ماذا بَعدَ الاتفاق الأميركي – الإيراني؟

الدكتور ناصيف حتّي*

يشكّل الاتفاق الأميركي – الإيراني، الذي يصفه بعض المراقبين بأنه اتفاقٌ إطاري أو “مذكرة تفاهم إسلام أباد”، والمقرر توقيعه يوم الجمعة المقبل (19 حزيران/يونيو)، محطّةً مفصلية في مسار التطوّرات الجارية في الشرق الأوسط. ويكتسب الاتفاق أهمية إضافية لكونه ثمرة وساطة قادتها باكستان، حيث أعلن رئيس وزرائها ميان محمد شهباز شريف التوصُّل إليه بعد جولاتٍ تفاوضية مكثّفة اضطلع خلالها بدور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران.

ويُفترَض أن تفتح المرحلة المقبلة الباب أمام سلسلة من إجراءات بناء الثقة المتبادلة في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، على أن تمتدَّ خلال الشهرين المقبلين تمهيدًا لمعالجة الملفات التي ما زالت عالقة أو مؤجلة. ويأتي الملف النووي الإيراني في صدارة هذه القضايا، باعتباره العقدة الأساسية التي ستُحدّد مصير التفاهم الجديد، وما إذا كان سيتحوّل إلى اتفاقٍ متكامل وقابل للاستمرار، أم سيبقى إطارًا أوّليًا يحتاج إلى استكمالٍ وتثبيتٍ عبر تفاهمات إضافية.

وفي صلب المفاوضات يبقى الملف النووي الإيراني العقبة الأكثر تعقيدًا. فواشنطن لا تخفي أنَّ هدفها النهائي يتمثّل في تفكيك البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة، وهو الموقف نفسه الذي دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى إلى الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” أو “اتفاق 5+1”.

كما تضغط الولايات المتحدة باتجاه التخلُّص من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المئة، والذي يُقدَّر بنحو 440 كيلوغرامًا. وتعتبر واشنطن أنَّ الاحتفاظ بهذا المخزون يمنح طهران القدرة على الاقتراب سريعًا من “العتبة النووية”، أي امتلاك الإمكانات التقنية اللازمة لإنتاج رؤوس نووية في فترة زمنية قصيرة، بما يفتح الباب أمام انضمامها فعليًا إلى ما يُعرف بـ”النادي النووي”.

في المقابل، ترفض طهران حتى الآن نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، رغم تداول مقترحات تدعو إلى اعتماد هذا الخيار ضمن تسوية شاملة. غير أنَّ هذه الطروحات ما زالت تصطدم بخلافاتٍ تتعلّق بتحديد الدولة التي يُمكن أن تستضيفَ هذا المخزون وآليات الإشراف عليه، ما أبقى هذا الملف في دائرة التعثّر ولم يسمح بإحراز تقدُّمٍ حاسم بشأنه.

وفي الوقت نفسه، تتمسك إيران بحقّها في مواصلة تخصيب اليورانيوم للأغراض التي تصفها بالمدنية، ضمن الحدود المسموح بها دوليًا. ومن هذا المنطلق، تؤكد طهران أنها لا تعارض استمرار عمليات التخصيب طالما بقيت ضمن السقف المتوافق عليه دوليًا، أي عند مستوى لا يتجاوز نحو 4 في المئة.

ورغم الأهمية السياسية التي يمثلها الاتفاق الجديد وما حققه من تقدُّم في مسار التهدئة بين الجانبين، فإنَّ الملف النووي لا يزال يشكل نقطة الاختبار الأساسية لنجاحه. فهذه القضية تبقى، وفق توصيف كثيرين، بمثابة “القنبلة الموقوتة” داخل التفاهم القائم، من دون أن يعني ذلك استحالة التوصُّل إلى تسوية نهائية. وفي هذا السياق، تتردد أفكارٌ تتعلّق بإمكانية التوافق على وقف عمليات التخصيب لفترة زمنية طويلة تتراوح بين 15 و20 عامًا، إلّا أنَّ فُرَصَ قبول إيران بمثل هذا الطرح لا تزال موضع شك كبير.

ومن المتوقع أن ينعكس الاتفاق الأميركي – الإيراني على مجمل بؤر التوتر في المنطقة، من خلال المساهمة في احتواء أو خفض مستوى “الصراعات بالوكالة” التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية بدرجاتٍ وأشكالٍ متفاوتة. ويأتي الملف اللبناني في مقدمة هذه الساحات، في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان وما ترتبط به من تداعياتٍ إقليمية مباشرة.

وبحسب هذا التقدير، رأت إسرائيل في الظروف التي أفرزتها استراتيجية “وحدة الساحات” التي أعلنها “حزب الله” فرصة لإطلاق حرب واسعة النطاق على لبنان. ومع اقتراب واشنطن وطهران من التوصل إلى تفاهم، عمدت تل أبيب إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية وتصعيدها ميدانيًا وناريًا، في محاولة لإبقاء الساحة اللبنانية خارج إطار التفاهم الجديد، وجعل أي ترتيبات مستقبلية فيها خاضعة لشروطها الأمنية والسياسية. غير أنَّ هذا التوجه يواجه رفضًا من الأطراف المعنية، وإن اختلفت دوافع هذا الرفض وحساباته.

في المقابل، تسعى واشنطن إلى إدراج وقف إطلاق النار ضمن مفاعيل الاتفاق الجديد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التوصُّل إلى وقفٍ دائم ومستقر للعمليات العسكرية. أما من وجهة النظر اللبنانية، فإنَّ تثبيتَ وقف إطلاق النار يشكّل المدخل الأساسي لأيِّ مسارٍ تفاوضي، وهو مطلبٌ ترفضه إسرائيل بصورة كاملة حتى الآن. ويُسهم هذا التباين في تعقيد المفاوضات الجارية، رغم استمرار البحث عن صيغ وآليات تَحُولُ دون انهيار المسار التفاوضي، ومن بينها الطروحات المتعلقة بإنشاء ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”.

هل ستوقف إسرائيل حربها كليًا أم ستعمل على حصرها في جنوب لبنان مع الإصرار عل محاولة فرض قواعد اشتباك تُحدّدها وحدها من حيث جغرافية الحرب واحتمال تقليصها أو توسيعها؟

سؤال يبقى مطروحًا خصوصًا في ظلِّ التطوّرات الحاصلة مع اتفاق التفاهم الأميركي – الإيراني.

الاتفاق المشار إليه يُفترَض أن يُساهم في تعزيز هدنة على الأرض. هدنةٌ لن تكون لجملة من الأسباب بمثابة تفاهم أمرٍ واقع جديد قد يتكرّس مع الوقت إذ إنَّ الظروف اليوم تختلف كليًا عن الأمس القريب والبعيد في تكريس وضع احتلال ومقاومة له.

المسار الذي يتمسّك به لبنان قوامه وقف كلي لإطلاق النار من طرف إسرائيل والدخول في مسار يقوم على خطوات كما هي حال المفاوضات في حروب وصراعات معقدة، وعلى انسحاب إسرائيل كليًا إلى خط الهدنة وعودة الأسرى وتثبيت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية والسيطرة الكلية للجيش اللبناني في الجنوب حتى الحدود الدولية وامتلاك السلطة اللبنانية وحدها لقرار الحرب والسلم.

مسار دونه الكثير من التحديات حيث يتشابك الداخلي بالخارجي والدولي بالإقليمي، ولكنه المسار الوحيد لإنقاذ لبنان من “لعبة الأُمم” و”حروب الاخرين” إلى أن يتمَّ التوصل إلى تحقيق السلام الشامل والدائم والعادل وفق مبادرة السلام العربية لعام 2002.

مبادرة مهما همّشتها أو أضعفتها التطورات الإقليمية تبقى الحل الوحيد الواقعي ولو البعيد للتسوية الشاملة والدائمة ولتوفير الاستقرار المطلوب في الإقليم.

Exit mobile version