الصين وحرب إيران: حسابات بكين أبعد من الربح والخسارة

مع دخول الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران شهرها السادس، تتجه الأنظار إلى الصين وموقعها من الصراع. لكن حسابات بكين لا تختصر بمَن يربح ومَن يخسر، بل بما ستتركه الحرب من تداعيات على الطاقة والتجارة والاستقرار وموازين القوى في الشرق الأوسط.

شي جين بينغ: الصين تسعى إلى حماية مصالحها من تداعيات حرب إيران من دون الانجرار إليها.

عبد السلام فريد*

مع دخول الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران شهرها السادس، يتكرر في واشنطن سؤال يبدو للوهلة الأولى بسيطًا: هل تخرج الصين رابحة من هذه الحرب أم خاسرة؟

يرى فريقٌ أنَّ الحرب تمثّل هدية استراتيجية لبكين، لأنها تستنزف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتُضعِف صورتها لدى بعض دول المنطقة، وتُتيحُ للصين مساحة أكبر للتحرّك ديبلوماسيًا واقتصاديًا. في المقابل، يرى آخرون أنَّ إضعاف إيران، باعتبارها شريكًا مهمًّا للصين، يعني بالضرورة إضعاف موقع بكين الإقليمي.

لكن النظر إلى السياسة الصينية من زاوية “الربح والخسارة” وحدها قد يحجب السؤال الأكثر أهمية.

فبكين لا تتعامل مع الحرب أساسًا باعتبارها مباراة نفوذ بينها وبين واشنطن. ما يقلقها بصورة أكثر إلحاحًا هو ما إذا كانت الحرب ستنتج اضطرابات تُهدّد مصالحها الاقتصادية، وأمن إمداداتها، وطرق تجارتها، وقدرتها على المناورة بين القوى المتنافسة.

ولهذا، تبدو الاستراتيجية الصينية أقرب إلى إدارة تداعيات الحرب منها إلى استغلالها: احتواء امتداد الصراع، تقليل المخاطر، تنويع مصادر الاعتماد، تجنّب التورُّط العسكري، والبحث عن مساحات يمكن أن تتقاطع فيها المصالح الصينية والأميركية.

السؤال بالنسبة إلى بكين، إذًا، ليس فقط مَن ينتصر في الحرب، بل أي شرق أوسط سيخرج منها، وكم من عدم الاستقرار سيكون على الصين أن تتحمّل كلفته.

هرمز أوّلًا: الخطر أكبر من النفط

لدى الصين أسباب قوية تدفعها إلى الرغبة في إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن.

فهي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وقد استوردت نحو 11.6 مليون برميل يوميًا في عام 2025. ولذلك، فإنَّ أيَّ اضطراب طويل في مضيق هرمز يمثّل مشكلة مباشرة لثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وقد ظهرت آثار ذلك بالفعل. ففي حزيران (يونيو) 2026، انخفضت واردات الصين من النفط الخام إلى 7.12 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى لها منذ نحو عقد. ومع ذلك، لم تتحوّل الصدمة إلى أزمة طاقة فورية. فقد منحت المخزونات، وتعديل أنماط الشراء، واللجوء إلى مورّدين بديلين، وبينهم روسيا، بكين مساحة لامتصاص جانب من الاضطراب.

لكن الخطر الحقيقي بالنسبة إلى الصين لا يقتصر على عدد البراميل التي تعبر هرمز.

فاستمرار الحرب يعني ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب حركة الشحن، وزيادة تكاليف التأمين، واحتمال تضرر البنية التحتية الإقليمية، وانتقال الصدمة إلى سلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا تنظر بكين إلى مضيق هرمز باعتباره أكثر من مجرّد ممر للنفط. إنه جزءٌ من البنية التحتية للاقتصاد العالمي.

ولهذا أيضًا، فإنَّ مصلحة الصين في وقف الحرب ليست دفاعًا عن إيران بقدر ما هي دفاع عن الاستقرار الذي يحتاج إليه الاقتصاد الصيني نفسه.

الصين ليست بديلًا أمنيًا لأميركا

منذ أن ساعدت بكين في رعاية استعادة العلاقات الديبلوماسية بين السعودية وإيران عام 2023، ترسّخت في بعض الأوساط الأميركية فرضية مفادها أنَّ الصين، ما دامت قد دخلت ديبلوماسيًا إلى الشرق الأوسط، يفترض أن تكون قادرة اليوم على “صناعة السلام” فيه.

لكن هذه الفرضية تبالغ في تقدير قدرات الصين، وربما في تقدير طموحاتها أيضًا.

الصين تحاول المساعدة في خفض التصعيد، لكنها تفعل ذلك بالديبلوماسية وليس بالتدخّل العسكري أو الضغوط الأمنية المباشرة. والسبب واضح: بكين لا تملك شبكة التحالفات والقواعد والبنية العسكرية ونظم القيادة الإقليمية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود. والأهم أنها لا تبدو راغبة في وراثة مسؤولية واشنطن بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة.

بل إنَّ المشهد الأمني نفسه يتغيّر.

ففي 7 آب (أغسطس)، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا دفاعيًا مشتركًا. وسارع البعض إلى الحديث عن نواة محتملة لـ”ناتو شرق أوسطي”. وقد يكون هذا الوصف سابقًا لأوانه، لكنه يعكس اتجاهًا أوسع لدى دول المنطقة نحو تنويع شراكاتها الأمنية بدلًا من الاعتماد الكامل على مظلة خارجية واحدة.

الصين، من جهتها، لا تبدو مستعدة لملء أي “فراغ أمني”. وهي تفضّل المحافظة على قنواتها مع إيران ودول الخليج وباكستان والمنظمات العربية والقوى الدولية الأخرى، ودعم المبادرات الديبلوماسية التي يستطيع أطراف المنطقة أنفسهم القيام بها.

وفي هذا السياق، دعمت بكين جهود الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران، وشجعت إسلام آباد على مواصلة تحركاتها للمساعدة في معالجة أزمة هرمز.

إنها مقاربة تشبه إلى حد ما الموقف الصيني من حرب أوكرانيا: عندما تكون بكين خارج الحرب، ولا تكون هي سببها أو طرفًا مباشرًا فيها، فإنها لا ترى بالضرورة أن عليها أن تتحوّل إلى الوسيط الرئيسي، خصوصًا ما دام المتحاربون يعتقدون أنَّ بإمكانهم تحسين مواقعهم التفاوضية بالقوة.

الصين، بهذا المعنى، لا تحاول أن تكون “شرطي الشرق الأوسط”. إنها تحاول أن تكون قوة لتقليل المخاطر.

الدرس الصيني: لا تعتمد على طريق واحد

ربما يكون أهم درس تستخلصه بكين من الحرب هو أنَّ المرونة الاستراتيجية تبدأ بتقليل الاعتماد المفرط على دولة واحدة أو طريق واحد أو نقطة اختناق واحدة.

وهذا لا يتعلق بالطاقة وحدها، بل بالنقل والتجارة والتمويل وسلاسل الإمداد أيضًا.

من هنا تكتسب مشاريع مثل خط السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان، والممر العابر لبحر قزوين، ومسارات الشحن عبر القطب الشمالي، أهمية تتجاوز الحساب الاقتصادي المباشر. فهذه الطرق تمنح الصين بدائل إضافية عندما تصبح الممرات البحرية التقليدية عرضة للأزمات أو الضغوط الجيوسياسية.

والمنطق نفسه ينطبق على العلاقة مع روسيا.

اضطراب إمدادات الخليج يزيد بطبيعة الحال من القيمة الاستراتيجية لروسيا كمصدر للطاقة، كما إنَّ هشاشة الممرات البحرية ترفع أهمية شبكات الطاقة البرية، بما فيها مشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2”.

لكن ذلك لا يعني أنَّ الصين تريد استبدال اعتمادها على الخليج باعتماد جديد على روسيا.

الاستراتيجية الصينية تقوم على تنويع الاعتماد لا نقله من طرف إلى آخر.

حتى عندما تتقاطع المصالح السياسية لبكين وموسكو، تظل الصين شديدة الانتباه إلى الأسعار، وشروط الاستثمار، والجدوى التجارية، وأوضاع السوق. والهدف في النهاية ليس العثور على مورد واحد أكثر أمانًا، بل تقليل قدرة أي مورد أو ممر منفرد على التحول إلى نقطة ضعف استراتيجية.

شراكة مع إيران… من دون الوقوع في حربها

تكشف الحرب أيضًا حدود العلاقة الصينية-الإيرانية.

فبكين تريد شراكات تخدم أولوياتها التنموية والاستراتيجية، لكنها لا تريد تحالفات تجعلها طرفًا تلقائيًا في حروب الآخرين.

ولهذا لم يتحول “التعاون الاستراتيجي الشامل” مع إيران إلى تحالف عسكري ملزم. وقد سبق للصين وإيران أن تعاونتا عسكريًا، بما في ذلك صفقات سلاح ومناورات مشتركة، لكن بكين ظلت حذرة من الانتقال إلى علاقة أمنية تجعلها مسؤولة عن الدفاع عن إيران في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وهنا يظهر أحد أهم الفوارق بين الصين وبعض القوى الكبرى الأخرى في المنطقة.

بكين تريد النفوذ، لكنها تحاول قدر الإمكان الفصل بين النفوذ والتورُّط.

وكلما طال أمد الحرب، ازدادت أهمية هذا الفصل. فالكلفة الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية لن تبقى محصورة داخل إيران أو الخليج. والصين نفسها ستكون من الاقتصادات الكبرى التي تدفع جُزءًا من الثمن.

ولهذا ليس من مصلحتها إطالة الحرب لمجرد أنها تفرض تكاليف على الولايات المتحدة. كما إنها لا تريد أن يصل الصراع إلى مرحلة تصبح فيها مصالحها الأمنية مرتبطة مباشرة بالمواجهة الإيرانية-الأميركية.

أين تلتقي بكين وواشنطن؟

رغم التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، فإنَّ حرب إيران تكشف عن مساحة من المصالح المشتركة أكبر مما يوحي به الخطاب السياسي في العاصمتين.

في الملف النووي، تتمسّك الصين بثلاثة مبادئ: منع الانتشار النووي، وحق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية في إطار معاهدة عدم الانتشار، والحل التفاوضي بدلًا من الحل العسكري.

وفي مضيق هرمز، تركز بكين على حرية وسلامة الملاحة، وإعادة فتح الممر عبر الوسائل السياسية بدلًا من العسكرية، ومعالجة المخاوف الأمنية والاقتصادية التي تقف وراء الأزمة.

هذه المبادئ لا تتناقض بالضرورة مع المصالح الأساسية للولايات المتحدة: منع الانتشار النووي، حماية التجارة العالمية، ومنع الخليج من الانزلاق إلى حالة دائمة من الفوضى.

وهرمز نفسه قد يكون الاختبار الأوضح.

فالأفكار المتعلقة بالسيطرة المنفردة على المضيق، أو فرض رسوم عبور سياسية، أو تحويله إلى ممر يحتاج باستمرار إلى مواكبة عسكرية، تتناقض مع طبيعته باعتباره منفعة عامة للاقتصاد العالمي.

لا الصين تريد ذلك، ومن الصعب تصور أن يكون هذا هو الوضع النهائي الذي تريده الولايات المتحدة أيضًا.

إيران بعد الحرب

السؤال الأصعب سيظهر عندما تتوقف العمليات العسكرية: ماذا سيحدث للاقتصاد الإيراني؟

إذا كانت واشنطن قد تخلت بالفعل عن تغيير النظام باعتباره هدفًا للحرب، فإنَّ أيَّ تسوية قابلة للحياة ستحتاج في مرحلة ما إلى منح إيران طريقًا واقعيًا نحو البقاء الاقتصادي.

وهذا يعني أنَّ ملف العقوبات سيعود إلى الطاولة.

ومن المرجح أيضًا أن يكون للصين دور مهم في إعادة إعمار إيران وربطها مجددًا بالأسواق الإقليمية والدولية. وهنا تحديدًا قد تظهر مساحة عملية للتعاون الأميركي-الصيني لا تبدو واضحة في خضم الحرب.

فواشنطن لا تريد إيران نووية ولا خليجًا مضطربًا بصورة دائمة. وبكين لا تريد انهيار إيران ولا حربًا مفتوحة تعطل الطاقة والتجارة.

هذا لا يجعل الولايات المتحدة والصين شريكتين استراتيجيتين في الشرق الأوسط. لكنه يعني أنَّ إنهاء الحرب قد يكشف عن مصالح مشتركة لا يريد الطرفان الاعتراف بها علنًا حتى الآن.

بالطبع، لهذه المساحة حدود. فإذا عادت واشنطن إلى السعي لإسقاط النظام الإيراني، أو وسعت عملياتها العسكرية بصورة تهدد بانهيار الدولة، فسيتغير الحساب الصيني جذريًا.

الشرق الأوسط الذي تريده الصين

لن يكون الشرق الأوسط بعد الحرب أبسط مما كان قبلها.

لقد هزّت الحرب افتراضًا مهمًا قامت عليه استراتيجيات اقتصادية كثيرة في الخليج: أنَّ دول المنطقة تستطيع أن تبقى واحات آمنة لرأس المال والمواهب والبنية التحتية للطاقة والتجارة العالمية، حتى عندما تدور الحروب حولها.

اليوم، حتى الدول التي لم تكن طرفًا مباشرًا في القتال باتت مضطرة إلى إعادة حساب “الكلفة الأمنية” لموقعها الجغرافي.

وفي هذا الشرق الأوسط، يبدو أنَّ الصين تفضّل لنفسها دورًا اقتصاديًا وديبلوماسيًا أكثر منه عسكريًا: المساعدة في إعادة ربط إيران بالاقتصاد الإقليمي، المشاركة في إعادة الإعمار، تشجيع الحوار السياسي، والعمل مع القوى الأخرى على خفض احتمالات اندلاع حرب جديدة.

وليست أزمة هرمز منفصلة في العقل الاستراتيجي الصيني عن أزمات البحر الأحمر والبحر الأسود أو المخاوف المتعلقة بقناة بنما. فالقاسم المشترك بينها هو ازدياد هشاشة نقاط الاختناق التي تمر عبرها التجارة العالمية.

بالنسبة إلى بكين، لا تكمن قيمة الممر البحري في السيطرة عليه، بل في بقائه مفتوحًا وآمنًا ويمكن التنبؤ بحركته.

وهنا تظهر مفارقة في الموقف الصيني من الولايات المتحدة.

فبكين قلقة من القوة الأميركية عندما تستخدم بلا قيود، ومن توظيف القوة العسكرية والموارد الاستراتيجية ونقاط الاختناق في الصراعات الجيوسياسية. لكنها في الوقت نفسه لا تريد انسحابًا أميركيًا كاملًا يترك وراءه فراغًا أمنيًا وفوضى تكون الصين نفسها مضطرة إلى تحمل كلفتها.

بعبارة أخرى، لا تريد الصين بالضرورة إخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. ما تريده هو أميركا أكثر انضباطًا وأقل اندفاعًا، تستمر في توفير بعض المنافع الأمنية العامة من دون أن تتحوّل هي نفسها إلى مصدر متكرّر للأزمات.

وهذا ربما يفسر الموقف الصيني من حرب إيران أكثر من سؤال: مَن يربح ومَن يخسر؟

فالصين ترى حربًا خطرة أنتجت لها بعض الفرص الاستراتيجية، لكنها خلقت في الوقت نفسه مخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة. ولذلك تتركّز أولوياتها على احتواء هذه المخاطر، وتنويع مصادر اعتمادها، والإبقاء على أبواب الديبلوماسية مفتوحة، وتجنّب الانجرار إلى حرب قوة كبرى أخرى.

الدور الذي تختاره بكين لنفسها أكثر تواضعًا، لكنه قد يكون أكثر استدامة: خفض حرارة الصراع، إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، منع الحرب من الانتشار، حماية انفتاح الممرات البحرية الحيوية، والاستعداد للمساعدة عندما يصبح المتحاربون أنفسهم مستعدين للسلام.

قد لا يجعل ذلك الصين “الرابح” من حرب إيران.

لكنه ربما يكون الوصف الأدق لما تعتقد بكين أنَّ على قوة كبرى مسؤولة أن تفعله عندما تصبح كلفة الحرب أكبر بكثير من حدود ساحة المعركة.

Exit mobile version