تُرسّخ موسكو حضورها في الشرق الأوسط عبر تدخُّلٍ محسوب لا يهدف إلى الحسم بقدر ما يسعى إلى تثبيت النفوذ. وفي ظل صراع مفتوح، تراكم روسيا أوراقها بانتظار لحظة توظيفها على طاولة التسويات.
نيكيتا سماغين*
ليس صحيحًا أنَّ موسكو تقف على هامش الصراع الدائر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. فروسيا، رُغمَ محدودية قدرتها على التأثير المباشر في مجريات المواجهة، خرجت بجملة مكاسب ملموسة، أبرزها العائدات الإضافية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب احتمال انشغال الغرب وتقليص دعمه العسكري لأوكرانيا. غير أنَّ هذه المكاسب لا تُخفي قلقًا متزايدًا داخل الكرملين من غياب أدوات فعالة تُتيحُ له التأثير في مسار الأحداث.
في هذا السياق، تبدو موسكو في حالة بحثٍ حثيث عن موطئ قدم داخل المعادلة، سواء عبر دعم إيران بتقنيات عسكرية مثل الطائرات المسيّرة، أو من خلال تزويدها بمعلومات استخباراتية ميدانية. ومع ذلك، يبقى الهدف النهائي من هذا الانخراط غامضًا، وربما غير محسوم حتى داخل دوائر القرار الروسية نفسها. فالأولوية الراهنة، على ما يبدو، ليست توجيه مسار الصراع بقدر ما هي تراكم أوراق نفوذ يمكن استخدامها لاحقًا.
ورُغمَ إعلان موسكو، منذ اندلاع الضربات الأميركية–الإسرائيلية، استعدادها للعب دور الوسيط، فإنَّ مبادراتها لم تلقَ آذانًا صاغية. وقد أقرّ الكرملين صراحة بأنَّ أيًّا من أطراف النزاع لا يرى حاجة إلى وساطة روسية، فيما اتجهت الأنظار نحو مسارات تفاوضية بديلة، كان أبرزها اختيار باكستان لاستضافة محادثات السلام، مع إبقاء تركيا خيارًا احتياطيًا.
هذا التهميش لم يمرّ مرور الكرام في موسكو، بل اعتُبر بمثابة انتكاسة ديبلوماسية، خصوصًا في ظل التأثيرات المباشرة للصراع على مصالحها داخل إيران. فقد طالت الأضرار منشآت حيوية مرتبطة بروسيا، من بينها القنصلية في أصفهان التي أُغلقت، وكنيسة أرثوذكسية في طهران تعرّضت للقصف، إضافةً إلى تدمير ميناء بندر أنزلي على بحر قزوين، الذي يُعدّ محورًا رئيسًا للتبادل التجاري بين البلدين.
نفوذ مُستبعَد: موسكو بين التهميش والضرر المباشر
غير أنَّ ما أثار القلق الحقيقي في موسكو لم يكن الأضرار الجانبية التي لحقت ببعض منشآتها، بل الضربات الأميركية–الإسرائيلية المتكررة على محطة بوشهر النووية. فهذه المنشأة، التي تُعدّ أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في إيران، تُدار من قبل فنيين تابعين لمؤسسة “روساتوم” الحكومية، وتعتمد على وقود نووي روسي منخفض التخصيب. وقد أسفرت تلك الهجمات عن سقوط ضحايا، من بينهم موظف إيراني على الأقل، كما دفعت موسكو إلى اتخاذ خطوة غير اعتيادية بإجلاء معظم رعاياها من الموقع.
وإذا كان من الممكن تفسير ما طال الكنيسة الأرثوذكسية في طهران أو القنصلية في أصفهان باعتباره نتيجة عرضية لتصاعد العمليات العسكرية، فإنَّ الأمر يبدو مختلفًا تمامًا في حالتَي بوشهر وميناء بندر أنزلي. فهنا، لم تتردد موسكو في التعبير عن امتعاضها، إذ اعتبر متحدث باسم وزارة الخارجية الروسية أنَّ الضربات تمسّ مباشرة بالمصالح الاقتصادية لبلاده، في إشارة إلى اتساع نطاق التأثير ليطال ركائز التعاون الروسي–الإيراني.
هذا الواقع يفتح الباب أمام قراءة أكثر تشاؤمًا: فلو قررت واشنطن وتل أبيب تقليص الدور الروسي في إيران، فإنَّ الأدوات المتاحة أمام الكرملين تبدو محدودة، وربما لا تتجاوز إصدار بيانات احتجاج ديبلوماسية. غير أنَّ مثل هذا السيناريو، من وجهة نظر القيادة الروسية، لا يقتصر على كونه خسارة ظرفية، بل يُعدّ سابقة مقلقة قد تُكرّس تهميش دورها في ساحات أخرى.
وتزداد حساسية هذا القلق في ضوء التحوُّلات التي شهدتها السياسة الخارجية الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. فمع تدهور العلاقات مع الغرب، برز الشرق الأوسط كفضاء حيوي لتعويض الخسائر السياسية والاقتصادية. إذ حافظت دول المنطقة، في معظمها، على مقاربة أكثر توازنًا تجاه موسكو، ولم تنخرط بالكامل في سياسات العزل الغربية، بل استمرت في التعامل معها كشريك شرعي. وقد انعكس ذلك في تنامي التبادل التجاري، والتخطيط لممرات نقل جديدة، والسعي إلى ابتكار صيغ تعاون اقتصادي أقل عرضة لتداعيات العقوبات الغربية.
رهانات مهدَّدة: الشرق الأوسط كساحة بديلة تحت الضغط
تعني الحرب الدائرة اليوم أن مجمل هذه الرهانات بات مهددًا. فالأمر لا يقتصر على إيران، حيث تستثمر موسكو في مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها ممر النقل بين الشمال والجنوب ومركز إقليمي للغاز الطبيعي، بل يمتد ليطال شبكة علاقاتها الأوسع في الشرق الأوسط. وفي مقدمة هذه العلاقات، تبرز الشراكة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي شهدت طفرة ملحوظة منذ العام 2022، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من مرتين، وتحوّلت الإمارات إلى محطة لإعادة تصدير سلع خاضعة للعقوبات -مثل الرقائق الإلكترونية- إلى السوق الروسية، فضلًا عن دور بعض بنوكها في تسهيل المعاملات المالية الخارجية لموسكو. اليوم، تقف هذه المنظومة بأكملها أمام مخاطر جدية.
بهذا المعنى، لا تبدو المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل حدثًا يهزّ أسس المقاربة الروسية في الشرق الأوسط. فالتوازنات التي بنت عليها موسكو سياستها خلال السنوات الأخيرة تتعرّض لاختبارٍ قاسٍ، ما يدفعها إلى إدراك الحاجة لابتكار أدوات جديدة لممارسة النفوذ، بدل الاكتفاء بدور المراقب.
ومع ذلك، لا يزال نطاق الانخراط الروسي المحتمل غير محسوم، خصوصًا في ما يتعلق بدرجة الدعم الذي قد تقدّمه لطهران. لكن المؤشرات القائمة توحي بأنَّ التعاون العسكري بين البلدين يسير في اتجاه تصاعدي لا العكس. ففي آذار (مارس) الماضي، بدأت روسيا تزويد إيران بطائرات “«جيران” المسيّرة، وهي نسخة مطوّرة من طائرات “شاهد-136″، في خطوة تعكس انتقال العلاقة الدفاعية إلى مستوى أكثر تقدمًا.
ومنذ العام 2022، توسّعت قائمة المعدات العسكرية التي تبدي موسكو استعدادها لتصديرها إلى إيران، لتشمل طائرات الهليكوبتر الهجومية والمركبات المدرعة والأسلحة الخفيفة. ومع دخول الطائرات المسيّرة على الخط، بات هذا التعاون يتضمّن أدوات قادرة على إحداث تأثير مباشر في ميزان القوة الميداني، بما في ذلك استهداف القوات الأميركية والإسرائيلية. وفي موازاة ذلك، كانت موسكو وطهران قد توصلتا إلى تفاهمات أوّلية بشأن تزويد إيران بمقاتلات “سو-35” وأنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف (مانباد)، غير أنَّ هذه التفاهمات بقيت حتى الآن في إطارها النظري، من دون تأكيد رسمي على تنفيذها فعليًا.
في هذا السياق، تمضي موسكو في مشاركة طهران بعض المعلومات الاستخباراتية، في محاولة لتوجيه إيقاع الضربات الإيرانية وتحسين فعاليتها. غير أنَّ هذا الدعم يظل محسوبًا بدقة، محدودًا في حجمه ونطاقه، بما يعكس حرص الكرملين على اختبار حدود انخراطه من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى دول الخليج.
ما تُحقّقه روسيا، في المحصّلة، ليس تغييرًا مباشرًا في مسار الصراع بقدر ما هو تثبيت موطئ قدم داخله. فمجرد حضورها -ولو عبر قنوات دعم غير مباشرة- يمنحها موقعًا على طاولة الحسابات الإقليمية. وإلى جانب ذلك، تفرض الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة الإيرانية عبئًا إضافيًا على الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يُضطرون إلى استهلاك موارد دفاعية، كان يمكن توجيهها إلى جبهات أخرى، وفي مقدمتها أوكرانيا.
من زاوية أوسع، يُنظر إلى هذا الدعم الروسي بوصفه ورقة نفوذ قابلة للاستثمار سياسيًا في مرحلة لاحقة. فقد أشارت تقارير إلى أنَّ موسكو لوّحت بالفعل بإمكانية وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إيران، مقابل خطوة مماثلة من واشنطن وحلفائها تجاه أوكرانيا—في إشارة واضحة إلى توظيف هذا الانخراط المحدود كأداة تفاوضية.
ومع ذلك، لا تزال المشاركة الروسية في هذه الحرب ضمن سقف منخفض. فهي أقرب إلى مناورة استراتيجية تهدف إلى حجز موقع متقَدِّم في أيِّ ترتيبات مستقبلية، لا إلى محاولة حاسمة لترجيح كفة طرف على آخر. ويُذكِّر هذا النهج ببدايات التدخُّل الروسي في الحرب السورية، حين سعت موسكو أولًا إلى تثبيت حضورها قبل توسيع دورها لاحقًا. وبعبارة أخرى، تعمل روسيا اليوم على مراكمة أدواتها في السياسة الخارجية، على أن تُحدّد لاحقًا كيف ومتى توظفها بما يخدم مصالحها على أفضل وجه.
- نيكيتا سماغين هو خبير في السياسات الإيرانية الخارجية والداخلية، والإسلام السياسي، وسياسة روسيا في الشرق الأوسط.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
