“مرايا التراث” في عددها 24… قراءةٌ في لبنان الهوية والدستور والنهضة

أصدرت أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) العدد الرابع والعشرين من مجلتها الأكاديمية “مرايا التراث”، في إصدار يواصل مشروعها الثقافي الهادف إلى إعادة قراءة التراث اللبناني بوصفه ركيزة لبناء المستقبل، لا مجرد استعادة للماضي. ويأتي العدد متزامنًا مع مئوية الدستور اللبناني، فيمنح هذه المناسبة بُعدًا فكريًا وتاريخيًا، إلى جانب احتفائه بمئوية ديوان “القيثارة” للشاعر الياس أبو شبكة، واستعادته نماذج من الفكر النهضوي اللبناني.

ويفتتح العدد بكلمة للدكتور فيليب سالم بعنوان “…لأنَّ في إحياء التراث إحياءً للبنان”، يؤكد فيها أنَّ التراث هو الهوية الجامعة، وأنَّ استعادته ليست عملًا توثيقيًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا يعزز الانتماء ويؤسس لنهضة ثقافية تتجاوز الانقسامات، في رؤيةٍ تجعل من الثقافة قوة لبناء الدولة والإنسان.

ويخصص العدد محورًا رئيسيًا لمئوية الدستور اللبناني، عبر دراستين توثيقيتين؛ الأولى للدكتور عادل يمين تتناول فكر ميشال شيحا ورؤيته للبنان “وطناً نهائيًا لجميع أبنائه”، فيما يعود الدكتور روني سمعان خليل إلى الوثائق الأصلية المرتبطة بولادة الدستور، مستندًا إلى أرشيف البطريرك بطرس الحويك، ليقدم قراءة تاريخية موثّقة للظروف السياسية والفكرية التي رافقت نشأة الدولة اللبنانية.

ولا يقف العدد عند استذكار الماضي، بل يحاول محاورته في ضوء أسئلة الحاضر، وهو ما يظهر أيضًا في دراسة الدكتور جوزيف أبو نهرا حول “حياد لبنان: إنقاذ الهوية”، التي تربط بين الذاكرة الوطنية والسيادة والاستقرار، وتدعو إلى قراءة الحياد باعتباره خيارًا يحفظ رسالة لبنان ووحدته.

ويحتل الياس أبو شبكة مساحة واسعة في “ملف العدد”، بمناسبة مرور مئة عام على صدور ديوانه “القيثارة”، من خلال مجموعة دراسات تتناول تجربته الشعرية والروحية والنقدية، شارك فيها الدكتور شوقي عبدالله، والدكتورة إيمان درويش كمالي، والأديب وليد عبود، والدكتور أنطوان طعمة، إضافة إلى ملحق وثائقي يضم مواد نادرة تسلط الضوء على أحد أبرز رواد الشعر اللبناني الحديث.

كما يضم العدد دراسة للدكتور أمين الياس عن “لبنان الرائد النهضوي”، تتناول الشخصيات والأفكار التي أسهمت في تكوين النهضة اللبنانية خلال القرن العشرين، إلى جانب باب للفنون التشكيلية يعرّف بأعمال الفنان أندريه كافافيان، في تأكيد على شمولية مفهوم التراث الذي تتبناه المجلة.

ويعكس هذا العدد نضجًا واضحًا في مشروع “مرايا التراث”، إذ نجح في الجمع بين البحث الأكاديمي الرصين والرسالة الثقافية، فجاءت موضوعاته مترابطة حول فكرة واحدة هي الهوية اللبنانية؛ من الدستور إلى الأدب، ومن التاريخ إلى الفن، بما يجعل التراث عنصرًا حيًّا في النقاش الوطني الراهن، لا مادة أرشيفية جامدة. كما يمنح الاعتماد على الوثائق الأصلية والدراسات العلمية المحكمة هذا الإصدار قيمة مرجعية تضيف إلى المكتبة اللبنانية، وتؤكد أنَّ المجلة باتت واحدة من أبرز المنابر المتخصصة في الدراسات التراثية والفكرية، القادرة على وصل الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل.

Exit mobile version