكثر استقلالًا حين يشتدُّ الاستقطاب.

وهذه ليست مهمة سهلة في عالمنا العربي.

فالصحافة العربية تعمل في بيئةٍ مُثقَلة بالانقسامات السياسية والطائفية والإيديولوجية، وبالضغوط الاقتصادية، وبمحاولات كل طرف أن يرى في الصحافي حليفًا أو خصمًا. لكننا آمنّا منذ البداية بأنَّ الصحافة التي تختار معسكرًا قبل أن تختار الحقيقة تفقد، عاجلًا أو آجلًا، السبب الذي من أجله وُجِدَت.

والاستقلال لا يعني غياب الرأي. لنا آراءٌ ومواقف وافتتاحيات واضحة، وقد نُخطئ في تقدير ونُصيبُ في آخر. لكنه يعني أن يبقى للقارئ الحق في أن يعرف الوقائع كما هي، وأن يقرأ رأيًا لا يتنكّر في هيئة خبر، وأن يجد في صفحاتنا أكثر من صوت وأكثر من زاوية.

بعد أربعة عشر عامًا، لا أدّعي أنَّ “أسواق العرب” حققت كل ما أرادته لنفسها. فالصحافة مشروع لا يكتمل، وكلُّ مقالٍ هو امتحانٌ جديد. وقد تعلّمنا خلال هذه الرحلة بقدر ما كتبنا؛ من أخطائنا كما من نجاحاتنا، ومن قرّائنا كما من كتّابنا.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا: لم نندم يومًا على الرهان على الكلمة.

إنَّ المنطقة التي كتبنا عنها في تشرين الأول (أكتوبر) 2012 ليست المنطقة نفسها التي نكتُبُ عنها في تشرين الأول (أكتوبر) 2026. والعالم ليس العالم نفسه. وحتى القارئ تغيّر. لكن الحاجة إلى صحافة جادة لم تتراجع. على العكس، كلّما ازدادت أدوات الاتصال، ازدادت الحاجة إلى مَن يمنح الاتصال معنى؛ وكلما كثرت المعلومات، ازدادت قيمة المعرفة؛ وكلما ارتفع ضجيج الاصطفاف، أصبحت الكلمة المستقلة أكثر ندرة وأعلى ثمنًا.

وفي هذه المناسبة، لا بد من كلمة وفاء.

إلى الذين شاركوا في تأسيس هذه التجربة وحملوها معنا في سنواتها الأولى. إلى أسرة التحرير والكتّاب والمراسلين والخبراء الذين أعطوا “أسواق العرب” من معرفتهم ووقتهم وخبرتهم. إلى الذين مرّوا من هنا وتركوا أثرًا، وإلى الذين ما زالوا يكتبون معنا اليوم. وإلى كلِّ قارئٍ فتح عددًا من المجلة، أو دخل إلى الموقع، أو أرسل ملاحظة، أو خالفنا الرأي، أو صحّح لنا معلومة، أو منح مقالًا من وقته وثقته.

هؤلاء جميعًا هم جُزءٌ من الأعوام الأربعة عشر.

أما الشكر الأكبر فهو للقارئ. ففي النهاية، لا تعيش الصحافة بما تقوله عن نفسها، بل بالثقة التي يمنحها إياها قرّاؤها. وهذه الثقة ليست شهادة تُمنَح مرة واحدة، بل مسؤولية ينبغي استحقاقها كل يوم.

في مثل هذا الأسبوع من العام 2012 بدأنا رحلة “أسواق العرب”. لم نكن نعرف يومها إلى أين ستأخذنا، ولا كيف ستتغيّر المهنة، ولا كم من الزلازل السياسية والاقتصادية سيمرّ بالمنطقة والعالم.

واليوم، بعد أربعة عشر عامًا، لا نريد أن ننظر طويلًا إلى الوراء.

يكفينا من الماضي أنه علّمنا.

فالمستقبل يطرح على الصحافة أسئلة أكبر بكثير: ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالمعلومة؟ كيف نحمي الحقيقة في عصرٍ يستطيع فيه الجميع صناعة “حقيقة” خاصة بهم؟ كيف تستعيد الصحافة ثقة قارئ أنهكته الدعاية والاستقطابات؟ وكيف يمكن للإعلام العربي أن يقرأ التحوُّلات الكبرى المقبلة بدل أن يكتفي بتسجيلها بعدما تقع؟

هذه هي أسئلة المرحلة المقبلة، وهي أيضًا بعضٌ من أسئلة “أسواق العرب”.

أربعة عشر عامًا مرّت منذ العدد الأول. تغيّرت الوسائل، وتغيّر العالم، وتغيّرنا معه.

لكن شيئًا واحدًا نريده ألّا يتغيّر: أن يبقى وراء كل خبر سؤال، ووراء كل تحليل بحث، ووراء كل موقف مسؤولية؛ وأن يبقى القارئ هو الغاية، والحقيقة -مهما كانت صعبة أو غير مريحة- هي البوصلة.

في النهاية، ليست قيمة الصحافة في عدد السنوات التي تعيشها، بل في أن يبقى هناك، بعد كل تلك السنوات، سببٌ لكي يقرأها الناس.

وتلك، بالنسبة إلى “أسواق العرب”، هي بداية العام الخامس عشر.

↑
Exit mobile version