عودة حَسَن الحشَّاش

راشد فايد*

تُذَكِّر الحرب الدائرة على لبنان وفيه، بقول كارل ماركس “الدين أفيون الشعوب”، والأصح الجماهير، تقودها العقائد الصلبة، من دينية ودنيوية، وإلّا ما معنى أن يخرج من تحت الأنقاض، ومن بين ثنايا الموت التدميري، والنزوح المهين، مَن يرفع شعار الموت لإسرائيل وأميركا، على طريقة زكريا في مسرحية نزل السرور لزياد رحباني: صحيح ضربتني، بس أنا عيَّطت عليها.

قد يشتمّ سيئو النية في ذلك دعوة لرفع الرايات البيض استسلامًا، لكن الحقيقة هي في التمييز بين الاقتدار والانتحار، ولكلِّ منهما حيثيات ليس مجالها هذا السرد، ولكن تقتضي الحكمة أن يعجم القائد عيدانه ليعرف أيُّها أصلبُ عودًا وأشدُّها كسرًا، على قول الحجاج بن يوسف في خطبته الشهيرة حين قدم على العراق.

تُذكِّرُ هذه الحرب، أيضًا، بقصة حسن الصبّاح، زعيم فرقة الحشاشين، وقلعة “ألاموت”، التي أرّخ لها أمين معلوف في روايته الشهيرة “سمرقند”، مُقتفيًا سيرة عمر الخيام.

يندهش قارئ التاريخ من سهولة تجنيد أتباع حسن الصباح وغسل أدمغتهم للقيام بعمليات انتحارية، ويسميها المؤيدون، في هذا الزمن، استشهادية، ويشير علم النفس إلى ارتفاع نسبة الاكتئاب لدى الانتحاري، وسهولة انقياده وتأثره الشديد بمحيطه، وميله إلى الانتحار، واختزانه مشاعر عاطفية كبيرة والتزامه المتشدد بفكرة دينية أو سياسية، بحيث يرى أنَّ الحياة خيرٌ وشر، ولا وسط بينهما، ويعتقد أنه ضحية وليس جلّادًا.

من صفات الحشّاش الانتحاري ذاك، استعداده للموت، لأنه يعتنق قضية أهم من الحياة، حسب ظنه، لكن ميله الانتحاري يترافق مع غياب محاولات الانتحار، لأنَّ الدين يُحرّمه، ولأن إيجاد مفهوم الاستشهاد، فتح الباب مواربة لتمويه مخالفة الدين. وهو ليس عديم المشاعر، وليس مليئًا بالكراهية، بل على العكس، فتفجير نفسه وقتل الآخرين سببه حبه لأهله ودينه وأبناء جماعته التي ينضوي تحتها، وخوضه حربًا يعرف أنها غير متكافئة يعني له أنه قدم شيئًا استثنائيًا لهم، وأنه انتقم لمعاناتهم، وهو لا يمتلك مشاعر كراهية تجاه الضحايا، كأفراد، لكن موتهم يعني إرضاء معتقده وإرضاء مَن يُحب.

أما كيف كان يتم “قولبة” الحشاش المقاتل في قلعة “ألاموت” فالجواب في بحث للدكتور حسن ياسين، نُشِرَ قبل عامين، يُعدّد المراحل: أولًا: إيجاد فكرة أهم من الحياة تغزو تفكيره، كأن يتم تلقينه أنَّ الدفاع عن أفكار الإمام، أو القائد، هو دفاع عن الدين، أو العقيدة، هو أهم من الحياة، وهذا يصغّر قيمتها في نظره ويقربه من الموت، الذي نذر نفسه له.

ثانيًا: إعلاء قيمة الموت في نظره، وأشهر مفهوم ينجح بذلك هو الشهادة، وجعل الموت في سبيل قضيةٍ ما أهم ما يمكن لإنسانٍ فعله.

ثالثًا: تحويله إلى بطل بنظر الناس، فهو إنسانٌ غير مشهور منفي في بيئته، يشعر بأنَّ لا قيمة له، فإذا تمَّ إيهامه بأنَّ ما سيفعله عملٌ بطولي وأنه مُنقذٌ لآلام شعبه أو حزبه أو دينه فسيصبح مستعدًّا للتضحية بأناه الحقيقية وحياته مقابل حصوله على أنا متفوِّقة بنظر الآخرين.

رابعًا: تخليده، وذلك لإزالة الخوف من الموت، وعبر إقناعه بأنَّ مصيره في جنةٍ ما، أو أنَّ التاريخ سيذكره.

تتطلب العوامل الأربعة السابقة وجود شخص أو منظومة قادرة على غرسها داخل دماغٍ ما، وكانت تدريبات الحشّاشين تقوم على السمع والطاعة العمياء، وفنون القتال، وفنون التخفي والتورية.

أما سبب تسمية “الحشاشين” بهذا الاسم فقد قيل عن هذه القلعة إنَّ فيها حدائق تشبه حدائق الجنة، المتخيَّلة، وقيل أنهم كانوا يأتون بمن يتم اختياره لتنفيذ عملية اغتيال، فيعطوه جرعة من الحشيشة، ثم يجلسوه تحت أشجار الحديقة، ويجلبوا له الجواري الحسان. ويقولون له أنَّ هذه هي الجنة، وأنه سيعود إليها بعد تنفيذ المهمة الموكلة إليه، ومنها أخذوا لقب الحشاشين، نسبة للحشيشة المعطاة لهذا المضلل.

وأُطلِقَ على الجماعة في ما بعد اسم “القاتل المأجور”، إذ لم تبق اغتيالاتهم محصورة بمن خالفهم، أو عادى دعوتهم، بل أصبحوا مرتزقة تُدفَع لهم الأموال ليقوموا باغتيالات لا علاقة لهم بضحاياها ودامت دولتهم ما ينوف على 170 سنة، في بلاد فارس حيث كانت معاقلهم الأساسية، والشام بعدما هاجر إليها بعضهم من إيران، بين القرنين 11 و13 ميلادية.

ما الرابط بين مغزى “الدين أفيون الشعوب”، وبين مسيرة “دولة الحشاشين”: تعطيل العقل الجمعي، وإقصاء الحوار باعتبار أن ما كُتِب قد كُتِب، ولا راد لقضاء الله، واعتبار ازهاق ارواح البشر وتدمير الحجر وتشريد مئات الالاف “انتصارًا للدم على السيف”.

وفي الحرب الراهنة لم نسمع أو نقرأ العبارة الشهيرة “هيهات منّا الذلة” أو “لن تُسبى زينب مرّتَين”، أمام مشاهد مصوَّرة أو متلفزة لأنقاض الضاحية والجنوب، وامتدادها إلى بيروت، ولتشريد النازحين الذين فاق عددهم المليون نسمة، فيما ناف عدد الضحايا على الألفين، غالبيتهم من المدنيين.

برُغمِ ضخامة الدمار وعديد الضحايا، وفظاعة المجازر، لم تتردد، في “البيئة الحاضنة، عبارة “فدا صرماية السيد” ك” trend” إلى خيم، ومراكز إيواء أقيمت على عجل، تُهين الإنسان، ولا تمكّنه من مواجهة قسوة الزمان، وبلاء القدر.

أمَا في هذه الجولة، فما كان الحال كما في 7 أيار (مايو) 2008، يوم حاول “حزب الله” المُسَيطر حينها تثمير صموده في حرب تموز (يوليو) 2006 لقلب المعادلات الداخلية، باللجوء الى العنف وتقويض السلم الأهلي، يوم رفعت اليافطات والصور العملاقة، لا سيما خارج البيئة الحاضنة الشهيرة، في استفزازٍ فج للأخر. واليوم على العكس من ذلك، تشجع المعارضون للحزب على مغادرة المضض، ورفع الصوت فوق الأنقاض، كما تلك السيدة النازحة التي صرخت، أمام الإعلاميين والكاميرات، بكل عزمها وحزنها، “نحنا مش فدا حدا”، ولم يحاول عسس الحزب المهيمن إسكاتها، كما في زمن “السحسوح” الشهير، ربما لترك متنفس للبيئة الحاضنة كي تترجم غضبها المكبوت قبل أن ينفجر.

على نقيض من جولة 2006 التي ترجمت أهدافها في الداخل بحرب أيار (مايو) 2008 التي حاصرت بيروت والجبل وكادت تقوّض وحدة البلد حين كان مشروع باراك أوباما لتحالف الأقليات يشقُّ طريقه الى المنطقة باستفزاز الداخل على الشركاء في الوطن، فيتكامل تدمير اسرائيل البنية التحتية للدولة مع تدمير الحزب البنية الإجتماعية معبرًا إلى ضرب التوازن الديموغرافي والتماسك الأهلي.

ليس من ارتباطٍ تاريخي أو آني بين أهل قلعة “ألاموت” والحرب الإسرائيلية على لبنان، لكن يصعب تجاهل تصنيع الكبتاغون بكميات مهولة وشبكة توزيع دولية، فالمخدرات، تحديدًا حشيشة الكيف، كانت كبتاغون ذلك الزمن وبه سيطر حسن الصباح على مقاتليه وشجعهم على الانتحار من قمة قلعته بعد وعدهم بالجنة وأنهم سيعودون منها، ظافرين بما أباحه حسن من موبقات كالخمرة والجنس.

ولربما كان “استنباش” الزواج المنقطع، الذي لم يكن شيعة لبنان يتبنونه، قبل الثمانينيات من القرن المنصرم، سوى ملمح فارسي لهيمنة نهج اجتماعي ديني طارئ، لكن مستمر، والباقي منها الآن خرائب بالجوار ل23 مبنى كانت مكتبات وحدائق، دمرها هولاكو وهو في طريقه لغزو بغداد في كانون الأول (ديسمبر) 1256 ميلادية.

كانت القلعة حصينة جدًا، لكن ركن الدين خورشاه وهو آخر أمراء الحصن استسلم بلا قتال على أمل أن يرحمهم هولاكو وهو ما لم يفعله، إذ دمرها بالكامل، وهي، اليوم، على بعد نحو 100 كلم من العاصمة طهران.

ما تبقّى من الحصن اليوم هو الخراب، والذكرى.

Exit mobile version