اتسمت المحادثات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان بالخلل البنيوي بسبب استبعاد دول الخليج. وإذا كان لأي اتفاق أن يَصمد في المدى الطويل، فلا بُدّ من إشراك هذه الدول وتمثيل مصالحها في هذه المفاوضات.
مهنّد سلّوم*
غادرت الولايات المتحدة وإيران جولة محادثاتهما المباشرة رفيعة المستوى في باكستان من دون اختراقٍ يُذكر أو اتفاقٍ يُعتَدّ به. ووفق الرواية الأميركية، ظلّ الملف النووي العقدة الأشد استعصاءً، بما يحمله من تباينات عميقة بين الطرفين. غير أنّ الغياب الأبرز عن طاولة التفاوض لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا وجغرافيًا، تمثّل في تغييب دول الخليج العربية التي وجدت نفسها، خلال خمسة أسابيع من الحرب، في مرمى ضربات لم تكن طرفًا راغبًا فيها أصلًا.
قد لا يكون حضور هذه الدول في إسلام آباد كفيلًا بتذليل الخلاف النووي المعقّد، إلّا أنَّ استبعادها من مسارٍ تفاوضي يُفترَض أن يرسم ملامح منظومتها الأمنية لسنوات طويلة، يكشف خللًا بنيويًا في هندسة التفاوض نفسها. فدول الخليج لا تقف على هامش هذا المشهد، بل تتحكّم فعليًا بما يمكن تسميته “بيئة الامتثال”؛ من موانئ استراتيجية وقواعد عسكرية وبنى تحتية للطاقة، وصولًا إلى الممرات البحرية الحيوية. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تحدّد، في نهاية المطاف، ما إذا كان أيُّ اتفاق قابلًا للحياة والصمود، أو مجرد تفاهم هشّ سرعان ما يتآكل عند أول اختبار.
ما تواجهه دول الخليج خلال هذه الحرب يفرض توصيفًا مباشرًا لا يحتمل الالتباس. فقد تعرّضت جميع دول مجلس التعاون لضربات إيرانية خلال الأسبوع الأول، على الرغم من أنّها أعلنت منذ البداية رفضها استخدام أراضيها أو أجوائها لأيِّ عمليات هجومية ضد إيران. فمنعت استخدام قواعدها لأغراض هجومية والتزمت وضعًا دفاعيًا بالكامل، من خلال اعتراض المقذوفات الإيرانية من دون الرد عليها.
وقد لخّص أمير دولة الكويت، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، هذه المفارقة حين وصف الهجمات بأنها صادرة عن دولةٍ “لم نسمح باستخدام أرضنا أو أجوائنا أو مياهنا لأيِّ عملٍ عسكري ضدها”. ومع ذلك، لم يكن لهذا الموقف أي أثر رادع. فقد اعتبرت إيران أنَّ مجرّدَ وجود منشآت عسكرية أميركية يشكّل سببًا كافيًا للاستهداف، فضُربت دول الخليج لا بسبب أفعالها، بل بسبب ما يوجد على أراضيها وتحالفاتها.
يُمكن وصف المصطلح الاستراتيجي لما حدث بـ “انقلاب الأمن” حيث يتحوّل الارتباط بحليفٍ راعٍ من مصدر حماية إلى سبب يجعل الدولة هدفًا مشروعًا في نظر خصومه. فدول الخليج لم تُفعّل تحالفاتها بشكلٍ هجومي ولم تُنفّذ أيَّ طلعة قتالية. ومع ذلك، تكبّدت أكثر من 120 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية، بما في ذلك أضرار في منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر التي قد يستغرق إصلاحها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات. كما استُنزِفَ نحو 75 في المئة من مخزون صواريخ “باتريوت” الاعتراضية لدى الإمارات والكويت، و87 في المئة لدى البحرين. وكان يُفترَض أن يوفّر التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية ردعًا، لكنه في الواقع حوّل هذه الدول إلى أهداف.
المشكلة بعد الحرب
كُتب الكثير عن سقف الحياد الذي اعتمدته دول الخليج خلال هذه الحرب، وعن الخيارات التكتيكية المتاحة أمام دول مجلس التعاون، بل وعن قدرة ست دول متفرّقة على التعامل مع تحدٍّ يتطلّب، في جوهره، كتلة استراتيجية موحّدة. وهي نقاشات مشروعة وضرورية انطلقت من معطيات واقعية وحجج مقنعة. غير أن وقف إطلاق النار كشف عن مُعضِلة أعمق وأكثر خطورة: استبعاد دول الخليج من العملية الديبلوماسية التي قد ترسم ملامح منظومتها الأمنية في المستقبل القريب.
فقد تم التوصل إلى وقف إطلاق نار يُفترض أن يستمر أسبوعين عبر وساطة باكستانية. وقاد الوفد المفاوض نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس، إلى جانب المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ومستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنر. وقدّمت طهران خطة من عشر نقاط، قبلها الرئيس دونالد ترامب أساسًا للتفاوض. ورُغم ترحيب دول مجلس التعاون بوقف إطلاق النار، سارعت إلى طرح شروطها الخاصة بوضوح: إعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم، وقف الهجمات على أراضيها، ودفع تعويضات عن الأضرار من قبل إيران. وذهبت دولة الإمارات أبعد من ذلك، مطالبة بأن تشمل أي تسوية جميع عناصر التهديد الإيراني، من البرنامج النووي إلى القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة وشبكات الوكلاء والإكراه البحري. بدورها، شددت مصر صراحة على أنَّ أيَّ حوار أميركي–إيراني يجب أن يأخذ في الاعتبار “المخاوف الأمنية المشروعة” لدول الخليج.
هذه ليست مجرد ملاحظات ديبلوماسية عابرة، بل تعبير عن موقع إقليمي يتابع اتفاقًا ثنائيًا يُصاغ فوق رأسه، ويحاول، في اللحظة الأخيرة، إدخال مصالحه في بنوده قبل أن تتحوّل إلى وقائع مفروضة.
استبعاد الخليج استراتيجية في غير محلّها
من منظور واقعي شائع، يُقال إنَّ دول الخليج غائبة عن طاولة المفاوضات لأنها لا تملك أوراقًا تفاوضية حاسمة. فهي لم تخض الحرب مباشرة، ولا تتحكّم بالعوامل التي تشكّل جوهر التفاوض بين واشنطن وطهران: البرنامج النووي، قدرات التخصيب، وإيقاع التصعيد العسكري. وبناءً على هذا المنطق، تُختزل التسوية إلى شأنٍ بين القوى الكبرى، فيما يُدفع الخليج إلى موقع المتفرّج، المثقل بالتحفّظات من دون قدرة على التأثير.
هذا التصوّر خاطئ لأسباب استراتيجية لا أخلاقية.
تحتاج كل تسوية إلى بيئة امتثال، أي البنية المادية والاقتصادية والسياسية التي تحدّد ما إذا كانت البنود المُتفق عليها ستصمد أم ستنهار. تخضع هذه البيئة في الخليج إلى حدٍّ كبير لسيطرة دول مجلس التعاون نفسها. فلا يمكن لمضيق هرمز أن يعمل من دون سلطات الموانئ الخليجية، وخفر السواحل، والتنسيق البحري. كما إنَّ ترتيبات القواعد العسكرية التي يقوم عليها الوجود الأميركي في المنطقة مشروطة بموافقة خليجية يمكن توسيعها أو تقييدها أو سحبها. أما إعادة إعمار البنية التحتية للطاقة المتضررة، التي تعتمد عليها الأسواق العالمية، فتتطلب رأس المال الخليجي وقرارات تتعلق بالإيقاع والأولويات. كذلك تمرّ ترتيبات تبادل المعلومات الاستخبارية لرصد النشاط الصاروخي الإيراني عبر أنظمة خليجية، فيما يعتمد تنفيذ العقوبات في المجال البحري على تعاون هذه الدول.
ويمكن لاتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة وإيران أن يحدّد الشروط، لكن تحويل هذه الشروط إلى واقع عملي يظل بيد دول الخليج. واستبعاد الأطراف التي تتحكّم ببيئة الامتثال ليس براغماتية، بل تعكس خللًا بنيويًا يُنتج اتفاقًا غير قابل للاستمرار. وهنا يكمن الفرق بين وقف إطلاق النار والتسوية، إذ يتطلّب الأول طرفين مستعدين لوقف القتال، أما الثانية فتتطلّب إشراك جميع الأطراف التي يعتمد الاتفاق على سلوكها.
ماذا يعني ذلك عمليًا؟
لم يكن تعثّر المحادثات الأولية في إسلام آباد هو الخطر الأكبر على مسار تسوية طويلة الأمد. بل إنَّ نجاحها بشكلٍ محدود، عبر إنتاج صفقة ثنائية تقتصر على ضبط الملف النووي وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز مقابل تخفيف العقوبات، مع ترك التهديدات المباشرة لدول الخليج من دون معالجة، كان سيشكّل سيناريو أكثر خطورة.
وفي هذا السياق، يلفت اقتراح الرئيس دونالد ترامب بشأن إدارة مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران لرسوم المرور في مضيق هرمز الانتباه، إذ يعكس استعدادًا للتعامل مع أهم ممر استراتيجي في الخليج كقضية ثنائية، بما يكرّس عمليًا نوعًا من الوصاية المشتركة على شريان حيوي تعتمد عليه ست دول ذات سيادة لبقائها الاقتصادي.
ما تحتاجه دول الخليج يتجاوز مجرد إشراك شكلي في المفاوضات، إلى دور بنيوي في صياغة هيكلية التسوية نفسها. ويبدأ ذلك بإطار تفاوضي يعالج مصادر التهديد المختلفة بوصفها ملفات مستقلة، لا ملاحق لاتفاق نووي: الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيّرة، الإكراه البحري، وشبكات الوكلاء. وقد عبّرت دول مجلس التعاون، بصيغ متفاوتة، عن هذا التوجّه عقب وقف إطلاق النار: دعت السعودية إلى وقف الهجمات وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم، وطالبت الكويت بتسوية “شاملة ودائمة”، فيما شدّدت الإمارات على ضرورة أن يشمل أيُّ اتفاق جميع أوجه التهديد، من القدرات النووية إلى الصواريخ والمسيّرات والوكلاء والإكراه البحري. وهذه المطالب، في جوهرها، تمثّل الحد الأدنى لشروط تسوية قابلة للحياة.
ثانيًا، يقتضي هذا الدور إنشاء آلية رقابة وتنفيذ تشارك فيها دول الخليج بوصفها أطرافًا مؤسسية، لا مجرّد جهات يتم إطلاعها على ما يُقرَّر لاحقًا. فالتسويات التي لا تملك أدوات تنفيذ واضحة، ولا إشراكًا مباشرًا للفاعلين الأساسيين، تظل عرضة للتآكل عند أول اختبار.
ثالثًا، لا بُدّ من إعادة تقييم جدية لنموذج القواعد العسكرية. فقد أظهرت الحرب أنَّ استضافة أصول عسكرية أجنبية قد تؤدي إلى “انقلاب الأمن” أي التعرّض للمخاطر من دون تمثيل بحيث تتحوّل القواعد المصمّمة للردع إلى أعباء استراتيجية. وإذا كان من المقرر استمرار ترتيبات الوصول في زمن السلم، فلا بدّ من صياغة اتفاق جديد يربط تعاقديًا بين الحماية في زمن الحرب والمشاركة الديبلوماسية بعد الحرب كشرطين من شروط هذه الترتيبات .
لا توجد حاليًا مؤسسة خليجية قادرة على أداء هذا الدور. فقوّة “درع الجزيرة” والعمليات المشتركة لمجلس التعاون صُمِّمتا لبيئة تهديد مختلفة، ويعكس أداؤهما هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك، لطالما تحفّظ المجلس على إنشاء بنية أمنية فوق وطنية من النوع الذي تتطلبه تسوية مستدامة، لكن كلفة هذا التحفّظ باتت اليوم ملموسة: مخزونات مستنزفة من الصواريخ الاعتراضية، ومنشآت غاز مسال متضرّرة، وطاولة تفاوض تخلو من تمثيل خليجي مباشر. ولم يعد السؤال ما إذا كانت آليات الأمن الجماعي مريحة سياسيًا، بل ما إذا كان غيابها قابل للاستمرار.
السؤال الأهم
لقد اكتسبت دول الخليج حقها في هذا الدور، لا من خلال موقعها الجغرافي فحسب، بل عبر ما أظهرته من ضبطٍ للنفس تحت النار، ومن قدرة على الدفاع عن أجوائها، ومن الثمن الباهظ الذي تحمّلته في حربٍ سعت إلى تفاديها، ورفضت الانخراط فيها، ولم تستطع وقفها. السؤال اليوم لم يعد ما إذا كان التحالف الأميركي–الخليجي سيستمر، بل على أيِّ أُسُسٍ سيُعاد تعريفه.
تحالفٌ تقدّم فيه الدول الصغيرة الأرض والقواعد، وتتحمّل كلفة التسلّح، وتؤجّل تموضعها الديبلوماسي، ثم تدفع ثمن المواجهة من دون أن يكون لها موقع تعاقدي في رسم نهاياتها، هو تحالف لم يعد قابلًا للاستمرار بصيغته الحالية. وما كشفته هذه الحرب لا يدفع إلى مراجعة جُزئية، بل إلى إعادة صياغة أعمق للشروط التي قام عليها.
لم تفشل محادثات إسلام آباد بسبب غياب دول الخليج، لكن أي نجاح محدود كان سيبقى، في المدى الطويل، رهينة غياب الأطراف التي يقع على عاتقها الحفاظ على “بيئة الامتثال” لأيِّ اتفاق. وإذا أفرزت الجولات المقبلة تسوية ثنائية لا تعالج التهديدات المباشرة لدول الخليج، واستمرَّ استبعادها من التمثيل، فإنَّ مثل هذا الاتفاق لن يصمد، ولن تملك الدول التي دفعت كلفته القدرة على التأثير في مساره أو الاعتراض عليه.
هنا يكمن الخلل البنيوي الذي ينبغي معالجته قبل انطلاق الجولة التالية، لا بعد اكتمالها.
- مهند سلوم هو أستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، وزميل بحث فخري في جامعة إكستر البريطانية.
- يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة) (https://mecouncil.org).
