الحَربُ في الخليج والسيناريواتُ المُمكِنة

الدكتور ناصيف حتّي*

مرَّ شهران على اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وهي مواجهة حملت تسميات مُتباينة تعكس زوايا النظر إليها: “الغضب الملحمي” في الخطاب الأميركي، و”زئير الأسد” في الرواية الإسرائيلية، و”الوعد الصادق 4″ في السردية الإيرانية. ورُغمَ حدّة المواجهة، يؤكد الرئيس دونالد ترامب أنَّ وقف إطلاق النار، الذي أُعلن في مطلع الأسبوع الثاني من الشهر الماضي، لا يزال ساريًا، مُشدّدًا على انتهاء العمليات القتالية.

جاء هذا الموقف في توقيتٍ لافت، تزامُنًا مع انقضاء المهلة القانونية التي تُلزِمُ الإدارة الأميركية بتقديم تقريرٍ إلى الكونغرس حول سير الحرب. وفي هذا السياق، لم يُخفِ الرئيس الأميركي رفضه طلب تفويض جديد لتمديد العمليات العسكرية ثلاثين يومًا إضافيًا بموجب قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، بل ذهب أبعد من ذلك، مجددًا انتقاده لهذا القانون واعتباره غير دستوري وغير مُلزِم له، وفق تفسيره الخاص. ومن هذا المنطلق، يرى ترامب أنَّ إعلان وقف إطلاق النار قد أوقف فعليًا “العدّ التنازلي” القانوني، ومنحه هامشًا أوسع للمناورة السياسية والعسكرية.

بعيدًا من “لعبة الاجتهادات القانونية”، لا يعني وقف إطلاق النار أنَّ الحرب قد انتهت فعليًا، بل إنَّ المشهد يبقى محكومًا بحالةٍ من الغموض والرمادية، تُستخدَم بحدِّ ذاتها كأداةٍ في إدارة الصراع. فهذه المنطقة الرمادية تُتيحُ للأطراف المعنية هامشًا للمناورة، وتُبقي خيارات التصعيد أو التهدئة مفتوحة وفق مقتضيات المرحلة.

في هذا السياق، يبرزُ المقترح الإيراني للتسوية، كما يُتداول، بوصفه محاولة لإعادة ترتيب أولويات النزاع. يقوم هذا الطرح على جملة عناصر أساسية، في مقدمتها فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وتأجيل البت في الملف النووي. ويتضمن ذلك احتفاظ طهران بحق تخصيب اليورانيوم، مقابل تعليق العمل به لفترة قد تمتد بين 15 و20 عامًا، مع الإبقاء على مخزونٍ من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 في المئة. وهو ما يمنح إيران، نظريًا، القدرة على بلوغ “العتبة النووية” خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا إذا قررت ذلك.

ويُفترض أن يتم هذا الترتيب تحت إشراف ورقابة دوليين، مع طرح إمكانية نقل اليورانيوم المخصَّب إلى دولة صديقة للاحتفاظ به، إلى جانب الاعتراف بحق إيران في استئناف التخصيب بنسبة 3.67 في المئة ضمن الأطر الرقابية المعتمدة دوليًا. غير أنَّ هذا الطرح يواجه رفضًا قاطعًا من جانب الرئيس الأميركي، الذي يرى فيه تنازلًا غير مقبول يمنح طهران هامشًا استراتيجيًا خطيرًا.

في المحصّلة، تطرح طهران مقاربة تقوم على وقف النزاع وفتح مسارٍ تدريجي لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من البوابة الاقتصادية والتجارية، مقابل ضمانات بتجميد أو تأجيل الملف النووي ضمن الصيغة المشار إليها. إنها محاولة لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأولويات، من دون التخلي عن الأوراق الاستراتيجية الأساسية.

في المقابل، يغيب ملف ما يُعرف بـ”الأذرع” الإيرانية في الإقليم عن الطرح الرسمي الإيراني، رُغمَ أنه يحتلُّ موقعًا محوريًا في الأجندة الأميركية. ومع ذلك، يبقى هذا الملف حاضرًا بشكلٍ غير مباشر، إذ يُرجَّح أن يُطرَحَ تباعًا على طاولة المفاوضات إذا ما تقدمت، ضمن مقاربة براغماتية تقوم على معالجة كل قضية على حدة، عبر تفاهمات مرنة وغير مكتوبة تحكمها توازنات القوى والظروف السياسية.

غير أنَّ الوصول إلى مثل هذه التفاهمات لا يبدو مسارًا سهلًا أو مستقرًا. فهي بطبيعتها ظرفية، ترتبط بسياق اللحظة السياسية والأمنية التي تُنتج الهدن أو التفاهمات، وتبقى عُرضةً للتبدُّل مع تغيُّر المعطيات. وفي بيئة إقليمية معقدة كالشرق الأوسط، حيث تتداخل الصراعات وتتشابك مساراتها بين المباشر والوكيل، نادرًا ما تتحوَّل هذه التفاهمات إلى ترتيباتٍ دائمة، بل تظلُّ مؤقتة، رهينة أولويات متغيّرة في لعبة التنافس الإقليمي.

وقد جاء الموقف الأميركي حاسمًا في رفض “الورقة الإيرانية”، ما يعكس فجوة عميقة في مقاربات الطرفين. وتشير المعطيات إلى أنَّ واشنطن تميل إلى تصعيد الضغوط عبر المسار الاقتصادي، من خلال تشديد الحصار وتعزيزه في إطار استراتيجية خنق اقتصادي، تُطرَحُ كبديل أقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة، من دون أن يعني ذلك استبعاد هذا الخيار نهائيًا من الحسابات.

وعليه، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى هدنة عسكرية منها إلى نهاية فعلية للقتال، بصرف النظر عن التصريحات الرسمية. إذ يتقدم منطق “حرب الرسائل” ليحكم مسرح الصراع، سواء في ساحته المباشرة أو عبر امتداداته في بؤر التوتر الإقليمية. إنها مواجهة متعددة المستويات، تتخذ طابعًا غير مباشر في كثير من الأحيان، وتتقاطع مع صراعات قائمة، فتستفيد منها وتعيد تغذيتها بأشكال مختلفة.

وفي هذا السياق، لا يعني خفض مستوى العمليات العسكرية، أو حتى وقفها مؤقتًا، أن الصراع يتجه نحو التسوية أو الإغلاق. بل إنَّ الانتقال إلى أدواتٍ “غير عسكرية” —اقتصادية وسياسية وأمنية— يظلُّ جُزءًا من إدارة النزاع، لا بديلًا منه. كما يبقى خطر الانزلاق مجددًا إلى المواجهة العسكرية قائمًا، سواء بفعل تصعيد تدريجي على الأرض، أو نتيجة قرار محسوب بإعادة فتح جبهة القتال.

ما يجري اليوم لا يعكس نهايةً للصراع بقدر ما يُشيرُ إلى تحوّلٍ في طريقة إدارته وأنماط مواجهته. إنها مرحلة انتقالية تُعادُ فيها صياغة أدوات الاشتباك، بانتظار تبلور تسوية أو تفاهم يوفّر قدرًا من الاستقرار، ويمنح الأطراف فسحة زمنية للعودة إلى طاولة المفاوضات ومعالجة جذور الأزمة. غير أنَّ هذا المسار يبقى مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددة، في ظلِّ صراعٍ أثبت قدرته على التحوُّل السريع، من حربٍ قصيرة نسبيًا في حزيران (يونيو) الماضي إلى مواجهة أوسع توقفت مؤقتًا، لكنها لم تنتهِ.

Exit mobile version