لا تقتصر الحروب على ميادين القتال، بل تمتد إلى معركة الروايات والاتهامات والإنكار. وفي هذا السياق، يثير الجدل حول اتهامات الفظائع المنسوبة إلى إسرائيل سؤالًا أوسع: كيف يمكن التمييز بين الدعاية الحربية والوقائع التي تستوجب التحقيق والمساءلة؟
تشارلي كاربنتر*
تشير تقارير حديثة صادرة عن الأمم المتحدة وعدد من منظمات حقوق الإنسان إلى تعرّض معتقلين فلسطينيين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية للتعذيب والاعتداءات الجنسية، بما في ذلك الاغتصاب. ورغم أنَّ الشهادات والقرائن المتعلقة بمثل هذه الانتهاكات تمتد إلى عقود، دأبت إسرائيل على نفيها كلما طُرحت علنًا. غير أنَّ الجدل الذي أثارته المزاعم الأخيرة اتخذ هذه المرة طابعًا أكثر حدّة، ولا سيما بعد أن تناولها نيكولاس كريستوف في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، أشار فيه إلى استخدام كلاب مدرّبة في بعض الاعتداءات الجنسية المزعومة.
وردّت إسرائيل ومؤيدوها باتهام مَن يطرحون هذه المزاعم أو يُعيدون نشرها بالترويج لما يُعرف بـ”فرية الدم”؛ وهي تهمة تستحضر صورًا نمطية تاريخية مُعادية لليهود، تصوّرهم باعتبارهم منحرفين أخلاقيًا أو مصدرًا لتهديد استثنائي. وذهب بعض المنتقدين إلى التلويح بمقاضاة الصحيفة على خلفية مقال كريستوف، معتبرين أنَّ تداول هذه الادعاءات أو تصديقها من دون تدقيق قد يُعيد إنتاج تلك الصور النمطية الراسخة.
وفي السياق نفسه، كرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الاتهامات، متَّهمًا رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني بـ”إثارة الكراهية” بسبب إدانته الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، ومطالبته الحكومة الأميركية بتنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو عن المحكمة الجنائية الدولية. في المقابل، يرى منتقدون لإسرائيل أنَّ توظيف تهمة “فرية الدم” يجري أحيانًا بصورة انتقائية وانتهازية، وأنَّ استدعاء إرث المحرقة يُستخدَم سياسيًا لصرف الأنظار عن الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الإسرائيلية أو لتبريرها.
غير أنَّ اختزالَ النقاش في هذه المواجهة الاتهامية قد يحجب حقيقة أوسع: فآليات تصديق روايات الفظائع أو رفضها ليست حكرًا على إسرائيل أو اليهود، بل تتكرّر في معظم الحروب والنزاعات. ولأنَّ قوانين الحرب لا تُختَبَر في المحاكم وحدها، بل أيضًا في ساحة الرأي العام، فإنَّ فهم هذه الديناميكيات، إلى جانب التحقّق من الوقائع والرجوع إلى القواعد القانونية، يصبح ضروريًا لتقييم التقارير المتعلقة بالانتهاكات والفظائع.
الرأي العام ساحة أخرى للحرب
ففي أوقات الحرب، يميل كثيرون إلى تصديق أسوَإِ الروايات عن الطرف الذي يعارضونه، خصوصًا عندما تتوافق الاتهامات مع تصوّراتهم المسبقة عنه. ومع شيوع الدعاية القائمة على تضخيم الفظائع، قد يتبين لاحقًا أنَّ بعض المزاعم غير دقيق أو مبالغ فيه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الشهادة التي أدلت بها فتاة كويتية في الخامسة عشرة من عمرها أمام الكونغرس الأميركي في تشرين الأول (أكتوبر) 1990، خلال الغزو العراقي للكويت. فقد قدمت نفسها بوصفها ممرّضة متطوّعة، وزعمت أنَّ جنودًا عراقيين أخرجوا أطفالًا رُضَّعًا من حاضنات أحد المستشفيات الكويتية وتركوهم على الأرض. واتضح لاحقًا بطلان الرواية، كما تبيّن أنَّ الفتاة كانت ابنة السفير الكويتي لدى الولايات المتحدة.
وفي المقابل، لا تقلُّ ردود الفعل الدفاعية أهمية في تشكيل المواقف من اتهامات جرائم الحرب. فالقناعة الراسخة بأنَّ “جنودنا لا يمكن أن يرتكبوا مثل هذه الأفعال” ليست ظاهرة إسرائيلية أو يهودية حصرًا، بل استجابة نفسية شائعة لدى جماعات كثيرة، ولا سيما تلك التي تحمل ذاكرة جماعية مثقلة بالاضطهاد أو الصدمات التاريخية.
وقد ظهر هذا النمط بوضوح في رد الفعل الأميركي الأوّلي على أنباء مذبحة “ماي لاي” عام 1968، حين قتل جنود أميركيون أكثر من 500 مدني فيتنامي، من بينهم نساء وأطفال ومسنون. كما يتكرر لدى قطاعات من المجتمع الصربي عند مواجهة الوقائع المتعلقة بالإبادة الجماعية في البوسنة والانتهاكات الموثقة التي ارتُكبت في معسكرات الاعتقال في البوسنة والهرسك.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حساسية قطاعات واسعة من اليهود الإسرائيليين والأميركيين تجاه الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب فظائع. فآثار الصدمة المتوارثة عن المحرقة (الهولوكوست)، إلى جانب وقع هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 التي قادتها حركة “حماس”، تدفع بعضهم إلى قراءة هذه الاتهامات باعتبارها امتدادًا لعداء تاريخي أعمق، لا مجرد ادعاءات قانونية أو حقوقية تستوجب التحقيق. غير أنَّ الحكومة الإسرائيلية، بحسب منتقديها، تجد في هذه الحساسية مجالًا للاستثمار السياسي، عبر تحويل النقاش من الوقائع المنسوبة إلى قواتها إلى دوافع مَن يطرحونها، وهو ما قد يعرقل التحقق المستقل والمساءلة القانونية.
بين الأدلة والإنكار
غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن ردود الفعل الغريزية الرافضة لمثل هذه الاتهامات ليست دائمًا في محلها؛ إذ كثيرًا ما تثبت صحة حتى أكثر مزاعم جرائم الحرب صدمة. فمذبحة “ماي لاي” وقعت بالفعل، ولم تقتصر على قتل المدنيين، بل شملت أيضًا حالات اغتصاب واعتداءات جنسية استهدفت النساء والفتيات. وبالمثل، أدار جيش جمهورية صرب البوسنة معسكرات احتجاز تعرض فيها المعتقلون للتعذيب والتجويع والإرهاق والاعتداءات الجنسية، فيما خُصصت معسكرات أخرى لاحتجاز النساء والفتيات في سن الإنجاب، حيث تعرضن لعمليات اغتصاب جماعي، وأُجبر بعضهن عمدًا على الحمل في إطار سياسة ممنهجة.
وفي الحالة الإسرائيلية، تتوالى الأدلة التي تشير إلى تعرض معتقلين فلسطينيين للتعذيب وسوء المعاملة. ففي وقت سابق من هذا الشهر، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صورة لرجل فلسطيني محتجز لدى إسرائيل، ظهر فيها مجرَّدًا من ملابسه إلّا من ملابسه الداخلية، ومقيدًا إلى قضيب حديدي ومعصوب العينين بصورة جعلته عاجزًا عن الحركة. وقد أقر الجيش الإسرائيلي لاحقًا بصحة هذه الصورة، إلى جانب صور أخرى توثّق انتهاكات مشابهة.
ومن هنا، فإنَّ التعامل مع التقارير المتعلقة بجرائم الحرب يقتضي قدرًا من الحذر المنهجي. فصحيح أنَّ بعض المزاعم قد تُضخَّم أو تُستغل سياسيًا، لكن ذلك لا يعني أنَّ جميعها مختلق أو غير صحيح. والأجدى هو تبنّي ما يمكن وصفه بـ”التشكيك المزدوج”: أي التعامل بحذر مع التقارير الأولية، مع إيلاء الثقة للمصادر المهنية والمستقلة والشفافة، وفي الوقت نفسه عدم التسليم تلقائيًا بالروايات التي تصف تلك التقارير بأنها مجرد “فرية دم” أو “تحريض على الكراهية”. فكون رواية ما تبدو صادمة أو تتجاوز المألوف لا يجعلها صحيحة بالضرورة، كما لا يجعلها باطلة بالضرورة. وبالمثل، فإنَّ ثبوت المبالغة في واقعة بعينها لا ينفي احتمال وجود نمط أوسع من الانتهاكات الجسيمة والموثقة.
ومن أكثر الاتهامات إثارة للجدل في هذا السياق ما يتعلق بالادعاء باستخدام كلاب مدربة في الاعتداءات الجنسية على معتقلين فلسطينيين. فقد اعتُبر هذا الادعاء تحديدًا مثالًا على “فرية الدم”، ووُصف بأنه اتهام يستحيل تصديقه. غير أنَّ السوابق التاريخية تشير إلى أنَّ مثل هذه الممارسات ليست غير مسبوقة، ولا ترتبط بحالة إسرائيل وحدها.
فوفقًا لـ”تقرير فاليتش”، الصادر عن لجنة الحقيقة التي وثقت ممارسات التعذيب خلال حكم أوغستو بينوشيه في تشيلي بين عامي 1973 و1990، وردت شهادات عن استخدام كلب من فصيلة “الراعي الألماني” في الاعتداء على سجينات داخل مركز الاعتقال والتعذيب المعروف باسم “فيندا سيكسي”، الذي كانت تديره الشرطة السرية التشيلية. كما كشفت التحقيقات المتعلقة بـ”الحرب على الإرهاب” عن لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام الكلاب المدربة، أو التهديد باستخدامها، إلى جانب أشكال من العنف الجنسي ضد معتقلين مسلمين. وتشير هذه السوابق إلى أنَّ ارتكاب مثل هذه الانتهاكات لا يقتصر على الأنظمة السلطوية، بل يمكن أن يصدر أيضًا عن دول ديموقراطية تمتلك تقاليد دستورية ومؤسسات راسخة وتتبنى خطابًا معلنًا للدفاع عن حقوق الإنسان.
وبطبيعة الحال، فإنَّ وجود سوابق مماثلة لا يثبت صحة المزاعم الموجهة إلى إسرائيل، لكنه يدعو إلى الحذر من افتراض أنَّ أيَّ اتهام بالغ الخطورة لا يمكن أن يكون صحيحًا لمجرد أنه يبدو صادمًا، أو أنَّ أيَّ دولة أو جيش يواجه تهديدًا وجوديًا محصّن بطبيعته ضد ارتكاب انتهاكات جسيمة. كما يثير تساؤلات حول صحة الافتراض القائل إنَّ مجرد توجيه اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد طرف معين يندرج تلقائيًا ضمن ما يسمى “فرية الدم”.
ولو كانت إسرائيل حريصة بالفعل على نفي هذه الاتهامات بصورة قاطعة، لكان بإمكانها المطالبة بإجراء تحقيق دولي مستقل أمام المحكمة الجنائية الدولية لتفنيدها. وقد سلكت أوكرانيا مسارًا مشابهًا عام 2022 عندما لجأت إلى محكمة العدل الدولية للطعن في مزاعم روسيا بأنها ارتكبت إبادة جماعية في إقليم دونباس، وهي المزاعم التي استخدمتها موسكو لتبرير غزوها. غير أنَّ من غير المرجح أن تتخذ إسرائيل خطوة مماثلة، لأنَّ ذلك قد يُفسر باعتراف ضمني باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم مزعومة في غزة.
المساءلة هي الاختبار الحقيقي
وفي نهاية المطاف، فإنَّ ثبوت عدم صحة ادعاء بعينه لا ينفي الادعاءات الأوسع المتعلقة بارتكاب القوات الإسرائيلية جرائم ضد الإنسانية في غزة، بما في ذلك استخدام التجويع كسلاح، والاستهداف الواسع للبنية التحتية المدنية، فضلًا عن الجرائم التي ارتكبتها حركة “حماس” بحق المدنيين والرهائن. فهذه القضايا لم تستند إلى روايات فردية أو تقارير معزولة، وإنما خضعت لتحقيقات وتوثيق من جانب صحافيين مستقلين، ومنظمات حقوقية، ولجان تحقيق تابعة للأمم المتحدة. وفي ضوء هذه المعطيات، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قيادات من كل من إسرائيل و”حماس”.
ولا يقتصر هذا المنطق على الحالة الفلسطينية. فكون الرواية الشهيرة بشأن قيام الجنود العراقيين بإخراج الأطفال الرضّع من حاضنات المستشفيات الكويتية ثبت لاحقًا أنها غير صحيحة، لم يغيّر من حقيقة ارتكاب القوات العراقية انتهاكات جسيمة بحق المدنيين خلال احتلال الكويت.
وفي هذا السياق، فإنَّ ضحايا التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية أو لدى حركة “حماس”، سواء تعلقت الانتهاكات باعتداءات جنسية أو بغيرها، يظلون أصحاب حق في أن تُسمع شهاداتهم وأن تُناقش الانتهاكات التي تعرّضوا لها بجدية، حتى وإن تعذّر إثبات بعض الوقائع المحددة أمام القضاء أو لم تصل أصلًا إلى ساحات المحاكم. كما إنَّ تأكيد عدم مشروعية مثل هذه الأفعال، متى ثبت وقوعها، يمثل أحد الأهداف الأساسية لقانون النزاعات المسلحة، الذي لا يعمل من خلال المحاكم وحدها، بل أيضًا عبر تشكيل وعي الرأي العام وترسيخ معايير المساءلة.
ومن المفارقات أن الرفض القاطع الذي أبدته إسرائيل تجاه أحدث هذه الاتهامات يعكس، في حد ذاته، الإقرار الضمني بأنَّ مثل هذه الأفعال تمثل انتهاكات لا يمكن الدفاع عنها. غير أنَّ الطريقة الأكثر فاعلية لنفي هذه الاتهامات لا تتمثل في الاكتفاء بوصفها بأنها تشهير أو “فرية دم”، بل في التعامل معها باعتبارها مزاعم تستحق التحقيق الجاد. وقد اتخذت إسرائيل بالفعل خطوة في هذا الاتجاه عندما أقرت بصحة الصورة التي أظهرت معتقلًا فلسطينيًا مجرَّدًا من ملابسه ومقيَّدًا داخل أحد مراكز الاحتجاز، بعد أن كانت موضع تشكيك.
غير أنَّ الاعتراف بواقعة محددة لا يمثل سوى بداية الطريق. فالاستجابة الأكثر اتساقًا مع قواعد القانون الدولي الإنساني تقتضي إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بحقهم، وإقرار إصلاحات تكفل معاملة المحتجزين بما يحفظ كرامتهم الإنسانية. ورغم أنَّ مثل هذه الإجراءات تظل نادرة، فإنها تبقى أكثر قدرة على تعزيز الثقة لدى الرأي العام الدولي، وأكثر انسجامًا مع مبادئ قوانين الحرب، من الاكتفاء بالرد على الاتهامات عبر التشكيك في دوافع مطلقيها أو اتهامهم بالتشهير.
- تشارلي كاربنتر هي أستاذة العلوم السياسية والدراسات القانونية في جامعة ماساتشوستس في أمهرست، ومتخصصة في الأمن الإنساني والقانون الدولي. يمكن متابعتها على منصة “إكس” عبر الحساب: @charlicarpenter.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
