افتتح “منتدى فيلوكاليَّا للفكر اللبناني” سلسلة أَنشطته بندوة لافتة حول كتاب الدكتور فيليب سالم “لبنان والحياد الفاعل”، بحضور المطران حنا علوان ممثلًا البطريرك بشارة الراعي، ومفتي طرابلس سابقًا مالك الشعار، وجمهور كثيف تنادى إلى دير الزيارة في عينطورة كسروان، مقرّ معهد وجمعية “فيلوكاليَّا”.
مطر: الحياد الفاعل تبناه البطريرك
أَدار الندوة الأَديب سهيل مطر بكلمة جاء فيها: “منذ البطريرك الحويّك سنة 1920 ولبنان الكبير، ونحن نبحث عن حِيادٍ وطني. يقول الأب ميشال حايك سنة 1983: “الحِيادُ فلسفةٌ هزيلةٌ تؤدي إلى كارثةٍ لأنها اعتمدت اللاالتزام”. ویُطلُّ الدكتور فيليب سالم ليقولَ لنا: “على لبنان أن يعتَنقَ استراتيجيَّةَ الحِيادِ الفاعِل، لأننا نُريدُه أن يبقى فاعِلًا في العالَم، داعمًا للسَّلامِ، واقفًا بجانبِ الحقِّ وحُقوقِ الإنسان”. والأحد الماضي أعلن البطريرك بشارة الراعي إيمانَه بلبنان الحِيادِ الفاعِل، مؤَکّدًا مع الدکتور سالم على فصلِ الدين عن الدولة وعن التربية، والابتعاد عن تديين الحياةِ وتسييسِ الدين”.
سعد: “فيلوكاليا” ورشة فكر وحوار
وكانت كلمة الافتتاح لرئيسة “فيلوكاليَّا: الأُخت مارانا سعد، ومنها: “أَهْلًا بِكُمْ في فِيلُوكَالِيَا، بَيْتِكُمْ الَّذي اخْتارَ مُنْذُ تَأْسِيسِهِ، أَنْ يَكونَ مَساحَةً يَلْتَقِي فيها الإِيمانُ بِالجَمالِ، والفَنُّ بِالفِكْرِ، والإِنْسانُ بِرِسالَتِهِ. هكذا نَجْتَمِعُ اليَوْمَ لِنُطْلِقَ “مُنْتَدَى فِيلُوكَالِيَا لِلْفِكْرِ اللُّبْنَانِيِّ” مَشْروعًا نُريدُهُ بَيْتًا لِلْحِوارِ وَوَرْشَةً لِلْفِكْرِ وَمَساحَةً نُعيدُ فيها قِراءَةَ لُبْنانَ وَبَحْثَ مُسْتَقْبَلِهِ. وَلُبْنانُ اليَوْمَ يَحْتاجُ إِلى أَنْ يَقْرَأَ ذاتَهُ بِهُدوءٍ، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنْ مَخْرَجٍ مِنْ أَزْماتِهِ بِقُوَّةِ الفِكْرِ وَصِدْقِ الحِوارِ. منْ هُنا جاءَ هٰذا “المُنْتَدَى” لا لِيَكونَ مِنْبَرًا لِرَأْيٍ واحِدٍ بَلْ مَساحَةً لِلسُّؤالِ وَالبَحْثِ، فنُعيدُ التَّفْكيرَ في هُوِيَّةِ لُبْنانَ وَتاريخِهِ وَدَوْلَتِهِ وَثَقافَتِهِ وَدَوْرِهِ في الشَّرْقِ وَالعالَمِ. وَمِنْ هُنا جَلْسَتِنا الأُولى مع البروفسور فيليب سالم: “لُبْنانُ وَالحِيادُ الفاعِلُ” فَالحِيادُ الفاعِلُ لَيْسَ انْسِحابًا، بَلْ رُؤْيَةٌ لِدَوْرِ لُبْنانَ كَوَطَنٍ لِلْحِوارِ، وَجِسْرٍ بَيْنَ الحَضاراتِ، وَصَوْتٍ لِلْحُرِّيَّةِ وَالسَّلامِ”.
الحلبي: أَيَّ حياد نريد؟
وتحدَّث الوزير السابق الدكتور عباس الحلبي، ومما جاء في كلمته: “إنّ أيَّ مشروعٍ لإنقاذِ لبنانَ لا يمكنُ أن يكتفيَ بمعالجةِ النتائج، بل يجبُ أن يتوجّهَ إلى الأسبابِ العميقةِ التي جعلتْ هذه الدوراتِ تتكرّر. وهذا ما يجعلُ البحثَ في الدولةِ والسيادةِ والحيادِ الفاعلِ جزءًا من محاولةٍ أوسعَ لإعادةِ بناءِ المناعةِ الوطنيّةِ اللبنانيّة. فالأوطانُ، كما الأجساد، تمرُّ بمراحلَ تفقدُ فيها بعضَ عناصر توازنِها، وتحتاجُ إلى مراجعةٍ عميقةٍ تعيدُ إليها قدرتَها على الحياة. وأهمّيّةَ فكرِ الدكتور فيليب سالم أنّهُ يعيدُنا إلى سؤالٍ أساسٍ رافقَ التجربةَ اللبنانيّةَ منذُ نشأتِها: أيُّ لبنانٍ نريد؟ لبنانَ الساحةِ التي تتأثّرُ بصراعاتِ الآخرين؟ أم لبنانَ الدولةِ التي تمتلكُ قرارَها وتحمي سيادتَها وتؤدّي دورَها؟ فلبنانُ لم يكنْ يومًا مجرّدَ حدودٍ جغرافيّةٍ أو صيغةٍ سياسيّةٍ مؤقّتةٍ، بل كانَ فكرةً قامتْ على محاولةِ الجمعِ بينَ التنوّعِ والوحدة، وبينَ الخصوصيّاتِ المختلفةِ والانتماءِ الوطنيِّ المشترك. والبطريرك الياس الحويّك عندما ناضلَ من أجلِ قيامِ لبنانَ الكبير، لم يبحث عن توسيعِ مساحةٍ جغرافيّةٍ فحسب، بل عن قيامِ وطنٍ قادرٍ على احتضانِ أبنائِه ضمنَ دولةٍ جامعة. ومن هنا نشأتِ الفكرةُ الميثاقيّةُ اللبنانيّة”.
الحلوة: هل لبنان دولة عادلة؟
تلاه الدكتور مصطفى الحلوة، ومما قال: “لم يكن لبنان خلال السنين الأربعين الماضية، باسطًا سيادة الدولة على جميع أراضيه، ولا مالكًا قراره الحرّ خارجيًّا، ولا قرار السلم والحرب، ولا مُحتكرًا القوة العسكرية، وسوى ذلك من عناصر، هي من مستلزمات تكوين الدول. فهو كان جزءًا من توازنات إقليميّة، يتأثّر بصراعات الشرق الأوسط، وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينيّة، ويُستخدم كساحةٍ وكبريدٍ، لتبادل رسائل إقليميّة. ولأن العدالة الداخلية شرطٌ للمشروعيّة الخارجيّة، بمعنى أنّ الدول غير العادلة داخليًّا، يصعب أن تكون محايدة أخلاقيًّا على الصعيد الخارجي، يبرز السؤال: هل لبنان دولة عادلة، تجاه غالبية الشرائح المجتمعيّة؟ ثمة معوقات كثيرة لم تكن غائبةً عن البروفسور فيليب سالم وهو يدعو دعوةً خالصةً إلى الحياد الفاعل. فهو توقّف عندها مليًّا، وبجرأة مُتناهية، في مؤلّفاته وعبر مواقفه المتعدِّدة، ومنها إطاحتُهُ مقولةً يُردّدها الكثيرون ببّغائيًّا: “من علّمني حرفًا كنتُ له عبدًا”، فإذا البديلُ منها عند فيليب سالم : “مَنْ علّمني حرفًا حرَّرني من عبوديتي”.
شرف الدين: أَنضج من النأْي بالنفس
وتحدث الباحث رائد شرف الدين، ومما جاء في حديثه: “التحدّي اللبنانيّ الحقيقيّ أننا نطمح إلى الحياد بينما نفتقر إلى شرطيه الأساسيّين: الدولة الجامعة والقرار الموحّد. ودعوة فيليب سالم إلى ضماناتٍ دوليّةٍ للحياد (عبر الأمم المتّحدة ومجلس الأمن) هي اعترافٌ بأنّ لبنان لا يستطيع أن يحمي حياده بقوّته وحدها. وهذا واقعيٌّ ومحمود، لكنّه يفتح السؤال: هل تكفي الضمانات الخارجيّة حيث تعجز المناعة الداخليّة؟ إنّ بناء الحصانة الداخليّة يبقى الشرط الذي لا يُستغنى عنه، وإلّا بقي الحياد سقفًا بلا جدران. ولا يقفُ العجزُ عند حدود الوحدة والقرار، بل يتّصل بشرطٍ ماديٍّ لا يقلّ عنهما وطأةً: الحياد الفاعل يقتضي قدرةً اقتصاديّةً وماليّةً تُسنِد الدور وتموّل المبادرة، ولبنان في وضعه الراهن لا يملك من الإمكانات ما يؤهّله للنهوض بهذا الدور أو لتصدّر المشهد الإقليميّ والدوليّ… “لبنان والحياد الفاعل” أطروحةٌ أنضج من النأي بالنفس، وأكثر التصاقًا بالقضايا المحقّة من الحياد البارد. إنما لا يستقيم حيادٌ فاعلٌ في الخارج من دون دولةٍ قادرةٍ، ومواطنةٍ فاعلة، وعدالةٍ اجتماعيّة في الداخل، ومن دون ضماناتٍ دوليّة تحمي البلد الصغير، ومن دون أن يُترجَم كلُّ ذلك إلى حمايةٍ للناس ورفعٍ لظلمهم”.
بارود: مخالب المحاور
وكان الختام للوزير السابق زياد بارود. وجاء في كلمته: “يطرح البروفسور فيليب سالم مفهوم الحياد الفاعل من باب التفكير الفاعل، لا من باب السياسة المكتفية بذاتها. وهو يرى أن لبنان يستحق نموذجًا مختلفًا في هذه المنطقة من العالم التي تحكمها لعنة الجغرافيا. وطرحه يحرّكه سؤال وطني وجودي: كيف نحفظ لبنان-الرسالة من مخالب محاور خنقت تألّقه وخطفت دوره وحرمت مواطنيه من نعمة الاستقرار، ولو بحدّه الأدنى؟ البطريرك الراعي قدّم الطرح في تموز 2020 من زاوية دستورية وسيادية ودعا إلى تثبيته بضمانات دولية. والبروفسور سالم ركّز على الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية والتنموية، معتبرًا أن الحياد الفاعل نموذج لإعادة بناء الدولة واستعادة دور لبنان التاريخي، ودعا إلى حياد دفاعي فاعل يلتزم فيه لبنان بعدم المبادرة بالحرب، ويحتفظ بحقه المقدّس بالردّ.
منذ “إعلان بعبدا”، على عهد الرئيس ميشال سليمان، وقبله وبعده، لم يقدّم ممانعو الحياد حلًّا بديلًا مقْنعًا، لكنّا تناقشنا اليوم مع البروفسور سالم في لاجدوى الحياد أو عدم فعاليته مقارنةً بالطرح الآخر. لكنّ الرفض سيّد الموقف بلا نقاش ولا تقديم البديل. لذا بقي لبنان مشرَّعًا، منتهَكَ السيادة، تصفعه حينًا لعنةُ الجغرافيا، وأَحيانًا كثيرةً أهواءُ أبنائه العابرةُ حدودَه”.
وكانت الكلمة الأَخيرة لمؤلف الكتاب الدكتور فيليب سالم، شارحًا مفهومه النظري والتطبيقي للحياد الفاعل الذي فيه خلاص لبنان من العواصف التي يتخبط فيها منذ عقود. ثم وقّع للجمهور الكثيف على نسخ كتابه الجديد، وهو من إعداد وتقديم الصحافي أسعد الخوري.
