في لحظةٍ عالمية مضطربة، يقفُ قطاعُ النفط الروسي أمام اختبارٍ حاسم بين إرثٍ ثقيل من القوة الإنتاجية وتحديات متراكمة تهدد استدامته. وبين ضغوط الداخل وتقلبات الخارج، يتشكل مستقبل هذه الصناعة على إيقاع التراجع المُدار لا التوسُّع التقليدي.
هاني مكارم*
لم يَعُد السؤال المطروح بشأن النفط الروسي هو ما إذا كانت موسكو قادرة على البقاء لاعبًا كبيرًا في سوق الطاقة، بل كيف ستبقى، وبأي كلفة، ولمدة كم من الزمن. فروسيا لا تواجه أزمة نفطية بالمعنى التقليدي، إذ لا تزال تمتلك احتياطيات ضخمة، وبنية تحتية واسعة، وقدرة تشغيلية كبيرة، كما إنها ما زالت من بين أهم المنتجين عالميًا. لكن ما يلوح في الأفق ليس انهيارًا مفاجئًا، بل مسارًا أكثر تعقيدًا: قطاع قوي ظاهريًا، لكنه يدخل تدريجًا في مرحلة استنزاف بنيوي، حيث يصبح الحفاظ على الإنتاج أصعب من زيادته، ويتحول كل برميل إضافي إلى نتيجة لتوازن دقيق بين الجيولوجيا والضرائب والعقوبات والسياسة الخارجية.
جوهر المشكلة أنَّ النموذج الذي قام عليه النفط الروسي طوال العقود الماضية يقترب من حدوده الطبيعية. فقد استفادت روسيا طويلًا من حقولٍ عملاقة تقليدية، خصوصًا في غرب سيبيريا، ومن إرث سوفياتي وفّر قاعدة موارد هائلة وتكاليف استخراج مقبولة نسبيًا. هذا الإرث منحها ميزة تاريخية: إنتاج وفير من حقول برية كبيرة، بشروط جيولوجية مفهومة، وبشبكات تصدير جاهزة، وبخبرات تراكمت عبر عقود. لكن هذا النموذج نفسه بات اليوم مصدر القيد الأساسي. فالحقول القديمة تنضج، ومعدلات التراجع الطبيعي فيها تتسارع، وأيُّ تعويضٍ لهذا التراجع يحتاج إما إلى تقنيات أكثر تعقيدًا داخل الحقول نفسها، أو إلى الانتقال نحو موارد أصعب وأعلى كلفة، سواء في المناطق القطبية أو البحرية أو في التكوينات غير التقليدية.
حين يتحوّل الإرثُ النفطي إلى عبء
هنا تظهر المُعضِلة الروسية الحقيقية: روسيا ليست دولة فقيرة بالنفط، لكنها دولة يزداد فيها النفط “السهل” ندرة، فيما يزداد النفط “المُمكن” كلفةً وتعقيدًا. وهذا فرقٌ جوهري. فالمشكلة ليست في وجود الموارد تحت الأرض، بل في اقتصاد استخراجها ضمن الظروف الحالية. الدراسات في هذا المجال تُبيّن أنَّ جزءًا مهمًا من تراجع الإنتاج الذي بدأ يظهر منذ أواخر 2025 لا يمكن تفسيره فقط بعوامل ظرفية مثل التزامات “أوبك+” أو اضطرابات الحرب والعقوبات، بل يرتبط أيضًا بالوصول المتزايد إلى عتبة يصبح فيها استمرار الإنتاج من كثير من الحقول القديمة مرهونًا بإنفاقٍ أعلى وتقنياتٍ أدقّ وقراراتٍ استثمارية أكثر جرأة.
المفارقة أنَّ الدولة الروسية نفسها تقف في قلب هذه المُعضلة. فمن جهة، تحتاج موسكو إلى النفط بوصفه ركيزةً مالية أساسية، إذ يشكّل مصدرًا كبيرًا للإيرادات العامة ورافعة للاستقرار المالي والنقدي. ومن جهة أخرى، فإنَّ طريقة اقتسام العائدات بين الدولة والشركات تجعل قدرة القطاع على إعادة ضخ أرباحه في الاستثمار محدودة. تقاريرٌ عدة توضّح أنَّ الدولة تستحوذ على نسبة كبيرة من الريع النفطي، وأنَّ العبء الضريبي الفعلي في المنبع يبقى مرتفعًا حتى بعد تعديلات النظام المالي، ما يعني أنَّ الشركات تعمل في ظلِّ هامشٍ أضيق بكثير مما توحي به أرقام الأسعار العالمية. وفي الفترات التي ترتفع فيها الأسعار، لا تتحوَّل الزيادة تلقائيًا إلى طفرة استثمارية، لأن جُزءًا معتبرًا منها يذهب مباشرة إلى الخزانة العامة.
بهذا المعنى، يُصبح النفط الروسي أسيرَ معادلة مزدوجة: الدولة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الإيرادات اليوم، لكن القطاع يحتاج إلى ترك جزء أكبر من هذه الإيرادات داخله كي يُمَوِّل الغد. وهذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في مستقبل الصناعة. فإذا شددت الدولة قبضتها الضريبية لحماية الموازنة، فإنها تُضعِفُ الحافز على الاستثمار في الحقول الجديدة أو في رفع معامل الاستخلاص من الحقول الناضجة. وإذا خففت العبء لتحفيز الاستثمار، فإنها تخاطر بتراجع الإيرادات في وقت يزداد الضغط على المالية العامة. ولذلك فإنَّ روسيا لا تواجه فقط مسألة إنتاج، بل مسألة نموذج توزيع للريع قد يصبح عائقًا أمام استدامة القطاع نفسه.
وإذا كان العبء المالي عنصرًا داخليًا ضاغطًا، فإنَّ العقوبات أضافت بُعدًا خارجيًا أكثر عمقًا. فالأثر الأهم للعقوبات لم يكن فقط في الأسعار أو طرق التسويق أو إعادة توجيه الصادرات من أوروبا إلى آسيا، بل في تعطيل الوصول إلى التكنولوجيا والخدمات النفطية الغربية المتقدمة. وقد أثبتت الشركات الروسية أنها قادرة على امتصاص جُزءٍ من الصدمة، كما إنَّ انسحاب الشركات الأجنبية لم يؤدِّ إلى انهيارٍ فوري في العمليات، بل جرى تعويض قسم منه بإدارة محلية أو عبر مزوّدين آخرين. لكن ذلك لا يلغي أنَّ المشاريع الأكثر تعقيدًا، وخصوصًا في المياه العميقة والقطب الشمالي وبعض تقنيات الاستخلاص المتقدم، ستظل أكثر تأثرًا. وهنا يكمن الخطر البعيد المدى: ليس في توقف القطاع عن العمل، بل في تآكل قدرته على الانتقال إلى المستوى التالي من التطوير.
هذا التآكل يبدو أكثر وضوحًا عند النظر إلى “خط الأنابيب” الاستثماري للمشاريع الجديدة. فالصناعة النفطية لا تعيش على الإنتاج الحالي فقط، بل على المشاريع التي تُحضَّر اليوم لتعوِّض إنتاج ما بعد خمس أو عشر سنوات. وفي هذا الجانب تحديدًا، تبدو الصورة الروسية أقل اطمئنانًا. فمعظم ما يدعم الإنتاج اليوم هو نتاج قرارات واستثمارات سابقة، في حين أن قاعدة المشاريع الجديدة ليست قوية بما يكفي لتضمن استمرارية مريحة حتى منتصف الثلاثينيات. وتلفت دراسات وتقارير عدة إلى أنَّ جُزءًا واسعًا من الزيادة أو الثبات الذي تحقق في مراحل سابقة استند إلى استغلال أكثر كثافة للحقول القائمة، لا إلى اكتشاف موجة جديدة من الحقول العملاقة. وهذا يعني أنَّ روسيا استهلكت جانبًا من “سهولة المستقبل” لكي تحافظ على قوة الحاضر.
من هنا، يكتسب الحديث عن “أوبك+” أهمية خاصة. فكثيرًا ما يُنظَرُ إلى التحالف بوصفه أداةً رفعت دخل روسيا من خلال دعم الأسعار. وهذا صحيح جُزئيًا. لكن الوجه الآخر أقل ظهورًا: حين يدخل منتج كبير مثل روسيا في نظام حصص طويلة الأمد، تصبح قرارات الاستثمار مختلفة. فالشركات لا تبني مشاريع مكلفة إذا كانت غير واثقة من إمكان تشغيلها بحرية أو استرداد رأسمالها ضمن أفق واضح. كما إنَّ منطق إدارة الحصص قد يدفع إلى تأجيل تطوير بعض الحقول الجديدة طالما أنَّ الإنتاج الكلي مُقيَّد أصلًا. وهكذا، فإنَّ ما يفيد المالية العامة في المدى القصير عبر سعر أعلى، قد يضعف ديناميكية التوسُّع في المدى المتوسط. الدراسات تشير إلى أنَّ التكيُّف مع “أوبك+” لم يكن مجرد إجراء تكتيكي، بل ساهم في إعادة تشكيل عقل الصناعة ذاتها، من منطق النمو إلى منطق الإدارة والتحكُّم والانضباط.
ولا يمكن فهم مستقبل النفط الروسي من دون التوقف عند عامل سعر الصرف. فروسيا تستفيد تقليديًا من كون جزء كبير من تكاليفها محليًا بالروبل، بينما تُقاس عائداتها بالدولار. وعندما يضعف الروبل، تتحسن القدرة التنافسية للشركات ظاهريًا. لكن هذه الميزة لم تعد صافية كما في السابق. فالتضخم الداخلي، وارتفاع أسعار المعدات والخدمات، وتزايد كلفة التمويل، كلها تُقلّص أثر ميزة العملة. بعبارة أخرى، لم يعد انخفاض الروبل ضمانة كافية لتعويض المشاكل البنيوية في بيئة الإنتاج والاستثمار.
بين واقعية التراجع وحدود الاستراتيجية
المشكلة الأكبر أنَّ الاستراتيجية الرسمية حتى 2050 تبدو أكثر تفاؤلًا من الوقائع التشغيلية والمالية. فالتصوُّر الرسمي يفترض إمكان الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة نسبيًا لفترة طويلة، بالاستناد إلى تطوير موارد جديدة واستمرار تعويض التراجع في الحقول القديمة. غير أنَّ الدراسة تضع هذه الرؤية تحت اختبار واقعي صارم، وتخلص إلى أنَّ السيناريو الأرجح ليس الاستقرار الطويل، بل الانخفاض التدريجي في الإنتاج خلال العقد المقبل، مع احتمال وصوله بحلول 2035 إلى مستوى أدنى بكثير من مستويات الذروة الحديثة. كما تفيد الدراسات المتعددة في هذا المجال بأنَّ المسار العام لإمكانات إنتاج الخام في المدى الطويل يميل إلى الانحدار حتى في السيناريوهات الأقل تشاؤمًا، وأنَّ الحفاظ على مستويات مرتفعة يتطلب مساهمة واسعة من مشاريع جديدة ليست مضمونة من حيث التمويل أو الجدوى أو التنفيذ.
لكن التراجع هنا لا ينبغي فهمه باعتباره انهيارًا. الأدق أنه “تراجُعٌ مُدار”. وهذا التعبير مهم لأنه يصف بدقة ما قد تفعله روسيا: ليس مقاومة التراجع بأيِّ ثمن، بل تنظيمه بحيث يبقى القطاع مولّدًا للعائدات، وتبقى الدولة قادرة على التحكُّم بإيقاعه، وتبقى الشركات قادرة على العمل من دون الانزلاق إلى أزمة استثمار شاملة. في هذا السيناريو، قد تعطي موسكو الأولوية للحقول الأقل كلفة والأكثر موثوقية، وتخفّض طموحاتها في المشاريع الأبعد والأصعب، وتتعامل مع النفط باعتباره موردًا ينبغي إدارته بحذر لا منصة لتوسّع جديد واسع.
هذا المسار، وإن بدا دفاعيًا، قد يكون الأكثر عقلانية. فمحاولة الحفاظ على إنتاج مرتفع بأيِّ وسيلة قد تعني إنفاقًا رأسماليًا ضخمًا على مشاريع مرتفعة المخاطر، في وقتٍ لا تضمن البيئة الدولية ولا الأسعار ولا التكنولوجيا مردودًا كافيًا. أما قبول تراجع تدريجي ومدروس، فيمنح الدولة وقتًا أطول للتكيُّف، ويقلل من احتمال حصول صدمة إنتاجية حادة. لكنه في المقابل يفرض على روسيا حقيقة ثقيلة: عصر النفط الروسي غير المقيّد يقترب من نهايته، وما يدخل حيّز التشكُّل اليوم هو صناعة أكثر حذرًا، أقل اندفاعًا، وأكثر ارتباطًا بحسابات البقاء المالي والاستراتيجي.
في المحصّلة، لا يبدو مستقبل النفط في روسيا مستقبل انطفاءٍ سريع، ولا مستقبل استمرار مريح. إنه مستقبل ضغط مزمن. قطاع ما زال كبيرًا بما يكفي ليؤثر في السوق العالمية، لكنه بات مُثقلًا بقيود تمنعه من إعادة إنتاج قصته القديمة. ولهذا فإنَّ السؤال الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون: هل ستبقى روسيا دولة نفطية كبرى؟ بل: هل تستطيع تحويل التراجع المحتمل من أزمة إلى إدارة، ومن خسارة مفتوحة إلى إعادة تموضع محسوبة؟ هنا تحديدًا ستتقرر قيمة النفط الروسي في المستقبل، ليس فقط في البراميل التي سيضخّها، بل في القدرة السياسية والمالية والتقنية على جعل كل برميل متبقٍّ جُزءًا من استراتيجية بقاء، لا مجرد بقايا مجد مضى.
- هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.
