محمّد قوّاص*
بدا الرئيس السوري أحمد الشرع في مواقفه الأخيرة بشأن لبنان مُتوجِّها إلى الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب. تطوّع في تفسير ما استعصى على فهمه في تصريحات الأخير بشأن اقتراحه تدخُّلًا سوريًا عسكريًا لنزع سلاح “حزب الله”. لم يكن الشرع بصدد دفع الأمر عن بلاده فقط، بل أيضًا بصدد الإيحاء بما قاله لترامب في المحادثات بشأن الأمر.
كان ترامب واضح الكلمات. اعتبر أنَّ “الحزب” يمثّل “وخزة” لا يمكنها أن تقف عائقًا أمام تفاهمات واشنطن وطهران، وأنَّ نزع ذلك الوخز سيكون ناجعًا بكفاءات الشرع وجيشه بعد “فشل” إسرائيل في إنجاز المهمة. لم يكن الكلام عرضيًا اعتباطيًا، بل مكررًا ومجدّدًا كلما أُتيح للرئيس الأميركي إثارة المسألة اللبنانية.
بالمقابل قدّم الشرع إطلالةً أخرى على المُعضِلة نشتمُّ منها تجربة ودراية بالمتاح والمرفوض. يقترح الشرع مقاربة أخرى ربما أوحى بها للرئيس الأميركي. يغرف رجل سوريا القوي من “خارج الصندوق” لحلولٍ يطالب أن تكون إبداعية تتقدمها تلك السياسية والاقتصادية والمالية والتنموية قبل تلك الأمنية العسكرية التي يشير إليها ترامب.
يتطوّع الرئيس السوري بعرض سوريا جُزءًا من الحل لا جُزءًا من المشكلة. بدا وكأنه يتفهّم هواجس المكوّنات في لبنان من خلال تفهمه لهواجس المكوّنات في سوريا. يفكر بصوتٍ عالٍ عمّا يمكن أن يكونَ ترياقًا في لبنان ينسحب على العلّة في سوريا.
يُسجل للرئيس السوري تعاليه على الجراح التي يُذكّرُ دائمًا بعمقها ليستنتج هواجس شيعية في لبنان يجدها “حزب الله” مبررًا منطقيًا لسلاحه والتهويل به. في لبنان مَن يردّ: وماذا عن هواجس بقية المكوّنات الخائفة من ذلك السلاح ومشاريعه الفتاكة التدميرية؟
يكاد الشرع أن يبوحَ بغصّة تعاني منها بلاده. تمتّعَ التغيير في سوريا برعاية ودعم وتأييد عواصم كبرى. تدافَعَ الموفدون من دون تحفّظ على دقِّ أبواب دمشق وإعادة الحياة إلى البعثات الديبلوماسية وفتح الأبواب أمام حكم سوريا الجديد وزعيمها. غير أنَّ تلك الرعاية بقيت حذرة محسوبة لم تُترجَم ضخًّا ماليًا في أوردة الاقتصاد السوري بالمستوى الذي ينتشل سوريا من مصابها.
لا تبتعد حال لبنان في تلك المقاربة من حال سوريا. في بعض التفسيرات في الحالة السورية مَن يرجّح أن الانفتاح المالي من قبل العواصم دونه ضمانات استقرار، ووضوح مستقبل الفصائل الإشكالية داخل منظومة الحكم، وضمانات أمان لكافة مكوِّنات الشعب السوري.
وفي الحالة اللبنانية، فإنَّ الأمرَ بدا أكثر وضوحًا في ما صدر عن العواصم والمؤسسات المانحة من شروط شفافة تُطالب لبنان بدولة، ونظام، وإصلاح، وسيطرة على السلاح غير الشرعي وقرار الحرب والسلم.
في لبنان مَن رأى أنَّ البلد يحتاج إلى الرعاية الإقليمية والدولية لتمكين دولته ومؤسساته، كما دعم حكومته ومؤسساته، ومنها العسكرية والأمنية، لتحقيق أشواط تقدم في إنجاز دفتر شروط المانحين.
ولا شك أنَّ في ما يُلمّح إليه الشرع في توجّهه لترامب بشأن لبنان ما يصبّ في مفهوم يرى أنَّ الحلّ الأمني الذي يطالب به العالم بيروت للتخلّص من سلاح الحزب غير منطقي ولا عقلاني من دون الحديث عن إمكانية ذلك في وقتٍ لم يستطع جيش إسرائيل في حربه في غزة منذ 2023 أن ينزع سلاح “حماس” هناك.
على العالم أن يتحمّل مسؤوليته في دعم تحوّلات سوريا ولبنان التاريخية. يكاد الشرع يقول إنَّ سوريا في مركبٍ واحد مع لبنان. وأنَّ على العالم أن لا يُعامِل لبنان (وسوريا) كملفٍّ أمني، وأنَّ حوار سوريا مع لبنان، بما في ذلك الحوار مع “حزب الله”، هو السبيل الوحيد لعلاقات صحية لصالح البلدين.
يتسرّب من كلام الشرع شيءٌ يشبه “العقد الاجتماعي” الواجب أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّ العالم قد تغيّر. لا أحد في سوريا يريد تكرار تجربة موجعة في علاقة البلدين سواء في خطَإِ تدخُّل نظام الأسدين السيِّئ الذكر في لبنان أو في خطيئة تدخُّل “الحزب” التي تغتفر في سوريا وإن يُعمل على تجاوزها.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
